يأتي "العرب والكرد: المصالح والمخاوف والمشتركات"، الذي عقده المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، في إطار سلسلة مؤتمرات العرب والعالم التي دأب المركز على تنظيمها دوريا منذ عام 2010، وتتناول عادةً علاقات العرب مع جيرانهم في الإقليم وكذلك مع القوى الدولية الفاعلة على الساحة الدولية.

ولأول مرة، لا يدرس هذا المؤتمر علاقة العرب مع الخارج بل مسألة "الآخر" ضمن الدولة العربيّة الحديثة؛ في محاولةٍ لتقديم فهمٍ أكثر عمقًا للمسائل الإشكاليّة في العلاقات العربية - الكردية في ضوء التطورات السياسية المتسارعة التي تعيشها دول المشرق العربي.

اليوم الأول

تركزت الأوراق المقدمة في الجلسات الأربع لليوم الأول من مؤتمر "العرب والكرد: المصالح والمخاوف والمشتركات"، ضمن محورين رئيسين، أولهما في محاولة تبيان نشأة المسألة الكردية تاريخيا في نطاق الدول العربية الناشئة بعد الدولة العثمانية وبعد الانتداب الأجنبي، ثم التركيز في ثانيهما على التطور التاريخي للقضية الكردية في العراق.

تاريخ من التعايش ونزعة من التمرد

في ورقة تحت عنوان "جدلية التعايش التاريخي بين العرب والأكراد في ولاية الموصل" سلط الباحث والمؤرخ سيّار الجميل الضوء على التعايش الاجتماعي بين العرب والكرد في ولاية الموصل. وقد كانت هذه الولاية تضمّ كلّ كرد العراق إلى جانب الأطياف الاجتماعية الأخرى. وأشار إلى أن هذا التعايش التاريخي بين الطرفين يمتد أنثروبولوجيًّا إلى أزمنة قديمة، بل إنّه يرجع إلى مشروع إدريس البدليسي في تثبيت أركان الإدارة الأهلية في بلاد الجزيرة وولاية الموصل، على عهد سليم الأول في الفترة 1512-1520. وقد شارك الأكراد في الحياة العراقية، وخصوصًا في المشتركات السياسية على مستوى الأحزاب أو التمثيل النيابي.

من وجهة نظر الباحث عبد الوهاب القصاب في ورقته التي عنونها "العرب والكرد في العهد الملكي العراقي: محاولة ناجحة في بناء الهوية الوطنية العراقية الجامعة" فإن من الثابت تاريخيا أنّ المنطقة الكردية في العراق (المحافظات الكردية الثلاث، مضافًا إليها قطاعات من محافظات ديالى وصلاح الدين وكركوك) كانت على الدوام مناطق تدين بتابعيتها وولائها إلى السلطة القائمة في بغداد. من أجل ذلك، فإنّ سكان هذه المناطق كانوا عراقيين على الدوام، مهما كانت التسمية التي تُطلق على هذه الرقعة الجغرافية. وقد اختلفت أوضاع كرد العراق تحت النظام الملكي عن أوضاع الكرد في دول الجوار الأخرى. ففي إيران، يُقمع الكرد لسببين؛ أحدهما قومي والآخر مذهبي. وفي تركيا، يُقمع الكرد لعدم اعتراف النظام الكمالي بهويتهم القومية، وكذلك الشأن في سورية. أما في العراق، فقد اعترفت الدولة العراقية منذ تأسيسها بخصوصيتهم القومية وهويتهم الثقافية، ولم تمارس ضدهم أيّ حالة من حالات التمييز؛ فتولوا مختلف المناصب سواء كانت في الجيش، أو في الخدمة المدنية. وقد كان منهم ضباط بارزون، ونواب ناجحون، ووزراء.

ويرى القصاب أن مساعي فئات من الكرد العراقيين للتمرد والعصيان في الفترة الملكية، لم تكن جامعةً على مستوى الشعب الكردي في العراق في أيّ فترة من الفترات الزمنية التي انطلقت فيها. ولم تتبلور الرسالة العامة للثورة الكردية إلا بعد الحُكم الملكي العراقي، بعد عام 1961 تحديدًا، عندما أطلق الراحل الملا مصطفى البارزاني تمرّده الذي كان أساسًا خلافًا عشائريًّا بينيًّا توسع في ما بعد؛ بسبب فشل حُكم عبد الكريم قاسم في التعامل السليم معه.

