أستاذ دراسات الإعلام في معهد الدوحة للدراسات العليا
استضاف سيمنار المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، يوم الأربعاء 23 أيلول/ سبتمبر 2026، عماد بن العبيدي، أستاذ دراسات الإعلام في معهد الدوحة للدراسات العليا، الذي قدّم مشروعه البحثي بعنوان "صدى صوت هند رجب: الشهادة السمعية، والاحتلال، وسياسة الموت"، تناول فيه الكيفية التي يعيد بها فيلم "صوت هند رجب" للمخرجة التونسية كوثر بن هنية تنظيم الشهادة على العنف الاستعماري، بنقل مركزها من الرؤية إلى الإصغاء. وشاركت في التعقيب على السيمنار رانية المالكي، أستاذة ممارسة في برنامج الصحافة في معهد الدوحة.
انطلق الباحث من هيمنة النظام البصري على تمثيل الاضطهاد الإسرائيلي في فلسطين، إذ احتلت صور الأجساد الجريحة والعمران المدمر ومشاهد الخراب موقع الدليل الأساسي على العنف. ورأى أن الفيلم، الذي يعيد بناء الساعات الأخيرة من حياة الطفلة الفلسطينية هند رجب، مستندًا إلى تسجيلات مكالماتها مع جمعية الهلال الأحمر الفلسطيني، يعلّق "اقتصاد فرط الإبصار"، ويجعل الصوت والانتظار وانقطاع الاتصال وتعليق الإنقاذ عناصرَ أساسية في إدراك الواقعة، من دون الاتكاء على عرض الجسد المعذّب أو مشاهد العنف المباشر.
وطرح مفهوم "القرب السمعي" لتفسير علاقة المتلقّي بهذه الشهادة؛ فحين يغيب المصدر المرئي للصوت، أو يتعذر الوصول بصريًا إلى الحدث، تقلّ المسافة بين المستمع والمعاناة، ويجد المتلقي نفسه داخل فضاء سمعي تتراكم فيه مشاعر الخوف والعجز والانتظار. وبيّن أن الإصغاء لا يؤدي وظيفة مرافقة للصورة، بل يغدو شكلًا من الانخراط الأخلاقي، لأن المشاهد يشارك هندًا زمن انتظارها، بدلًا من أن يكتفي بمشاهدة نتائج العنف بعد اكتماله. وبذلك، يصبح العنف خبرة تُعاش زمنيًا قبل أن يستقر في صورة مرئية أو تصنيف تمثيلي جاهز.
واستند المحاضر إلى القراءة الطباقية عند إدوارد سعيد لفهم صوت هند بوصفه انقطاعًا سمعيًا داخل الخطاب العسكري واللغة البيروقراطية، واستعان بمفهوم "سياسات الموت" Necropolitics عند أشيل مبيمبي، وبمفهوم "النيكروبينولوجيا" Necropenology عند نادرة شلهوب-كيفوركيان، لتحليل منظومة لا تكتفي بإخضاع الحياة لإدارة الموت، بل تجعل إمكان الإنقاذ نفسه معطّلًا ومؤجّلًا ومعلّقًا بقرار استعماري. وذهب إلى أن الفيلم يتجاوز توثيق مقتل طفلة، ليكشف بنيةً تستهدف المدنيين والطواقم الطبية وشروط النجاة، وتجعل الانتظار والانقطاع بنيتين سياسيتين تُنتجان الشهادة وتعيدان تنظيمها.
وتناول المشروع البناء السمعي والبصري للفيلم، ولا سيما امتداد المكالمات، وبطء الإيقاع، والانقطاع المتكرر، والانتقال بين أداء الممثلين والتسجيلات الحقيقية. ورأى أن حجب صورة هند لا يلغي الصورة، بل يعيد توجيهها نحو العاملين في الهلال الأحمر الذين يصغون إليها ويحاولون إنقاذها، في حين يحضر صوتها المسجّل شاهدًا وأرشيفًا ودليلًا على العنف. وخلص إلى أن هذا التنظيم يكشف اتساع الفجوة بين الشهادة والعدالة؛ إذ لم يعد التوثيق المكثف، سواء أكان بصريًا أم سمعيًا، كافيًا وحده لضمان المساءلة ومحاسبة الجرم الاستعماري.
