نص محاضرة الدكتور عزمي بشارة
المشروع الوطني الفلسطيني في السياق الدولي/ العربي الراهن
الدورة الرابعة للمنتدى السنوي لفلسطين
السبت 24 كانون الثاني/ يناير 2026
أذكر أنّ المركز العربي للأبحاث عقد في عام 2013 مؤتمرًا عنوانه "قضية فلسطين مستقبل المشروع الوطني الفلسطيني"، وعقد في عام 2015 مؤتمرًا آخر عنوانه "ندوة أكاديمية للبحث في مستقبل المشروع الوطني الفلسطيني". ومنذ ذلك الحين، تكرّرت المناقشات ضمن هذا العنوان في بيئة المركز وشبكته الأكاديمية. والحقيقة أنه يصعب تخيل ظرف أصعب من ظرفنا الحالي لمناقشة هذا الموضوع، وقولُ شيء يشق فسحةً للأمل في أفق يبدو منسدًا. وربّما يكون انعقاد المنتدى السنوي لفلسطين بعد حرب الإبادة، المستمرّة بكثافة منخفضة والمتحولة إلى محاولة تصفية سياسية لـ "المشروع الوطني الفلسطيني"، مناسبةً لعودة حذرة إلى مناقشته في خضم التحولات الكبرى التي يمر بها الشعب الفلسطيني وقواه السياسية بعد تلك الحرب، والضم الزاحف للضفة الغربية.
أبدأ بالتطرق إلى المطابقة الرائجة بين المشروع الوطني والبرنامج السياسي. لا شكّ في أنّ البرنامج مكوّنٌ رئيسٌ في أي منظومة سياسية تستحق أن تسمى المشروع الوطني؛ ففيه ترسى المبادئ العامة وتصاغ الأهداف بما يتيح صياغةَ الاستراتيجية التي يمكن أن تُتَّبعَ لتحقيقها بناءً على معطيات الواقع والإمكانيات الكامنة فيه. ولكنّ التعريف يبقى منقوصًا إذا اقتصر على البرنامج ولم يشمل البنى التنظيمية وحوامل البرنامج الاجتماعية. فالأهداف السياسية يُمكن أن ترد في مقال سياسي عابر أو خطاب، وورودها هذا لا يجعل منها مشروعًا وطنيًا. المشروع الوطني يشمل الأهداف والقوى الحاملة لها، والمؤهلة لادعاء أنها تمثل الشرعية الوطنية، بما يعني في الحد الأدنى تفاعل أوساط شعبية واسعة معها وتأييد البرنامج الذي تطرحه.
وفي الحالة الفلسطينية، اكتسب السياق الإقليمي والدولي أهميّةً تفوق أهميته في حالات حركات التحرّر الوطني الأخرى؛ لأسبابٍ متعلقة باشتباكها مع الاستعمار الأوروبي في النصف الأول من القرن العشرين، وتشابكها مع المسألة اليهوديّة في أوروبا، وتداخلها اللاحق مع المسألة العربيّة ونشوء الدول العربية المستقلة، باختلاف طبيعة أنظمتها، وتبدّل أجنداتها واحتدام تنافسها وصراعاتها، والعلاقة الخاصة بين الولايات المتحدة وإسرائيل، والحرب الباردة بين قطبي النظام العالمي والنفوذ الأميركي في الإقليم. وسبق أن تطرّقت إلى هذا الموضوع في عدّة مواضع. لهذا لن أبسط أمامكم اليوم الأدلة على أهميّة السياق العربي/ الدولي وأثره الحاسم في المشروع الوطني الفلسطيني، والذي يشمل البرنامج السياسي والقوى الاجتماعية/ السياسية الحاملة له، كما ذكرنا.
مكانة الكفاح المسلح ضمن المشروع الوطني الفلسطيني
حين انصب اهتمام النخبة التي هُجِّرت من ديارها عام 1948 على أولوية الحفاظ على الشعب الفلسطيني وهويّته الوطنية، كانت النتيجة تأسيس منظّمة تُمثّل كيان الشعب الفلسطيني الوطني على خلفية تفرّقه وتشتّته في البلدان المختلفة، وإدارة مصر لقطاع غزة وضم الأردن للضفة الغربيّة، فضلًا عما يقارب مئة وخمسين ألف فلسطيني بقوا في فلسطين ضمن حدود عام 1948، وكانت المواطنة الإسرائيلية ثمن بقائهم فيها.
جاء إنشاء منظمة التحرير الفلسطينية بعد عقد ونصف العقد من المطالبة غير المجدية بتطبيق حق العودة، الذي نص عليه قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة رقم 194، تأكيدًا على الكيانيّة الفلسطينيّة الواحدة، في سياق صراع عربي - إسرائيلي، حين لم تكن ثمة أراضٍ عربية محتلة غير فلسطين، وبوجود أنظمة عربيّة تحديثيّة في حالة صراع مع بقايا الهيمنة الاستعمارية في منطقتنا. كان هذا في مرحلة احتدام الحرب الباردة بين منظومتين عالميتين أسهمت تحالفاتهما المتعارضة في المنطقة العربية في تعميق الشروخ بين الأنظمة الحاكمة.
ولكن، حتى في تلك الظروف، كانت قضيّة فلسطين تحظى بإجماعٍ عربي سياسي وثقافي يتجاوز هذه الصراعات، على مستوى الخطاب السياسي على الأقل، إلى درجة المزايدة في الالتزام بتحرير فلسطين، وتبادل تهم التخوين بشأنها.