من جانبه، أوضح الباحث جمال باروت مدير البحوث في المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، في ورقة تحت عنوان "نشوء المسألة الكردية في الجزيرة السورية: مقاربة تاريخية" أن نشوء المسألة الكردية في الجزيرة السورية ارتبط بطبيعة نشوء الاجتماع الحضري فيها. فقد تبدونت الجزيرة الفراتية عمومًا، والقسم الطبيعي الأوسط منها خصوصًا، حقبةً تاريخيةً طويلة المدى تزيد على ستة قرون، إثر الدمار الماحق الذي ألحقته بها الاجتياحات التتارية؛ ومن ثمّ اقتصرت التجمعات الحضرية في القسم الأوسط منها على بؤر محدودة وضيقة جدًا. وفي حين حاولت السلطات العثمانية في زمن السلطان عبد الحميد الثاني أن تُحيِيَ الجزيرة حضريًا، فإنّ إحياءها الحقيقي لن يتمّ إلا مع سلطات الانتداب الفرنسي على سورية. وقد توفرت شروط نشوء المشكلة الكردية في تركيا بعد تحطيم معاهدة سيفر (عام 1920) والتحول إلى معاهدة لوزان (عام 1923)، ونشوء الجمهورية التركية على أنقاض فكرة الكيان القومي الكردي والدولة الأرمنية، وعلى حساب الأراضي السورية. وتحطمت الدولة العربية بدمشق، ووقعت بلاد الشام والعراق تحت نظام الانتداب. وفي حين خرجت تركيا من التحول بمنزلة الدولة القومية الوحيدة المستقلة. وترتّب على ذلك أنْ كان العرب والأكراد والأرمن أكبرَ الخاسرين.

ويرى باروت أن المشكلة الكردية نشأت في تركيا على خلفية هذا التحول، ونتج من قمع التمردات والثورات القبلية الكردية، هجرةٌ كردية واسعة إلى الجزيرة. وقد وظّفت سلطات الانتداب المهاجرين لإحياء الجزيرة في سبيل مصالحها، واختلقت المسألة الكردية، طارحة حلّها عن طريق قيام حكومة كردية كلدو آشورية مدعومة من بعض العشائر العربية. وفشل مشروع الانفصال، ولم يكن قطُّ مشروعَ حكمٍ لامركزي.

من زاوية نظر مختلفة، أوضح الباحث هوكر طاهر توفيق في ورقة تحت عنوان "العلاقات الكردية – العربية (1891-1918): دراسة تاريخية" أنّ بلاد الكرد (كردستان) قد قُسِّمت بعد الحرب العالمية الأولى بين أربع دول، اثنتان منها عربية. فإضافةً إلى تركيا وإيران، تقاسمت كلّ من الدولتين العربيتين العراق وسورية أجزاءً من كردستان. وبعد هذا التقسيم الذي تكاملت أركانه في سنة 1926، دخلت العلاقات الكردية - العربية منعطفًا خطِرًا وصل إلى حدّ إنكار الهوية الكردية في سورية، وإلى القيام بحملات إبادة جماعية ضد الكرد في العراق.

وأضاف أن العلاقات الكردية - العربية كانت قبل خضوع الكرد للعرب علاقات طبيعيةً، بل إنّ الكرد والعرب وجدوا أنفسهم، مرات عديدةً، في خندق واحد ضد الدولة العثمانية. وبين سنة 1891 التي شهدت تأسيس "الفرسان الحميدية" وسنة 1918 التي شهدت نشاطًا ملحوظًا لجمعية استقلال كردستان التي أُسِّست في مصر؛ تفاعلت العلاقات بين العرب والكرد في منطقتين مختلفتين. فالمنطقة الأولى هي في جنوب كردستان وغربه (شمالي العراق وسورية حاليًا)؛ إذ شهدت هذه المنطقة صراعًا بين العشائر الكردية والعربية في ولاية الموصل وديار بكر. أمّا المنطقة الثانية التي شهدت علاقات كردية - عربية أكثر عُمقًا وإيجابيةً، فكانت ساحتها مصر؛ إذ احتضنت مصر في تلك المدة حركةً ثقافيةً وسياسيةً كرديةً معارضةً للدولة العثمانية. فقد أسّس الكرد جمعيات ثقافيةً وسياسيةً فيها، وأصدروا جرائد كرديةً كان لها أبلغ الأثر في الحركة الثقافية الكردية، وتأتي في مقدمة هذه الجرائد جريدة "كردستان" التي بدأ صدورها في القاهرة سنة 1898.