وجمع الباحث في مقاربته بين التحليل السمعي البصري الدقيق، ودراسات الصوت، وتحليل الخطاب النقدي، لبيان كيفية مقاومة الصوت للتجريد الاستعماري الذي يحوّل الضحايا إلى أعداد وصور متكررة. وتوقّف عند دلالة إطلاق ثلاثمئة وخمس وثلاثين رصاصة على السيارة التي كانت تقلّ هندًا وستةً من أفراد عائلتها، معتبرًا أن الرقم لا يؤدي وظيفة إحصائية منفصلة، بل يندرج ضمن بنية الشهادة والأرشفة والدليل الجنائي. وفي هذا السياق، قدّم الصوت بوصفه حاملًا للخوف والتمسك بالحياة في آنٍ واحد، وقوةً تعيد تشكيل علاقة المُشاهد بالحدث من دون أن تمنحه موقع السيطرة المعرفية أو اكتمال الرؤية. وأوضح أن البنية الأكوسماتية Acousmatic، أي سماع الصوت مع غياب مصدره المرئي، لا تحجب الواقعة، بل تكشف هشاشة الشاهد وحدود قدرته على التدخّل، وتعيد الاعتبار إلى الإصغاء بوصفه فعلًا معرفيًا وأخلاقيًا في مواجهة التداول المتواصل لصور المعاناة، مع إبراز حدوده السياسية.
ثم عقّبت المالكي على المحاضرة، ورأت أن هذه الفجوة تستحق موقعًا أبرز في المشروع، واقترحت توسيع إطاره النظري ليشمل دراسات الفيلم الوثائقي، التي تبحث أثر تمثيل الضحية في الجمهور، وإمكان أن ينتهي التأثّر والتنفيس العاطفي من دون أن يُفضيا إلى فعل. ودعت إلى زيادة التشبيك بين مفاهيم سعيد ومبيمبي وشلهوب-كيفوركيان، وتوضيح "اللحن الآخر" في القراءة الطباقية من خلال الخطاب العسكري واللغة الرسمية والتغطية الإعلامية المحيطة بمقتل هند. وأشارت إلى ضرورة بيان الصلة بين النيكروبينولوجيا والتحكمّ الاستعماري في زمن الانتظار، بما يشمل تأخير الإنقاذ والوصول إلى مسرح الجريمة.
وأضافت أن التحليل يحتاج إلى عنايةٍ أكبر بالتكوين الشكلي للصوت، وإطلاق النار خارج الكادر، وتغير جودته، ومواضع الانتقال من التمثيل إلى التسجيل الحقيقي، وأثر ذلك في تجربة المشاهدة. وأوضحت أن الفيلم لا يستبدل الصورة بالصوت استبدالًا كاملًا، بل يستعيض عن صورة الضحية بصور المستمعين إليها، وهم أيضًا داخل المأساة. واقترحت إعادة صوغ مفهوم "القرب السمعي" حول التوتر بين معرفة المُشاهِد المسبقة بمصير هند، والأمل الذي تستعيده البنية الدرامية في إمكان إنقاذها.
وأوضحت بن هنية، مخرجة الفيلم، في مداخلةٍ خلال السيمنار، أنّ التسجيل الكامل لصوت هند جعل الصوت مركز ثقل الفيلم، وأنها اختارت البقاء داخل مكتب الهلال الأحمر وتقديم وجهة نظر المستمعين كي تجسّد العجز الذي يختبره من يتابع ما يجري في غزة. وبيّنت أن المزج بين التمثيل والتسجيل الوثائقي أعاد الحدث إلى زمنٍ حاضرٍ كان فيه الإنقاذ لا يزال ممكنًا، بدلًا من تفسير واقعة اكتملت في الماضي، وهو ما أتاح مناقشة العلاقة بين أثر الشهادة وحدودها، وبين الإصغاء والتوثيق وإمكان الفعل.
وشهد السيمنار نقاشًا ثريًّا تناول موضوعات عدة، من بينها العلاقة بين الصوت والصورة في تمثيل العنف الاستعماري، وحدود الشهادة السمعية، وأثر الانتقال بين التسجيلات الحقيقية وأداء الممثلين في تجربة المشاهدة. وأُثيرت خلاله مسألة الفجوة بين التوثيق والمساءلة، بمشاركة نخبة من الباحثين والأكاديميين في المركز العربي، وأساتذة من معهد الدوحة وطلبته.