لكنّ الهزيمة العسكرية التي منيت بها الدول العربية الثلاث المشاركة مباشرة في حرب عام 1967، والتي نجم عنها احتلال ما تبقى من أرض فلسطين، إضافة إلى أراضي دول عربية، فرضت حوامل سياسية جديدة للمشروع الوطني الفلسطيني سيطرت على منظمة التحرير، وهي فصائل الكفاح المُسلّح. لم يتغير البرنامج السياسي للمنظمة فعليًا، ولكن أصبح الكفاح المُسلّح الفلسطيني هو الطريق الوحيد لتحقيق البرنامج وفقًا لرؤية القيادة الجديدة. وضُمِّن هذا التأكيد في الميثاق الوطني. كانت مواصلتها الكفاح المسلح في ظرف الهزيمة مصدر شرعية سيطرة الفصائل على المنظمة.
لا شكّ في أنّ رافعي راية الكفاح المُسلّح وممارسيه كانوا مقتنعين فعلًا بأنّه الطريق الوحيد لتحرير فلسطين، متأثرين بحركات التحرّر الوطني في آسيا وأفريقيا، ولا سيما في الجزائر وفيتنام، وفي أميركا اللاتينية. ومع التسليم بقناعة أصحاب خيار الكفاح المسلح وإخلاصهم له، لا يجوز أن يغيب عنّا عاملان أساسيان تحكّما فيه:
أوّلهما، استمرار الصراع العربي - الإسرائيلي بعد الهزيمة العربية التي بررت سيطرة هذه الفصائل على منظمة التحرير، ووجود دول عربية رافضة للسلام مع إسرائيل بشروطها، ومستعدة لاحتضان المقاومة الفلسطينية وتمويلها وتسليحها نتيجة لرصيد قضيّة فلسطين وأهميّتها على مستوى الرأي العام وفي الفهم الذاتي لهذه الأنظمة وقواعدها الاجتماعيّة. وحين تنازعت هذه الأنظمة الزّعامة وتناقضت مصالحها وتحالفاتها، تجلّى ذلك في تبنّي تيارات وقوى فلسطينية مختلفة، وتأجيج الخصومة بينها. واعتبرت الأنظمة الحليفة للمقاومة أن مسألة الحرب مع إسرائيل وتوقيتها لا يجوز أن تُتركا لفصائل مسلحة من خارج الدولة، بينما أجازت لنفسها استخدام العمل المسلح الفلسطيني في الضغط على جبهات أخرى. لذلك، حاولت، من حين إلى آخر، السيطرة على القرار الفلسطيني وإخضاعه لأجنداتها.
ثانيهما، أنّ الكفاحَ المُسلّح الفلسطيني مجالُ صراعٍ أيضًا على القيادة في الحركة الوطنيّة الفلسطينيّة. لقد توجه الفعل السياسي للفصائل المُسلّحة بدايةً ضد القيادة السياسيّة لمنظمة التحرير المؤلفة من نخب المدن الفلسطينية التي اعتمدت على جهود الدول العربيّة، ولا سيما مصر قبل عام 1967. ثم انتقل الفعل السياسي بعد السيطرة على المنظمة إلى نطاقين: 1. ترسيخ استقلالية القرار الفلسطيني الذي قادته حركة فتح والتأكيد على أن المنظمة هي الممثل الشرعي والوحيد؛ 2. التنافس بين الفصائل على إثبات دورها في الكفاح المُسلّح، وحصتها ضمن مؤسسات المنظمة، من خلال مؤشرات معينة؛ مثل عدد العمليات التي تنفذها ضد إسرائيل، وعدد شهدائها، وليس من خلال مؤشرات متعلّقة بمراكمة إنجازات في الصراع الرئيس ضد الاستعمار الاستيطاني ونجاعتها في تحقيق البرنامج، وهو تحرير فلسطين.
لم تترتب على عبارة "الطريق الوحيد لتحرير فلسطين" التي أُرسيت في الميثاق الوطني استراتيجيةٌ فعلية لتحرير فلسطين، وظل التعويل قائمًا على عزم الدول العربية على شنّ حرب لتحرير أراضيها، رغم انتشار مقولات، مثل الحرب الشعبية الطويلة الأمد؛ فغالبية الشعب الفلسطيني والقاعدة البشرية لمنظمة التحرير كانت تعيش في الدول العربية.
لذلك، لم يُقيَّم الكفاح المُسلّح في يومٍ من الأيام على أساس ارتباطه بتحقيق البرنامج السياسي. ومن يعدّد إنجازاته لا يتطرق إلى المكتسبات على طريق تحقيق الهدف، بل يذكر الحفاظ على الهوية الفلسطينية ورفض واقع الاحتلال الاستيطاني، والروح التحررية التي سادت. وعند التقييم، لا نزال نتردد كثيرًا في استخدام مصطلحات، مثل تعثّر هذا الخيار، وإن لأسباب موضوعية، نتيجةً لهالة القدسية التي تحيط بالموضوع، والعائدة إلى اختلاطه بالهوية الجماعية، حيث تشكِّل الذاكرةُ مكونًا رئيسًا في هذه الهوية. والذاكرة - كما تعلمون - أمرٌ، والتقييم التاريخي أمرٌ آخر. التأريخ يتعامل مع الماضي تسجيلًا وتوثيقًا وتفسيرًا وفهمًا منطلقًا من الحاضر، أما الذاكرة فهي حياة ما يرسب في وعي الناس عن الماضي في الحاضر، وهي انتقائية الحفظ والنسيان وسياسية وثقافية وشديدة الحضور؛ إذ تتداخل مع فهم الذات والواقع، وتتمرد على محاولات تقييم التاريخ وكأنه ماضٍ.