التسلط والقمع، الهوية والشعور الوطني في تشكيل القضية الكردية في العراق

خصصت الجلستان الثالثة والرابعة في برنامج اليوم الأول لدراسة القضية الكردية في العراق تحت عنوان "الدولة الوطنيّة وإشكالية الهوية في العراق". وقدمت خلالها ست أوراق بحثية بوجهات نظر متعددة ومختلفة.

الذي يعقده المركز العربي ضمن سلسة مؤتمرات العرب والعالم التي المؤتمرات التي يعقدها منذ عام 2010، وتتناول عادةً علاقات العرب مع جيرانهم في الإقليم وكذلك مع القوى الدولية الفاعلة على الساحة الدولية. ولأول مرة، سوف يدرس هذا المؤتمر مسألة "الآخر" ضمن الدولة العربيّة الحديثة؛ في محاولةٍ لتقديم فهمٍ أكثر عمقًا للمسائل الإشكاليّة في العلاقات العربية - الكردية في ضوء التطورات السياسية المتسارعة التي تعيشها دول المشرق العربي.

يعتبر الباحث شيرزاد زكريا محمد عمر أن القضية الكردية دخلت مرحلةً جديدةً، بعد قيام ثورة 14 تموز 1958، وأدى تدهور العلاقات بين الحكومة العراقية وقيادة الثورة الكردية إلى قيام ثورة أيلول 1961. وبعد تولي الرئيس عبد السلام محمد عارف (1963-1966) مقاليد السلطة، لم يشهد الوضع في كردستان استقرارًا سياسيًا، ولم يتم إيجاد حلّ جذري شامل للقضية الكردية؛ ولذلك استمر القتال في كردستان، على الرغم من وجود فترات لوقف إطلاق النار. بعد مصرع الرئيس عبد السلام محمد عارف تولى الرئاسة شقيقه عبد الرحمن محمد عارف. وقد حاول رئيس الوزراء عبد الرحمن البزاز إيجاد حلّ سلمي للقضية الكردية؛ إذ كان يعتقد أنّ الكرد شعب له خصوصيته ويمتلك جميع مقومات الأمة، وكان ضد الحلّ العسكري للقضية الكردية، ومع إشراك الكرد في الحكم، إلّا أنّ القادة العسكريين ضغطوا على الرئيس عارف ورئيس وزرائه البزاز في اتجاه الحل العسكري.

أدّت هزيمة القوات الحكومية في معركة "هندرين" في أيار/ مايو 1966، إلى فتح الباب أمام البزاز للدخول في محادثات مع قيادة الثورة الكردية، وتمّ التوصل إلى بيان 29 حزيران/ يونيو 1966، وقد كان خطوةً مهمّةً لإيقاف القتال في كردستان، وعُدَّ البيان إنجازًا مهمًّا للشعب الكردي؛ إذ اعترفت الحكومة، أوّلَ مرة، بالطابع القومي الثنائي للعراق. وعلى الرغم من التلكؤ وعدم تنفيذ بنود البيان، فإنّه كان الأساس الذي بُني عليه بيان 11 آذار/ مارس 1970، والذي حصل الكرد بموجبه، أوّل مرة، على الحكم الذاتي في العراق.

ويؤكد الباحث الناصر سعيد دريد في ورقة تحت عنوان "دور القمع السلطوي في بروز الهوية الكردية في العراق (1921-1991)" أن الأكراد في العراق عانوا عمليةً تدرّجيةً في القمع والاضطهاد؛ بدأت على نحوٍ بسيط منذ تأسيس الدولة العراقية، واستمرت حتى انتهاء عهد سيطرة الحكومة العراقية على كردستان في عام 1991. وقد بدأت أزمة كردستان في الدولة العراقية منذ التأسيس، عام 1921. وكان الطرفان العراقي والبريطاني قد اعترفا، عام 1922، بحقّ الأكراد في تشكيل حكومة محلّية ضمن العراق، إلّا أنهما تراجعَا بحجة عدم اتفاق الأكراد على شكل الحكومة، وشكل علاقتها بالعراق. والواقع أنّ مشكلة الشعب الكردي كانت متمثّلة في عدم اتفاقه على قيادة موحدة معترف بها. أمّا الإنكليز، فقد تنبّهوا مبكرًا لإمكانية استخدام قضية الأكراد ورقةَ ضغطٍ على الحكومة العراقية، وهكذا بدأت مشكلة الموصل.

