المنسق: إلياس جويني.
عنوان الكتاب: تونس من المخزن إلى الدولة الوطنية في ضوء مسيرة محمد الصالح مزالي.
العنوان الأصلي: La Tunisie du makhzen à l'État national: À la lumière de l'itinéraire de Mohamed-Salah Mzali.
الناشر: تونس: معهد البحوث المغاربية المعاصرة.
سنة النشر: 2025.
عدد الصفحات: 348.
مقدمة
وجدت "نظرية النخب"، بعد الضجّة التي أحدثها علماء الاجتماع خاصة، في مطلع القرن العشرين في أوروبا، امتدادًا طبيعيًا في حقل التاريخ، الذي نظر إليها باعتبارها سلسلة من أفعال تقوم بها أقلية من الرجال. وقد أثّرت هذه النظرية في بعض فروع السيرة الذاتية التاريخية التي أصبحت لاحقًا محلّ جدل. ومع بروز مدرسة الحوليات منذ ثلاثينيات القرن العشرين، انفتحت آفاق جديدة للبحث التاريخي، شملت مجالات الاقتصاد والمجتمعات والحياة المادية. وبعد الحرب العالمية الثانية، ظهرت دراسات "تاريخ العقليات"؛ ما أبعد جيلًا كاملًا من المؤرخين عن الاهتمام المباشر بالتاريخ السياسي للنخب. ومع ذلك، لم يختفِ هذا المجال، بل اكتسب حيوية جديدة مع صعود البروسبوغرافيا. وعلى الرغم من أن الأخيرة تقع في ملتقى التاريخ الاجتماعي والسياسي، فإنها تركّز على فئات قريبة مما توصف اجتماعيًا بـ "النخب" Elites. وقد ظهرت هذه الأبحاث المنهجية منذ القرن التاسع عشر في الدراسات الكلاسيكية، لكنها ازدهرت في السبعينيات بفضل تأثير مدرسة الحوليات. وفي السياق ذاته، ساهم المؤرخون في توسيع دائرة البحث لتشمل فئات أقلّ حظوة كالفلاحين والمهمّشين والنساء، على الرغم من ندرة المصادر المتوافرة عنهم. وأدخلت البروسبوغرافيا أيضًا بُعدًا سوسيولوجيًا إلى دراسة النخب، من خلال تحليل البيانات لربط الفرد بالمجموعة، وتحديد الخصائص الجماعية. ومع ذلك، ظلّت دراسة النخب تواجه شكوكًا لدى عدد من المؤرخين، لا سيما بسبب صعوبة تحديد "النخب" موضوعًا تاريخيًا.
تعالت، بعد الاستقلال، دعوات بين مؤرخي دول المغرب العربي إلى ضرورة كتابة علمية لتاريخ النخب المغاربية؛ إذ يُنظر إلى تاريخ النخب بوصفه قادرًا، بحكم طبيعته، على تفكيك السرديات الجاهزة، عبر توثيق أدوار سياسية طُمست عن قصد أو عن غير قصد. وفي هذا السياق، صدر في عام 2025 عن معهد البحوث المغاربية المعاصرة في تونس، كتاب، هو في الأصل أعمال ندوة دولية، من تنسيق إلياس جويني، بعنوان: تونس من المخزن إلى الدولة الوطنية في ضوء مسيرة محمد الصالح مزالي. ينطلق الكتاب من إشكالية محورية مفادها ضرورة تتبّع المسار الشخصي لمزالي بوصفه مثقفًا من أصول مخزنية، انخرط في العمل السياسي في خدمة الحاكم والسيادة الوطنية. وعلى الرغم مما قد تثيره هذه المسيرة من جدل، فإنها تشكّل جزءًا من تاريخ النصف الأول من القرن العشرين. ومن خلال هذه البيوغرافيا التاريخية، يمكن رصد الرؤى التاريخية حول تونس خلال تلك الحقبة، عبر متابعة التحولات الاجتماعية والسياسية والثقافية التي شهدتها البلاد، منذ عهد الحماية الفرنسية حتى مشارف الاستقلال. وقد جاءت مساهمات الكتاب منسجمة في أربعة أقسام متكاملة على النحو التالي.
*هذه المراجعة منشورة في العدد 24 من
دورية "
أسطور" ( شباط/ فبراير 2026)، وهي
دورية محكّمة للدراسات التاريخية المتخصصة، يصدرها المركز العربيّ للأبحاث ودراسة السياسات ومعهد الدوحة للدراسات العليا كل ستة أشهر.
** تجدون في موقع دورية "أسطور" جميع محتويات الأعداد مفتوحة ومتاحة للتنزيل.