على كل حال، عاد السياق العربي والدولي وفرض نفسه، فحين نشبت في تشرين الأول/ أكتوبر 1973 الحرب المنتظرة، تبين أنها كانت مقدمة ضرورية إلى المفاوضات بين إسرائيل ومصر على أرضها المحتلة عام 1967. وبعد توقيع اتفاق كامب ديفيد بين إسرائيل ومصر، خرجت الأخيرة من ساحة الصراع، وكان ذلك كفيلًا بوضع حد للحروب بين الدول العربية وإسرائيل. وقد أدركت القيادة الصهيونية هذه المعادلة، وكانت على أتم الاستعداد لإعادة شبه جزيرة سيناء إلى مصر ثمنًا للسلام معها. ولم يتكرر ذلك مع أي دولة عربية بعد كامب ديفيد، فلا نشبت حروب ولا أُعيدت أراضٍ محتلة.
أثر مسار الأرض مقابل السلام على المشروع الوطني الفلسطيني؟
بعد اتفاق كامب ديفيد وفشل التصدي له عربيًا، حصل تطوران مهمان: أولًا، ازدادت القناعة الرسمية بتطبيق نموذج الأرض مقابل السلام على الجبهات الأخرى، بما فيها الفلسطينية. ويعني ذلك، في الحالة الفلسطينية، الضفة الغربية وقطاع غزة. ثانيًا، أُخرجت فصائل العمل المُسلّح الفلسطيني من آخر معاقلها المحاذية لأرض فلسطين بقرار إسرائيلي ودعمٍ أميركي، وفي ظل اتفاقية السلام مع مصر. لقد كان ذلك هو الهدف المعلن للعدوان على لبنان عام 1982، الذي كان عدوانًا مخططًا من دون تمويه بدواعٍ "دفاعية" خلافًا لحرب الإبادة على غزة بعد 7 تشرين الأول/ أكتوبر عام 2023. وعلى الرغم من انتقال قوى مسلحة إلى الجزائر واليمن وبقاء بعض الفصائل المُسلّحة في سورية بعد الحرب، يمكن القول إن تلك الحرب افتتحت مرحلة جديدة في تاريخ الكفاح المُسلّح الفلسطيني، الذي حملت رايته فصائل منتمية إلى منظّمة التحرير الفلسطينيّة، فقد انسدت الجبهات العربية كلها في وجهه. ولكن العمل المسلح كان قد تحول من وسيلة إلى مبدأ، ومبرر وجود، والقوى الوطنية لا تتنازل عن المبادئ نتيجة لضغوط العدو. لذلك، ومن دون التنازل عن "المبدأ" ذاته، أو مراجعة تجربة الكفاح المسلح في الظروف الجديدة (سوى ما قام به بعض الباحثين أو القياديين السابقين في الفصائل)، انتقل مركز الثقل في المواجهة مع إسرائيل من الكفاح المُسلّح من خارج فلسطين، الذي يسند أيضًا عمليات مسلحة في الداخل، إلى دعم تنظيم الروابط والاتحادات الشعبية والنّضال الجماهيري السلمي داخل الأرض المحتلة، والذي توّجته الانتفاضة الشعبية في نهاية عام 1987.
وتزامن ما حظيت به الانتفاضة الشعبية من مساندة عربية ودولية واسعة مع تحوّل البرنامج المرحلي، من إقامة "سلطة وطنية مقاتلة" على أي منطقة تُحرر، إلى الدولة الفلسطينيّة على أي منطقة تُحرر بوصفها مرحلة على طريق التحرير، ثم إلى برنامج الدولة الفلسطينيّة على أساس قرارات الأمم المتحدة منذ عام 1947 كما جاء في إعلان الدولة الفلسطينية في الجزائر عام1988، وهذا يعني أيضا قرار الجمعية العامة رقم 181. وهذا تغييرٌ جوهري في المشروع الوطني الفلسطيني الذي أصبح مشروع الدولة الفلسطينيّة ضمن ما يسمى "حل الدولتين"، وأصبحت أدواته هي النضال الجماهيري في داخل فلسطين كما خططت له القوى السياسيّة في الضفة الغربيّة وقطاع غزّة بدعم من فصائل منظّمة التحرير، التي فقدت قواعدها الرئيسة في لبنان عام 1982، بعد أن كانت قد فقدت قواعدها في الأردن عام 1970.
وما لبثت قيادة منظمة التحرير أن تبنت التفاوض المباشر مع إسرائيل أو ما سمي في حينه بـ "العملية السلمية" بعد اعتراف إسرائيل بالمنظمة، والتي لبّت شرط تغيير بنود أساسية في الميثاق الوطني الفلسطيني. ومع نشوء السلطة الفلسطينية عام 1994، اكتملت عملية تغيير المشروع الوطني.
لا شك في أنّه كانت للكفاح المُسلّح الفلسطيني صحوات في نهاية الانتفاضة الأولى مع تكثّف القمع الإسرائيلي، وظهور تمايزات جديدة داخل الحركة الوطنيّة في المناطق المحتلّة. فقد صعد جيل جديد من الإخوان المسلمين عزم على المشاركة في مقاومة الاحتلال من خلال تأسيس حركة المقاومة الإسلامية "حماس"، التي حملت السلاح ضد الاحتلال خلال الانتفاضة بعد وصول العمل الجماهيري إلى أزمات متعدّدة لأسبابٍ يصعب فصلها عن متغيرات إقليميّة، مثل حرب احتلال الكويت وحرب الخليح، ومتغيرات دولية، مثل انهيار المعسكر الاشتراكي. لكن إضافة إلى مقاومة الاحتلال، عبّرت المقاومة الإسلامية المسلحة أيضًا عن تنافس مع فصائل منظمة التحرير من جانب تنظيم نشأ خارجها. وقد أسهم هذا التنافس في اعتراف إسرائيل بمنظمة التحرير واستعدادها للتفاوض معها. فبعد الانتفاضة الأولى لم تعد روابط القرى المرتبطة بالاحتلال هي البديل لمنظمة التحرير، بل حركة المقاومة الإسلامية.