وخلص الباحث إلى إنّ العامل القمعي السلطوي كان هو العامل الأساسي في بروز الهوية الانفصالية ونموّها بالنسبة إلى الأكراد في العراق، وفي الرفض الكردي السياسي والمجتمعي للهوية الوطنية العراقية الجامعة.

أشار الباحث عمار علي السمر إلى أن أكراد العراق استغلوا تسارع الأحداث في المنطقة على أكمل وجه لصالحهم، فقد تسارعت التطورات المتعلقة بالقضية الكردية في العراق منذ الغزو الأميركي للعراق، وانهيار الدولة الذي ترتب عليه تصاعد دور الأكراد في العراق، واقترابهم من تحقيق حُلمهم المتمثّل في الدولة المنشودة، مستغلِّين الوضع القائم إلى أقصى حدٍّ، حتى ظهور "تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام" وتوسّعه. فقد شكّل هذا التنظيم خطرًا على المشروع الكردي الذي مرّ بلحظات عصيبة، في وقت كانت فيه المدن العراقية تسقط بيد التنظيم الواحدة تلو الأخرى، وخصوصًا عند توجهه نحو أربيل، وهو ما استدعى تدخلًا خارجيًا عاجلًا.

طرح الباحث شيركو كرمانج مسألة "الهوية" عاملا حاسما في نشأة القضية الكردية عادًّا إياه المفتاح لحلها، وأوضح في ورقة تحت عنوان "الاعتراف بهوية الأرض: الحجر الأساسي لبناء جسر العلاقات بين الكرد والعرب في العراق" أنّ الإشكالیة الرئیسة في العلاقة بین الكرد والعرب، تاريخيًّا، هي أنّ العرب بوجه عامّ، والعرب العراقيين على وجه الخصوص، قد اعترفوا نسبيًّا ببعض الحقوق السياسية والثقافية واللغوية والعرقية للکرد في العراق، إلّا أنّهم لم يعترفوا بالحقوق الوطنية الكردية في الأرض، إن لم نقُل إنّهم رفضوها إلى حدّ بعيد. فلا تستوعب أکثریة المحلّلين السياسيّين العرب مسألةَ الارتباط العاطفي بالوطن، لأنّهم ينظرون إلى المسألة الكردية على أنّها مجرد خلاف إداري بين المحافظات العراقية، بدلًا من النظر إليها على أساس أنّها خلاف متعلّق بمسألة هوية الأرض بين قومیتین متنافستین، أو بين ثلاث قوميات في بعض الأحيان (القومية الكردية، والقومیة العربية، وما هو معروف بـ "الوطنية العراقية").

وأكد كرمانج أنّ هوية الأرض؛ وبعبارة أخرى ترسيم حدود إقليم كردستان، ظلّت نقطةَ الخلاف الرئيسة بين الكرد والعراقيين العرب، وكانت السبب الرئيس وراء انهيار كلّ المفاوضات الكردية - العراقية منذ عام 1963 حتى وقتنا الحاضر. وتبين الوثائق والبيانات التاريخية التي تمّت دراستها في هذه الورقة أنّ الخلاف قد تعقد، من خلال مسألتين رئيستين أخريين؛ هما اكتشاف النفط في کردستان، والسياسة والإستراتيجية المتعلّقتان بالتعريب والتطهير العرقي التي اتبعتها الحكومات العراقية المتوالية.

ولخص الباحث فحوى ورقته بالقول إنّ جوهر القضية الكردية في العراق هو هوية الأرض، والاعتراف بهویة الأرض، وإعادة رسم حدود إقليم كردستان، هو المفتاح الرئيس لتسوية هذا النزاع المزمن. سيكون من الصعب بناء الجسر الضروري لتأسيس العلاقة بين العرب والكرد وإبقائها مَا لَمْ یستوعب عرب العراقيين أهمية هوية الأرض، بوصفها جزءًا لا يتجزأ من المسألة الكردية في العراق. وأكد أنّ أيّ نظرة إلى المسألة الكردية على أنّها مجرد قضية إدارية أو نزاع على النفط، مع إغفال الأهمية الرمزية والعاطفية للأرض، بوصفها وطنًا، إنّما هي تبسيط للأمور.

