بدون عنوان

صدر العدد الثامن والعشرون من الدورية المحكّمة "تبيّن للدراسات الفلسفية والنظريات النقدية" التي يصدرها المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات. واشتمل باب دراسات وأبحاث على أربع دراسات تصدّرتها دراسة "نيتشه: الحس النقدي أساس المعرفة المرحة" للمولدي عزديني الذي سعى إلى بيان ما في "المعرفة المرحة" عند نيتشه من استفهامات فلسفية ذات نسب بالحياة، سواء أكان جحودًا لها مع العقل المجرد، أم اعترافًا بها مع "الفكر الحر". وقوام فلسفة الحياة مع نيتشه جملة الردود النقدية التي تشكك في القول بإرادتَي المعرفة والحقيقة، ومرادها تثبيت الرابطة الفلسفية الناشئة معه، بين المعرفة والحياة. فكلتاهما تخدم الإنسان، من جهة أسلوب الحياة ونمط المعرفة التي تتخطى التجريد الكلاسيكي لصورة الإنسان. والفكر الحر هو الذي سيشكل الحيّز الأرحب، ومنه درب "العقل الحصيف" الذي يشتغل، على نحو نقدي متجاسر، على الدغمائيات التي من شأن الفعل الحيوي "بضربات المطرقة" جعلها متهافتة. وبناء عليه، يطرح العقل الفاعل بحس نقدي أسئلة الإنسان المقدّر لذاته، من جهة جدارته بالحياة فيما وراء الخير والشر.

وفي دراسة "الفنّ في خطاب النقد الثقافي: ’عن الأسلوب المتأخر‘ لإدوارد سعيد نموذجًا" أكد عبد الرحمن التمارة أن دراسة الفن في خطاب النقد الثقافي تتأطر ضمن المدار الدينامي لهذا الخطاب المقترن بكشف مفهوم الفن في الخطاب النقدي لإدوارد سعيد، كما ظهر في منجزه النقدي "عن الأسلوب المتأخر: موسيقى وأدب عكس التيار"، حيث درس الفن وطبيعته وميزته وإنسانيته، وأبرز أبعاده ودلالاته من زاوية النقد الثقافي. لهذا، تتصل الدراسة بالخطاب النقدي الذي بلوره سعيد، والمنصبّ على الأنواع والتعابير الفنية المختلفة، قصد توضيح مفهوم للفن بصفة عامة. وبهذا المعنى، فإن الدراسة تقترن بمحاور تستقي أساسها من الخلفية الإبستيمولوجية الضابطة لنقد النقد، بوصفه خطابًا مرتبطًا بدراسة النصوص النقدية بما يلائم محمولاتها ومكوناتها الفنية والجمالية وأنساقها المضمرة. كل هذا من أجل إبراز طبيعة الفن في الخطاب الثقافي لسعيد، خاصة في كتابه "عن الأسلوب المتأخر".

وبحث هشام مبشور في دراسة "رؤية ديكارت للعالم وتحدي الانتقال إلى تصور جديد حوله" الكيفية التي من خلالها غيرت رؤية الإنسان للعالم طبيعة تفكيره وشكل تعامله مع الطبيعة والمحيط، وأحدثت ثورة علمية، فصناعية ثم تكنولوجية، مسّت الجوانب الاجتماعية للإنسان. فظهرت الدولة كجهاز سياسي يعبّر عن الروح العلمية، مستنهضًا ومعبئًا كل الطاقات البشرية. ورائد هذا التغير، فيلسوف عقلاني اسمه رينيه ديكارت انبرى لتأسيس العلم على نظرية لانهائية العالم وانفتاحه على الممكن والمحتمل، على نحوٍ أتاح للإنسان حرية كاملة في إعادة بنائه وصياغته بما يتوافق مع متطلباته وحاجاته. فالعالم غير تام ولانهائي وليس بناجز. حاول الباحث رصد هذا التحول من خلال أربعة محاور: خصص أولها للنظر في علاقة فكرة العالم المتناهي بفكرة اللامتناهي، وتأكد أنها ظل لها. قبل أن يثبت في المحور الثاني، فلسفيًا وعلميًا، لانهائية العالم. الأمر الذي جعله يقرّها فكرة بديهية لا تستوجب الإثبات، لا سيما أنها فكرة فطرية إلهية المصدر، وكان هذا المحور الثالث. وهذه صفة من صفاتها، ساقها في المحور الأخير، تضاف إليها صفات أخرى كالامتداد، والإطلاقية، والأزلية، والملاء، فكلما وجدنا صفة من صفاتها عرفناها.

وحاول أحمد يوسف الفرج في دراسته "أفول الصحراء ومطلع النفط في شعر مكفوفي الخليج العربي: صقر الشبيب أنموذجًا" استنطاق النص الشعري للشاعر الكويتي الكفيف صقر الشبيب؛ أملًا في تقديم محاولة جديدة لقراءة تجربته الشعرية، وإعادة سردها بصورة مختلفة، وفق سياقين زمنيَّين متقاربين: عصر ما قبل النفط، ومطلع عصر النفط. وتفترض الدراسة أنّ الشبيب قد مرّ إبان حياته بثلاث أزمات رئيسة ومؤثرة: أزمة الفقر، وأزمة العمى، وأزمة نفسية من جرّاء التحول الحضاري السريع وانخراط المجتمع الكويتي في عصر النفط. ففي المحور الأول، تلقي الدراسة الضوء على أزمتَي الفقر والعمى. وفي المحور الثاني، تسعى لتقفّي أثر البيئة الكويتية في شعره إبان مرحلة ما قبل النفط وفقًا للمنهج السيميائي. أمّا المحور الثالث، وهو يُبنى على المنهج السيميائي أيضًا، فيرصد أبرز ملامح التحديث السريع، وأثره النفسي في الشاعر الكفيف. وجدير بالذكر أنّ فكرة الدراسة مستقاة من فكرة أوسع في رسالة الدكتوراه التي يقوم الباحث بإنجازها، وعنوانها "أثر النفط في شعر مكفوفي الخليج العربي: دراسة سيميائية نفسية".

أما باب مراجعات الكتب فتضمن مراجعات مهمة تتمثل في مراجعة قام بها إيهاب محارمة لكتاب "الخطاب الاحتجاجي: دراسة تحليلية في شعارات الحراك المدني" لنادر سراج؛ ومراجعة الباحثة نورة بوحناش كتاب "سؤال القيمة: مقاربة لرصد إشكالية القيمة في فلسفة لافيل" لهشام بن جدو؛ ومراجعة الباحثة إيمان العلوي كتاب "سفور" للناقد التونسي خالد بن المنجي عبيدة؛ ومراجعة قام بها مصطفى الشادلي لكتاب "اللاهوت السياسي" لكارل شميت. كما تضمن العدد تقريرًا أعدّه الباحث رجا بهلول عن مؤتمر معهد مواطن السنوي الرابع والعشرين "سبعة عقود على الإعلان العالمي لحقوق الإنسان: ماضي ومستقبل حقوق الإنسان وفلسطين"، الذي عُقد يومَي 5 و6 تشرين الأول/ أكتوبر 2018.


** تجدون في موقع دورية "تبيّن" دراسات ومراجعات مختارة متاحة للتنزيل من العدد الجديد (28) والعددين (27) و(26)، كما يمكنكم شراء باقي محتويات هذه الأعداد الثلاثة، فيما تتوافر محتويات الأعداد السابقة جميعها مفتوحة ومتاحة للتنزيل.