وظهرت معالم انقسام إلى مشروعين فلسطينيين: الأوّل، هو مشروع الدولة ضمن حل الدولتين، وحاملته منظمة التحرير التي بات اهتمامها منصبًا على الحركة الوطنيّة في الداخل، أي في الضفة الغربيّة وقطاع غزّة أكثر من الشتات، وصولًا إلى اتفاق أوسلو عام 1993، وما تلاه من اتفاقيات، اعتبرت مرحلةً نحو إقامة الدولة الفلسطينيّة، وأصبح الخيار الرئيس هو التفاوض. ولم تعد الدولة مرحلة في الطريق إلى التحرير، بل أصبحت السلطة الفلسطينيّة القائمة على أوسلو مرحلةً نحو الدولة التي باتت هي الهدف النهائي. الثاني، ما طرحته حركة حماس، وهو الكفاح المُسلّح وتحرير فلسطين بوصفها أرض وقف إسلامي لا يجوز التنازل عنه، إضافة إلى تفاصيل أخرى وردت في ميثاقها (الصادر عام 1988، والذي تخلّت عنه عمليًا بإصدار وثيقة السياسات العامة عام 2017).
ووقع تحولات جذرية بعد اتفاقيات أوسلو ونشوء السلطة، والتطورات العربية والدولية بعد هجمات الحادي عشر من سبتمبر 2001 وإعلان الولايات المتحدة "الحرب على الإرهاب"، بما في ذلك الحرب على العراق (عام 2003). وقد استغلت إسرائيل مرحلة ما يسمى الحرب على الإرهاب للانتقال من قمع الانتفاضة الثانية إلى اغتيال ياسر عرفات. وقررت حركة حماس المشاركة في انتخابات السلطة التشريعية عام 2006، وحققت فوزًا غير متوقّع، وقبلت أن تقود حكومة السلطة في ظل اتفاقيات أوسلو. وقد أدى ذلك كله إلى زيادة وزن السياسة الداخلية الفلسطينية في اعتبارات القوى السياسية الفلسطينية بوجود سلطة، وإن كانت في ظل اتفاقيات ملزمة مع إسرائيل. ولكن الولايات المتحدة لم تعترف بالواقع الجديد، وأعماها انجرارها خلف إسرائيل عن فهم مغزاها.
ولكن حين أصبحت إقامة الدولة الفلسطينيّة هي البرنامج المتفق عليه بين الفصائل المتصارعة، لم يعد هناك مشروع وطني فلسطيني واحد. صحيح أن الدولة أصبحت هدفًا متفقًا عليه تقريبًا، لكن ظل هناك مشروعان مختلفان، بل ومتصارعان بحدّة منذ عام 2007 إلى درجة المواجهة المسلّحة، فضلا عن وقع الشرخ السياسي والجغرافي بنشوء سلطتين، واحدة في الضفة الغربيّة والأخرى في قطاع غزّة. التزمت الأولى بالتنسيق الأمني مع الاحتلال وفقًا لاتفاقيات أوسلو، وتمثل قاعدتها الرئيسة حركة فتح المنتشرة على الساحة الفلسطينية كلها. أما الثانية فظلت محاصرة في غزة، وتمثل قاعدتها الرئيسة حركة حماس المنتشرة على الساحة الفلسطينية أيضًا، والتي لم تتخلَّ عن خيار المقاومة المسلحة. وتحولت مُنظّمة التحرير الفلسطينيّة عمليًّا إلى دائرة ضمن السلطة الفلسطينيّة المقيدة باتفاقيات أوسلو، وغير القادرة على التحرّر من التزاماتها الأمنية، والتي ظلت مخلصة لطريق المفاوضات خيارًا وحيدًا من دون أوراق تفاوضية. في الواقع، بدأت تلك المفاوضات بوصاية أميركية، وانتهت إلى وصاية إسرائيلية كاملة، ثم توقفت.
مُنذ ذلك الحين واصلت إسرائيل توسيع الاستيطان وتنكرت تمامًا لالتزاماتها بتنفيذ مراحل اتفاقيات أوسلو، وشُنَّت عدّة حروب عدوانية إسرائيليّة على قطاع غزّة، بينما ثبّتت حركة حماس سلطتها وقاعدتها المُسلّحة في قطاع غزة. ولكنّ الشعب الفلسطيني فُجِع بما حل بمشروعه الوطني الذي انقسم بين سلطتين في الضفة الغربية وقطاع غزة. وأصبح الانقسام من أهم أسباب تهميش قضية فلسطين دوليًا.
ومن جهة أخرى، أنشأت حركة حماس سلطة فلسطينيّة أكثر استقلاليّة، وإن كانت محاصرة إسرائيليًّا، وإلى حدٍّ بعيد عربيًّا، إلا أنّها ذات نفس نضالي في الصراع مع إسرائيل، الذي أخذ يتحوّل إلى مقاومة الحصار تحديدًا، بعد أن رفضت إسرائيل جميع المبادرات لتخفيفه في مقابل هُدن طويلة المدى. وقد استندت حركة حماس إلى قاعدتها الاجتماعية، وإلى دعم محور تبلور في المنطقة بقيادة إيرانية، سُمي محور المقاومة. وسادت حالة من الجمود، وبدا كأن إسرائيل معنية باستمرار الوضع القائم مع تهميش السلطة الفلسطينية في الضفة، ووقف المفاوضات معها، ومواصلة حصار قطاع غزة، وشن حروب تأديبية انتقامية ردًا على رشقات الصواريخ التي كان من المفترض أن تذكّر "العالم" بالحصار كلما بدا أنه أصبح طي النسيان.