اليوم الثاني

قدم الباحثون المشاركون في جلسات اليوم الأخير من مؤتمر "العرب والكرد: المصالح والمخاوف والمشتركات" الذي عقده المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات في الدوحة على مدى ثلاثة أيام، تقييمًا للعلاقة السياسية بين الأقاليم الكردية والسلطة المركزية في كلٍّ من العراق وسورية بين الفدرالية واللامركزية والحكم الذاتي، كما تناولت إحدى الجلسات صورة الآخر في العلاقات العربية الكردية، في حين حاولت الأوراق المقدمة في الجلسة الأخيرة استشراف مستقبل العلاقات بين العرب والكرد في العراق.

 الآخر في المتخيل العربي-الكردي: قبول اجتماعي ورفض سياسي

خلصت دراسة ميدانية أنجزها الباحثان خالد حنتوش ساجت ومحمد حسين الشواني عن "صورة الآخر في المتخيّل الجمعي: العرب والكرد في العراق" إلى أنّ الشؤون الاجتماعية في المجال العامّ بين القوميتين؛ كالزواج المختلط قوميًّا، والتجاور، والمشاركة الاقتصادية، والعلاقات الاجتماعية الأخرى، إضافةً إلى بعض القضايا السياسية، كانت عنصر جمْعٍ بين القوميتين. ومن ثمّ، تتقبّل الأكثريةُ المشاركة في تلك الشؤون، في حين شكّل أكثر القضايا السياسية نقطة افتراق بينهما؛ ما يدلّ على أنّ السياسة تؤدّي الدور الأكبر في إفساد العلاقات والروابط بين القوميتين، وهو ما يتفق مع ما ذكرناه في الإطار النظري للدراسة.

وفي سياق متصل؛ حاول الباحثان إبراهيم سعيد فتح الله وابتسام إسماعيل قادر حصر الصورة التي تقدمها المواقع الإلكترونية للقنوات الإخبارية العربية عن واقع الكرد في العراق. وألقى الباحث يحيى عمر ريشاوي نظرة على اتجاهات النخبة الكردية نحو الخطاب الإعلامي العربي.

أما الباحث شاهو سعيد فتح الله فقد قدّمَ ورقة متميزة بتناولها علاقةَ الكرد بالعرب وباللغة العربية عبر تجربة شاعرين من أصول كردية، ينتميان إلى زمنين مختلفين؛ أحدهما شهاب الدين السهروردي والآخر سليم بركات؛ إذ يغتربان اغترابًا مضاعفًا عن موطنهما، وعن اللغة الأولى التي ألِفَاها، ويلجآن إلى اللغة العربية موطنًا يقيمان فيه شعريًّا، ومنفًى يتيهان في تلابيبه. ومعلوم من سيرتهما أنّ البيئة التي قَضَيا فيها بداية حياتهما لم تَسَعْ تساؤلاتهما، ولا التعبير الفلسفي والجمالي عنها، فقرّرا القيام بتجريب رحلة حقيقية إلى الشام، ليواجها ما يواجهانه من أحداث دراماتيكية؛ ورحلة مجازية إلى فضاء اللغة العربية التي سوف تصبح حاضنتهما الأبدية لاستنطاق أسئلتهما الفكرية وإبداعاتهما الأدبية.

