عنوان الكتاب: ضد الليبرالية الرمزية: دعوة إلى علم اجتماع تحاوري.
عنوان الكتاب في لغته: Against Symbolic Liberalism: A Plea for Dialogical Sociology.
المؤلف: ساري حنفي.
ترجمة: ياسر الزيات.
الناشر: الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات.
سنة النشر: 2025.
عدد الصفحات: 344.
مقدمة: حول مفارقة المذهب الليبرالي وسياقاته
وُلد الفكر الليبرالي محملًا بمفارقة تأسيسية مفادها أنه مشروع فكري، يحاول بناء المجتمعات الديمقراطية من خلال مفردات العقل والخير والعدالة بصورة كونية، من جهة، لكنه يتجسد تاريخيًا داخل سياقات اجتماعية وسياسية شديدة الخصوصية، اتسمت بأشكال من التمييز العرقي وبنى متعددة من الهيمنة، من جهة أخرى. وارتبط هذا المشروع واقعيًا بالتناقض بين سياقَي الشمال والجنوب؛ أي بين مجتمعات تمتلك البنية المادية والمؤسسية التي تسمح بتجسيد القيم الليبرالية، وأخرى ما تزال تعاني اختلالات بنيوية تحول دون تحققها الفعلي. ومع تحولات النصف الثاني من القرن العشرين، لا سيما بعد سقوط الاتحاد السوفياتي، تَجَسد هذا التناقض في تقابل جديد داخل الليبرالية نفسها بين تيار "النيوليبرالية"، أو "ليبرالية الحداثة المتأخرة" وما تزامن معها من خطاب هوياتي يدعو إلى التنوع والإنصاف والشمول والصوابية السياسية والتمثيل الثقافي بوصفه بديلًا من العدالة الاجتماعية، وتيار "الليبرالية المعاصرة" الذي سعى لاستعادة العقلانية الحداثية والموضوعية الأخلاقية التي تأسس عليها المذهب الليبرالي الكلاسيكي.
وهكذا انقسم المشهد الليبرالي بين فريقين؛ الأول يضم مفكري الليبرالية الجديدة ومنظريها الاقتصاديين مثل فريدريك هايك Friedrich Hayek (1899-1992)، وميلتون فريدمان (1912-2006)، وأصحاب المقاربات الثقافية الاجتماعية التي ركزت على سياسات الهوية والاعتراف مثل نانسي فريزر (1947-)، وجوديث باتلر (1956-) وغيرهما. وكانت محصلة الالتقاء بين هذين الطرفين أن تجاوز الإرث العنصري والاستعماري قد اختُزل في توسّع التمثيل الرمزي داخل المنظومة ذاتها، من دون مساءلتها أو تغييرها، وأن الخطاب الليبرالي الجديد صار يحتفي بالتعدد الثقافي واللغوي والعرقي، ويترك آليات الهيمنة الاقتصادية والسياسية من دون تغيير، إن لم يعمق تكريسها. أما الفريق الثاني، فيتمثّل في المفكرين الليبراليين ممن حاولوا تطوير الليبرالية المعيارية المعاصرة، أو بالأحرى، إعادة تأسيسها فلسفيًا، مثل يورغن هابرماس (1929-)، وتشارلز لارمور (1950-)، وجون رولز (1921-2002)، ممن يرون أن هذا التحول قد أفرغ الليبرالية من مضمونها الفلسفي، وحوّلها إلى "نظام أخلاقي رمزي" بدلًا من أن تكون "نظامًا عقلانيًا للعدالة". وفي العالم العربي، جاءت المعالجة الأكثر عمقًا وتكاملًا من الوجهة الفلسفية ممثلةً في مشروع المفكر العربي عزمي بشارة؛ إذ سعى، ضمن منظوره النقدي، لإعادة بناء المفاهيم المركزية للحداثة السياسية من خلال تحليل تاريخي فسر من خلاله مفارقة الجمع بين الادعاءات الكونية للمبادئ الليبرالية ومشروطية تجسيدها في السياق العربي.
وفي هذا السياق، يأتي كتاب ساري حنفي
ضد
الليبرالية الرمزية: دعوة إلى علم اجتماع حواري بمنزلة استجابة تشخيصية وعلاجية لهذا المرض ونقدًا إصلاحيًا لليبرالية ذاتها، يستلهم فيه أعمال رولز وهابرماس وآخرين لتقديم نموذج إرشادي جديد لـ "الليبرالية السياسية". ويرتكز هذا النموذج على التزام صادق بالمثل الليبرالية، واعتراف باختلاف مبادئ الخير، وتوليد مجال عام تتفاعل فيه مختلف الفئات الثقافية والسياسية، من خلال دفع تصُوراتها المختِلفة بشأن مفاهيم العدل والخير المشتَرك إلى طاولة الحوار. ولتحقيق ذلك، يدعو حنفي إلى "علم اجتماع تحاوري" يتولى فيه علماء الاجتماع مهمة الإشراف على هذا الحوار وصياغة قواعده وتحديد الأطراف المشاركة فيه، بوصفهم منخرطين بوعي تام في العالم الذي يدرسونه، ويحوزون، في الوقت نفسه، منظور المجتمع المدني، وهو ما يؤهلهم، على حد تعبير عالم الاجتماع الأميركي الشهير مايكل بوراووي Michael Burawoy (1947-2025) في مقدمة الكتاب، للاضطلاع بمهمة نقل معاركنا إلى طاولات الحوار النبيل (ص 23).
* هذه المراجعة منشورة في العدد 56 من دورية "تبيّن" (ربيع 2026)، وهي
دورية فصلية محكّمة يصدرها المركز العربيّ للأبحاث ودراسة السياسات ومعهد الدوحة للدراسات العليا وتُعنى بالدراسات الفلسفية والنظريات النقدية.
** تجدون في موقع دورية "تبيّن" جميع محتويات الأعداد مفتوحة ومتاحة للتنزيل.