بعد طوفان الأقصى
جاء انفجار طوفان الأقصى على خلفية إصرار إسرائيل على مواصلة تشديد الخناق على قطاع غزة، وإصرارها على توسيع الاستيطان وتهويد القدس، بما في ذلك الحرم القدسي الشريف. وقيل الكثير عن عمليّة طوفان الأقصى وخلفيّتها وأهدافها ونتائجها، لذا لا جدوى من التوسّع في هذا الموضوع اليوم.
ولكن من السذاجة الاعتقاد أنّه يمكن مواصلة التفكير في المشروع الوطني الفلسطيني انطلاقًا من المسلمات نفسها، والأدوات نفسها، بعد التحولات الكبرى الناجمة عن حجم الرد الإسرائيلي على عمليّة طوفان الأقصى والتواطؤ الأميركي والدولي معه، المتمثلة بتوجيه ضربات قاصمة لمحور المقاومة، وتوسع النفوذ الإسرائيلي في المنطقة، فضلًا عما تعرضت له حركة حماس نفسها وسلطتها في قطاع غزة، وما عاناه الفلسطينيون في غزة أساسًا، ثم في الضفة الغربية.
لقد كانت عملية طوفان الأقصى حدثًا ضخمًا وصادمًا، ولكن الرد الإسرائيلي على مستوى فلسطين والإقليم حوّل الحدث إلى زلزال افتتح مرحلة جديدة. فبوجود ائتلافٍ يميني متطرّف قائم على أساس برنامج مُحدّد وهو توسيع الاستيطان في الضفة الغربية وتكثيف تهويد القدس والمجاهرة بالتنصل من اتفاقيات أوسلو، وبسبب الصدمة الكبرى الناجمة عن العملية والشعور الإسرائيلي العميق بالإهانة، شنّت إسرائيل حربًا انتقاميّة ضد المقاومة الفلسطينيّة في القطاع هدفت علنيًّا إلى القضاء على حركة حماس. وتحوّلت مع الدعم الأميركي والتغاضي الدولي إلى حرب إبادة شاملة تهدف إلى تهجير فلسطينيي القطاع، وفرض تغيير اجتماعي اقتصادي سياسي جذري عليه. فإذا لم تنجح خطط التهجير، خططت إسرائيل أن تحول غزة إلى مجرّد جيب سكاني منشغل باستيعاب ما يتعرض له في حرب تسلبه مقومات الحياة الأساسية،أ ويُشترَط بعثها بفك الارتباط بأي كيانيّة وطنيّة فلسطينيّة. وتوسعت الحرب إقليميا لتشمل ما يسمى محور المقاومة بدءًا بتطبيق مخطط قائم لتحجيم حزب الله، أو القضاء على قوته المسلحة.
وانتقل الاهتمام الدولي من حل القضية الفلسطينية حلًا عادلًا إلى المطالبة بإدخال المساعدات الإنسانية وتلبية حاجات السكان، وربما إعادة الإعمار، برقابة دولية وإسرائيلية.
وأذكّر بما جاء أعلاه بشأن توقف الحروب العربية - الإسرائيلية. إن ما شنته إسرائيل بعد حرب عام 1973 هو حروب ضد المقاومة المسلحة الفلسطينية المتمثلة بفصائل منظمة التحرير، ثم المقاومة اللبنانية، ثم الفلسطينية من خارج منظمة التحرير، أي حماس والجهاد. ومؤخرًا، في حرب الإبادة على غزة الممتدة حتى نهاية عام 2025، أغلقت الدائرة على العمل المسلح، بينما الدول العربية منقسمة بين متعاطف ومتفرج ومتواطئ. وفي ظروف البنية العسكرية الإسرائيلية وتداخلها العضوي مع الولايات المتحدة، وفقدان أي سند إقليمي للخيار المسلح، ومحاصرة أي خيار كهذا عربيًا، لم تبق ثمة قوة فلسطينية مركزية يمكن أن تطرح بجدية الكفاح المسلح طريقًا للتحرير. والحديث هنا هو عن الخيارات السياسية الاستراتيجية ضمن المشروع الوطني الفلسطيني. لا يعني هذا أن واقع الاحتلال وعنفه لن يستدعيا مقاومة وردود فعل عنيفة.
إذا عدنا إلى كلمات قادة حركة حماس (الذين استشهدوا خلال الحرب) في اليوم الأوّل لعمليّة طوفان الأقصى، ثُمّ كلمات الناطقين باسمها خلال الأسابيع الأولى، فسوف نتذكر أهدافًا معلنة للعملية، لم تعد تُذكَر اليوم؛ إذ إن ما تحقق هو عكسها تمامًا. فالاستيطان في الضفة الغربيّة توسّع، والدول العربيّة لم تقطع علاقاتها الدبلوماسية بإسرائيل، ومن لم تربطها بإسرائيل علاقات كهذه تتعرض لضغوط، وبعض هذه الدول منع شعبه حتى من التظاهر تضامنًا مع غزة ضد الحرب.