كرد العراق وأسئلة المستقبل

خُصِّصَت الجلسة الثانية عشرة والأخيرة من أعمال مؤتمر "العرب والكرد" لاستشراف المستقبل السياسي لإقليم كردستان العراق. وتحدث الباحث هشام داود عن خيارَيِ الدولة الفدرالية (أو الكونفدرالية) والانفصال المطروحَيْن في النطاق الداخلي الكردي. وذكر أن أغلبيّة القوى السياسية والاجتماعية الكردية في العراق، طالبت منذ سنوات، بإعادة تكوين الدولة العراقية على أساس فدرالي. وبحسب الخطاب الكردي، لا تعني الفدرالية، تقاسم الإدارة من الناحية السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية فقط، بل إنّها تعني تقاسم السيادة والسلطات أيضًا. وأوضح أنّ دعوة الكرد إلى الفدرالية مبنية حصرًا على أساس خصوصيتهم القومية–الإثنية؛ أيْ أنْ يتولوا إدارة المناطق التي يعتقدون أنهم يشكّلون فيها – تاريخيًا - أغلبيةً سكانيةً. وتعود مطالبة الكرد بدولة فدرالية إلى عام 1992. وفي البداية، لم يشاطر هذا المطلب إلا عدد محدودٌ جدًّا من القوى السياسية العراقية، وبخاصة اليسارية والليبرالية خارج البلد. ولكنّ أصحاب التيار الليبرالي اختلفوا مع الطرح القومي الكردي؛ لأنهم يدعون إلى فدرالية جغرافية. وفي المقابل، بقي العديد من القوى الإسلامية الشيعية المعارضة لنظام صدام حسين، في ذلك الوقت، مرنًا في التعاطي مع مطالب الكرد، من دون أن يقدّم أجوبةً حاسمةً. أمّا سُنّة العراق، فهم منقسمون بين إرثهم الثقافي نحو دولة مركزية يرونها أساس التحديث العراقي منذ قرنٍ، وتيار "أقلّوي" يرى أنّ المرحلة المقبلة لا يمكنها أن تضمن حقوقهم إلّا عبْر تفكيك سلطة الدولة؛ على أساس مناطقي/ مذهبي، وبضمانة إقليمية ودولية.

وخلص إلى أنّ الوضع العراقي ما بعد عام 2003 عجز عن استحداث فضاء جماعي تتقاسمه الأغلبية. وقد خلق غياب مؤسسات الدولة عن نسيج اجتماعي مبنيّ تاريخيًا وثقافيًا على أساس الولاء لها، بوصفها قاعدةً جامعةً، استقطابًا أشدّ حدةً ممّا مضى، تكرّس من جديد على أساس الولاءات الأولية: الطائفية، والإثنية، وولاءات العشيرة، بل حتى ولاءات المحلّة.

من جهته؛ يرى الباحث باسل حسين الذي قدم ورقة بعنوان "مستقبل العلاقات بين المركز والإقليم: دراسة في سيناريو استقلال إقليم كردستان" أن سقف التوقعات لدى طائفة كبيرة من القيادات الكردية، فضلًا عن جمهور واسع في إقليم كردستان يدفع إلى تبني خيار الاستقلال، بيد أنّ هذا السيناريو ما زال يواجه عقبات داخليةً وإقليميةً ودوليةً. وبناءً على لذلك، فإنّ الإقليم سيبحث بالضرورة عن خيارات وبدائل أخرى؛ إمّا بالذهاب إلى الاتحاد الكونفدرالي، أو محاولة الحصول على وضع أفضل في إطار الدولة الفدرالية، على نحوٍ يحقق له مزيدًا من المكاسب.

وناقش الباحث رشيد عمارة الزيدي احتمالات الصراع والتوافق بين العرب والكرد في العراق. وقال إن مستقبل العلاقات العربية الكردية في العراق بعد التغيرات التي حدثت منذ عام 2003، يواجه خيارين؛ أولهما تصادمي غير سلمي؛ سواء كان ذلك مع بقاء الأكراد ضمن الدولة العراقية أو استقلالهم عنها. أمّا الخيار الثاني فهو الخيار السلمي القائم على الحوار العربي-الكردي في العراق، باحتمالاته المتجسدة في إقامة الدولة الكردية، وحلّ جميع الإشكاليات، والاتفاق عليها سلميًّا، أو بقاء الكرد إقليميًا ضمن الدولة العراقية؛ يحكمهم الدستور والاتفاق السياسي الذي يضمن حقوق كلّ طرف. ومثل هذا الأمر سيُفضي إلى توطيد العلاقات العربية-الكردية وتطورها في مختلف المجالات. والواقع أن الاحتمال التصادمي أقرب في الوضع الراهن، بسبب التوتر القائم بين السلطة المركزية وحكومة إقليم كردستان، وبالنظر أيضًا إلى المعطيات المحلية والإقليمية والدولية في المنطقة.