صحيح أنه جرى تجاوز تهميش قضيّة فلسطين بسبب عملية طوفان الأقصى، وحجم الجرائم الإسرائيليّة، والحرج الناجم عنها، وعن صمود المقاومة الفلسطينيّة مدّة عامين، وهو ما لم تُنجزه أي مقاومة أخرى فضلًا عن الدول العربية، وأدت الممارسات الإسرائيلية، وتستر الإعلام الغربي عليها، وفضحه على وسائل التواصل الاجتماعي، إلى تغيّرات كبرى في الرأي العام العالمي في أوروبا والولايات المتحدة على نحوٍ خاص، ولكن يمكن تصنيف الاهتمام الدولي بقضيّة فلسطين منذ ذلك الحين في فئتين:
تضم الفئةالأولى محاولات مختلفة لبذل جهود في احتواء القضية في ظل حرب الإبادة، مثل عقد مؤتمر دولي لإعادة الاعتبار لحل الدولتين الذي تهمّش تمامًا في السنوات الأخيرة قبل عمليّة طوفان الأقصى. دعونا نعتبر هذا الجهد إيجابيًا إلى حدٍّ ما، ولكنّه لا يتضمن أي وسائل للضغط لوقف الحرب، ولا للتقدم نحو هدف الدولة. والغريب أنه يتضمن حرف الانتباه عن القضية الرئيسة، وهي الاحتلال، من خلال توجيهِهِ نحو مطالب مثل إصلاح السلطة الفلسطينيـة، كأن سوء إدارة السلطة هو سبب رفض إسرائيل قيام دولة فلسطينية. ثمّ إن الوجه الآخر لهذا النوع الرسمي من الاهتمام الدولي الاحتوائي يتمثّل في تأليف مجلس سلام يشرف على إدارة غزة بتورّط مباشر من الولايات المتحدة. وتكفي نظرة سريعة إلى التباين بين حجم المجلس وما يُمثله، وحجم قطاع غزّة جغرافيا وديموغرافيا، لتبيُّنِ مدى الرغبة في احتواء القطاع وتفتيت المشروع الوطني الفلسطيني بعد كل ما تعرض له سكانه بتواطؤ من العديد من الدول المنضمة إلى المجلس وأهمّها الولايات المتحدة الداعم الرئيس لحرب الإبادة على القطاع. أما الرمزية الفادحة والفاضحة لوجود صاحب شركة مقاولات إسرائيلية إلى جانب أمثال طوني بلير وجاريد كوشنر في الهيئة التنفيذية للمجلس، فتقدم مفتاحًا لفهم مهماته.
الفئةالثانية من الاهتمام الدولي هي حركات التضامن العالميّة، التي لم يعرف الفلسطينيون ما يقترب من عمقها واتساعها منذ عام 1948. فحتى درجة التضامن العالمي المرتفعة جدًا مع الانتفاضة الأولى، بسبب اتخاذها شكل صراعٍ سلمي بين قوّة محتلّة وشعب رازح تحت الاحتلال، لم تصل إلى هذا المستوى من الاستمراريّة والراديكاليّة في الوقت ذاته، أخذًا في الاعتبار عدم وجود وسائل التواصل الاجتماعي آنذاك، والفرق الكبير بين بشاعة القمع الإسرائيلي للانتفاضة الأولى وما جرى ويجري في قطاع غزّة اليوم، وعوامل أخرى لا يسعني التطرق إليها تتعلق بزيادة منسوب المكون القيمي في الصراع مع اليمين المتطرف المعادي للمهاجرين المتماهي مع الصهيونية. وقد تكررت الاستطلاعات التي تبين نفور الشباب في الدول الديمقراطية في الغرب من إسرائيل وسياستها وزيادة التضامن مع فلسطين.
إنّ العائق الرئيس أمام تطوّر حركة الاحتجاج ضد الممارسات الاسرائيلية التي يجب تحويلها إلى حركة تُشبه حركة التضامن مع النضال ضد نظام الفصل العنصري في جنوب أفريقيا، هو عدم وضوح المشروع الوطني الفلسطيني الذي يفترض أن يوجهها ويعمل على استدامتها بعد توقف الحرب. فلا يسع حركة التضامن أن تحل محلّه. وما زالت هذه الحركة حركة مناهضة للاحتلال الإسرائيلي وما يترتّب عليه من جرائم، ولكنّها ليست حركة مؤيدة لمشروع وطني فلسطيني. فالسلطة الفلسطينيّة في الضّفة الغربيّة وقطاع غزّة، ليست مشروعًا فلسطينيًّا جامعًا، وهي منشغلة بالصراع على القيادة داخلها والحفاظ على نفسها أمام محاولات إسرائيليّة للتخلص من أي ملمح من ملامح السيطرة الفلسطينية على المناطق الواقعة بين المدن الفلسطينيّة أو حتى على المدن الفلسطينيّة ذاتها. وحركة حماس، حتى في مرحلة سيطرتها على قطاع غزّة، لم تكن هي المشروع الوطني الفلسطيني، ولم تدّعِ ذلك أصلًا، وهي منخرطة حاليا في الدفاع عن وجودها في وجه المخطط الإسرائيلي للقضاء عليها، وربما في تقييم دورها السياسي اللاحق. وقد أعربت مؤخرًا عن استعدادها لتسليم السلطة لهيئة إدارة قطاع غزّة التي عيّنتها الولايات المتحدة بالتشاور مع الدول العربيّة وبعض القوى الفلسطينيّة.
بعد تهميش مشروع الدولة الفلسطينيّة وتوسيع الاستيطان وإصرار إسرائيل على عزل غزّة عن الضّفة الغربيّة، وعدم الاعتراف بقضيّة اللاجئين وإعلان الحرب على وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين "الأونروا" كأنّها منظّمة داعمة للإرهاب، أصبح واضحًا أكثر من أي وقتٍ مضى أنّ ما يجري تشييده في فلسطين هو نظام فصل عنصري من نوع خاص، إسرائيلي الطابع، وشبيه بنظام الأبارتهايد البائد في جنوب أفريقيا. فخلافًا للحكومات الإسرائيليّة منذ عام 1967، تُصرّح حكومة إسرائيل الحالية بوضوح أنّها لن تقبل بأي انسحاب من أي جزء من الأراضي المحتلّة عام 1967، وأنّها ترضى، إذا رضيت، بسلطة أو سلطات وظيفيّة فلسطينيّة في إطار السيادة الإسرائيليّة. صحيح أنّ الحل المطروح دوليًا هو حل الدولتين، الذي يعني إنشاء دولة فلسطينيّة في الضفة والقطاع، ولكن الدول التي تؤيد هذا الحل غير مستعدّة لاتخاذ أي خطوات عملية في هذا الشأن. ولذلك يبدو التأكيد عليه ضريبة كلامية، توفر لصاحبها الادعاء أنه يفعل شيئًا ما في مقابل مشاهد حرب الإبادة الاسرائيليّة.
منذ ما قبل طوفان الأقصى لم يعد حل قضيّة فلسطين شرطًا للتطبيع العربي مع إسرائيل، وتبين ذلك في ما يسمى "الاتفاقيات الإبراهيمية" والتي صعّبت حرب الإبادة مواصلتها. ترافق ذلك مع ميلاد خطاب رسمي في بعض البلدان العربية يضع اللائمة على الفلسطينيين، ويجيش رأيه العام ضد الشعب الفلسطيني. ولذلك عدنا إلى الدولة الفلسطينيّة عنوانًا فحسب. فقد أصبح المطلب هو قبول إسرائيل بعمليّة سياسية تقود إليه. وقد بتنا نعرف الكثير عن معنى كلمات مثل "عمليّة ذات مصداقيّة تقود إلى..."، ألم يكن اتفاق أوسلو يومًا عمليّة ذات مصداقية تقود إلى دولة فلسطينيّة؟ لقد مرت عليه نحو ثلاثة وثلاثين عامًا من ترسيخ وقائع تمنع قيام دولة فلسطينية.
ولا يفوتكم أنّ ثمة تغييرًا جاريًا في السياق الدولي والإقليمي باعتماد الإدارة الأميركية الحالية أولوية القوة على القانون علنا ومن دون مواربة، والاعتراف جهارًا بنفوذ القوي (والثري بالطبع!) وامتيازاته وإملاءاته على المستوى العالمي وسريان هذا المنطق على مستوى الأقوياء الإقليميين في غرب الكرة الأرضية وشرقها، وفي شمالها وجنوبها. وثمة بوادر واضحة لاستفادة إسرائيل من هذا العرف الجديد في سعيها الدؤوب لتحويل المشرق العربي إلى منطقة نفوذ لها ومد هذا النفوذ على طول البحر الأحمر والقرن الأفريقي وحتى جنوب المتوسط، والنتيجة ليست "قدرًا مقدورًا" بالطبع، بل تتعلق برد الفعل العربي عليه بين الخضوع له فرادى أو تحديه جماعيًا من جانب بعض الدول على الأقل، وربما بالتعاون مع دول إقليمية مثل تركيا وإيران المعرّضة حاليا لأخطر تهديد منذ الثورة (وما من بوادر مشجعة لتعاون كهذا حتى الآن). إن المشروع الوطني الفلسطيني، وجوده وفاعليته هو من أهم عوامل تشكّل رد الفعل العربي المطلوب، وإن لن يتولد عن قناعة بعدالة القضية الفلسطينية على أهمية هذه القناعة، وانما بسبب التضرر من تنصيب إسرائيل قيّمًا على المنطقة العربية.
عند الحديث عن المشروع الوطني الفلسطيني في الظروف الراهنة، لا يُمكننا تجاهل الواقع الجديد والمجاهَر به في فلسطين، وأقصد المجاهرة بضم إسرائيل الأرض أو تكريس السيطرة عليها من دون منح الحقوق للسكان، وإعادة تخطيط ديموغرافية الأرض المحتلة لتتحول التجمعات السكانية إلى غيتوات خلف بوابات حديدية حتى تسهل مراقبتها وضبطها.
أصبح التحرّر الوطني يعني التحرر من نظام الفصل العنصري القائم، والذي أثبت أنه لا يتوانى في ارتكاب عمليات إبادة وتهجير في سعيه للاحتفاظ بالأرض والتخلص من السكان. قد ينجم عن التحرّر من هذا النظام دولة فلسطينيّة كاملة السيادة في الضّفة الغربيّة وقطاع غزّة، أو نظام ديمقراطي يقوم على المواطنة في أرض فلسطين التاريخيّة، ولكن لا يوجد حاليًا برنامج سياسي واستراتيجيّة تقود إلى أيٍّ من هذين النموذجين من دون أن يسبق ذلك مشروع وطني عنوانه الصراع ضد نظام الفصل العنصري في فلسطين، واستقطاب القوى الدولية المناهضة للاحتلال الإسرائيلي لدعم هذا المشروع الوطني (الديمقراطي في جوهره) القائم على قيم المساواة والكرامة الوطنية والإنسانية، ليكون نقيض الفصل العنصري الاستيطاني الاستعماري.
وكما بدأت كلامي، فإنّ المشروع الوطني لا يقتصر على الهدف السياسي - في هذه الحالة التحرر من نظام الأبارتهايد الإسرائيلي – باعتباره شرطًا لأي حل عادل، بل يتجاوز ذلك إلى القوى الاجتماعيّة السياسيّة المنظمة الحاملة لهذا المشروع. ويكمن التحدي حاليًّا في تشكّلها. وهذه في رأيي مسألة وقت، فلا بدّ أن تستنتج القوى الوطنيّة والعقلانيّة التي تُدرك ما جرى ويجري ضرورة تشكّل المؤسّسة السياسيّة التي تجمع الفلسطينيين في المناطق المحتلة والخارج، والتي تقود النضال ضد نظام الفصل العنصري في فلسطين. فمن دون عامل الإرادة هذا، وهو ليس عاملًا حتميًّا، بل إنه متعلق بخيارات الأحرار، لن يتمخض الواقع الجيوسياسيّ، الإقليمي والدولي، بحد ذاته عما يقترب من حلٍ عادلٍ لقضيّة فلسطين.
لا تتغافل عملية بناء المشروع الوطني عن الفصائل الفلسطينية بوصفها قوى سياسية واجتماعية قائمة وذات رصيد، ولا يمكن الاستخفاف بدورها وتجربتها. ولكنها تحتاج إلى مراجعة سياساتها ونهج عملها، وربما اندماج بعضها. ولا يجوز الاستخفاف ببناء المؤسسات في ظل السلطة الفلسطينية في الضفة الغربية وسلطة حماس في غزة، ولا حتى باللجنة الإدارية للقطاع التي تأسست بقرار أميركي وموافقة فلسطينية. مثلما تخطئ هذه اللجنة إذا تجاهلت البنى الإدارية القائمة في غزة. فلا يصمد أي مجتمع مدة طويلة من دون مؤسسات تعليمية وصحية وإنتاجية وحتى شرطية. والدول التي تحررت من الاستعمار لم تبدأ من الصفر، وشعوبها لم تعش في حالة فوضى قبل الاستقلال، فحتى الاستعمار أنشأ مؤسسات ورثتها حركات التحرر وحكومات الاستقلال. وإسرائيل خلافًا لأي استعمار، ولكونها استعمارها استيطاني إحلالي لم تبنِ أي مؤسسات في الضفة الغربية وقطاع غزة، ولكن المجتمع الفلسطيني فعل ذلك، وكذلك السلطة الفلسطينية.
هذه طبيعة الحياة، ولا يجوز أن يقود الموقف السياسي والأيديولوجي إلى اتخاذ مواقف عدمية تتجاهل حاجات المجتمعات ومقتضيات العيش في ظل الاحتلال الذي يمكن أن يسمى صمودًا. ليس هذا موضوع خلاف مع السلطة الفلسطينية، بل إن موضوع الخلاف هو خياراتها السياسية، ومحاولتها احتكار التمثيل الفلسطيني سياسيًا على الرغم من ارتهانها للتنسيق الأمني مع إسرائيل، وإتباعها منظمة التحرير لها بعد إفراغها من كل ما تحتويه سوى التسمية، بدلًا من أن تتبع هي للمنظمة التي يجب أن تتحرر من اتفاقيات أوسلو وتحشد الحملة العالمية ضد نظام الفصل العنصري في فلسطين. لا تتصور السلطة الفلسطينية حتى تبني فكرة الانضواء تحت مشروع وطني فلسطيني موحد يوجه النضال ضد الأبارتهايد، ويقبل في الوقت ذاته بالسلطة التي تدير حياة السكان من دون التزاماتها الأمنية.
إن الإدارة غير السياسية وشبه البلدية في المجتمع الرازح تحت الاحتلال يمكن أن تكون وطنية من دون أن تكون هي المشروع الوطني الفلسطيني. وعدم إدارة القوى السياسية التي تحمل المشروع الوطني لهذه المؤسسات في غزة والضفة رسميًا، يحررها من الالتزامات تجاه الاحتلال ومن مهمات إدارة الحياة اليومية للسكان. وهي تقدّر الذين يقومون بهذه المهمات في ظل الاحتلال ولا تخوّنهم إذا لم يتجاوزا المهمة إلى التنسيق الأمني ضد الحركة الوطنية. ويمكن أن ينتمي هؤلاء الأفراد العاملين في هذه الإدارات إلى القوى السياسية الحاملة للمشروع الوطني، بل يفضل أن يكون هذا هو الحال. ولكن القوى السياسية ذاتها، بوصفها تنظيمات ومؤسسات منضوية إلى المشروع الوطني التحرري تواصل النضال بخطابها الوطني الديمقراطي من أجل تفكيك نظام الفصل العنصري الذي تفرضه إسرائيل في فلسطين. وتنشئُ التحالفات الدولية والإقليمية من دون أن تلتزم بأي اتفاقات مع إسرائيل من أي نوع قبل تصفية نظام الفصل العنصري القائم، وقبل الاتفاق على الحل العادل القائم على أساس تصفيته.
ولا شك في أن أي دولة فلسطينية تقوم في المستقبل سوف تستفيد من المؤسسات القائمة. ولذلك فإدارتها الناجعة في ظل الاحتلال مسألة مهمة، وكذلك الحرص على أن تسود فيها روح وطنية متعاطفة مع مقاومة نظام الفصل العنصري، وتقدر أيضًا أي تطوير ديمقراطي لها من خلال الانتخابات المنضبطة وطنيًا. ولا يجوز التقليل من أهمية الانتخابات إذا كانت نزيهة ولم تحمل بذور انقسام أهلي، حتى لو جرت في ظل الاحتلال، لأن أي مشاركة شعبية في هذه الظروف تحمل بعدًا وطنيًا رقابيًا.
من دون مشروع وطني تحرري جامع للقوى الفلسطينية والمؤسسات في الداخل والخارج وملتزم بالهدف السياسي، تتحول الجدلية البنّاءة أعلاه بين الوطني والمدني، وبين الأهداف الوطنية ومقتضيات المرحلة، إلى صراعات سياسية على السلطة قبل التحرر من الاحتلال ومن نظام الفصل العنصري، وتنشأ الديناميكية المدمرة التي قادت إلى ما نحن فيه منذ اتفاقيات أوسلو.