بدون عنوان

لم يسبق أن حظيت الرؤى والاستراتيجيات والدراسات المستقبلية الإسرائيلية بما يكفي من الدراسات العربية الأكاديمية النقدية، والمقاربات المعرفية العربية الجدية التي تتناول مستقبل إسرائيل، وتقدم من خلالها معرفة عربية لمستقبل إسرائيل في المجالات والمحاور المختلفة، مشتبكةً مع التصورات والدراسات الإسرائيلية وناقدة لها. ومن ثمّ، يأتي العدد الخاص من كتاب استشراف للدراسات المستقبلية السنوي الرابع ليُخصّص للدراسات النقدية التي تُعنى بهذه "الرؤى الاستشرافية والمخططات الإسرائيلية"، ولتدارس هذه القضايا، وتحليل تأثيراتها في مستقبل القضية الفلسطينية، وفي البلدان العربية.

وقد ضمّ العدد، الذي حظي بمساهمة الدكتور مهند مصطفى في إعداد مواده وتحكيمها وتحريرها، ثماني دراسات، أولها دراسة لمحمود محارب "واقع وخطط ’السايبر‘ والطائرات المسيّرة في إسرائيل"، والتي تعالج واقع "السايبر" في إسرائيل، في المجالين المدني والعسكري، والرؤى والمقترحات الإسرائيلية لحمايته في الحاضر والمستقبل. وتستند في قراءتها لواقع السايبر في إسرائيل إلى العديد من الكتابات الإسرائيلية، وإلى ثلاث مذكرات صدرت عن معهد أبحاث الأمن القومي التابع لجامعة تل أبيب. كما تعالج الحرب في مجال السايبر وتأثيرها في إسرائيل، ومسألة ضرورة تطوير استراتيجية إسرائيلية في مجال السايبر، وضرورة وضع تعليمات قانونية في مجال السايبر لحمايته وتنظيمه. وتعالج أيضًا واقع الطائرات المسيّرة العسكرية في إسرائيل، التي تعدّ من أهم ما توصلت إليه الصناعات الإسرائيلية الدقيقة، وتقف على إمكانية أن تصبح في السنوات والعقود المقبلة ليس الأكثر استعمالًا في سلاح الجو الإسرائيلي في عملياته العسكرية فحسب، بل القوة الأساسية في هذا السلاح.

كما يستعرض نقديًا راسم محيي الدين خمايسي، في دراسته الموسومة بـ "بين المكان والإنسان والعقيدة الدينية/ الجيوسياسية"، التحولات في التخطيط الحيزي الإسرائيلي، ويناقش مدارس التخطيط وفقهه واستخدامه أداةَ هيمنة لإنتاج الحيز، وضبط استخدامات الأراضي لتحقيق أهداف الدولة الإسرائيلية. كما تسعى الدراسة لقراءة مشهد التخطيط المعمول به، وتحاول أن تعرض استشراف بعض محاور التحولات في هذا التخطيط بصفته مركبًا فيه تعبير عن النقاش الدائر داخل إسرائيل. وتعتمد الدراسة منهجية السرد التحليلي الناقد، وهي جزء من بحث أجري لمعرفة التحولات في الخطاب واللغة التخطيطية، وإنتاج خطاب تخطيط مستقبلي نحو مئة سنة لقيام إسرائيل. وتنطلق الدراسة من تصورٍ مفاده أنّ التخطيط الحيزي ليس موضوعًا إجرائيًا تقنيًا محايدًا، بل هو ترجمة لفكر وأهداف جيوسياسية محكومة بعلاقات القوة في تخصيص الموارد.

في الدراسة الثالثة، "المخطط الإسرائيلي لبرجزة القدس في ضوء ’خطة القدس 5800: رؤية القدس 2010- 2050: قراءة نقدية‘"، تقدم حليمة أبو هنية قراءة نقدية لخطة إسرائيلية لأجل "برجزة" القدس ضمن سياق الاستعمار الاستيطاني الإحلالي الذي تواصل إسرائيل تطبيقه في المناطق الفلسطينية، وذلك من خلال تحليل نقدي لـ "خطة القدس 5800: رؤية القدس 2010 - 2050" التي تهدف، في نهاية المطاف، إلى تهويد مدينة القدس كلها، وتعزيز الوجود اليهودي مقابل الوجود الفلسطيني فيها، بفرض تغييرات مكانية وديموغرافية في المدينة. وفي هذا السياق، تستحدث الدراسة مفهوم "البرجزة ضمن سياق الاستعمار الاستيطاني"؛ وذلك بنسج علاقة بين إجراءات الاستيلاء على الأرض والسيطرة ومحاولة محو الوجود السكاني الفلسطيني التي تنتهجها إسرائيل باستخدام أدوات نيوليبرالية. ومن ثم تكمن أهمية الدراسة في ما تقدمه من قراءة نقدية للأدوات الجديدة التي تستخدمها إسرائيل لتعزيز استعمارها الاستيطاني لمدينة القدس، من خلال اعتماد مفهوم البرجزة القائم على المنظومة النيوليبرالية بوصفها أداةَ استعمار استيطاني معاصرة لتحقيق عملية محو الشعب الأصلاني والاستيلاء على الأرض والمكان.

أما أشرف بدر، فيتناول "التعداد السكاني في القدس بوصفه أداةً للسيطرة والتشظية الاستعمارية"، استنادًا إلى ميشيل فوكو الذي افترض أنّ التعداد السكاني يُعدّ أداةً للتحكّم والضبط والسيطرة. وتسعى الدراسة أيضًا للإجابة عن سؤال مركزي مركّب، يتعلق بكيفية مساهمة التعداد السكاني في ترسيخ التقسيمات الاستعمارية (وذلك بالرجوع إلى بندكت أندرسون)، وتمثيل السلطة الحاكمة. ويتفرّع من هذا السؤال أسئلة عدة، أبرزها سؤال العلاقة بين التعداد السكاني والصراع الديموغرافي في القدس. وتجادل الدراسة بأنّ التعداد السكاني في القدس يُعتبر أداة مهمة تعتمدها السلطات الاستعمارية في بسط سيطرتها، إضافة إلى استخدامه أداةً للتشظية وترسيخ التقسيمات الاستعمارية، وتوظيفه في النزاع الديموغرافي القائم في فلسطين، والقدس على نحو خاص.

ويحلّل مهند مصطفى التحوّلات الديموغرافية والسياسية والفكرية التي حدثت في صفوف المتدينين اليهود في العقود الأخيرة، في دراسةٍ له بعنوان "قراءة في التحوّلات الديموغرافية والسياسية والفكرية للمتدينين في إسرائيل واستشراف تأثيراتها المستقبلية"، بغية استشراف تأثيراتها المحتملة، وتحديدًا تبيان التأثير الذي أحدثته هذه التحوّلات في مدى حضور المتدينين اليهود في المجال العام والسياسة الإسرائيلية وتأثيره. وتروم الدراسة تحليل مصادر قوّة المتدينين، وتحديدًا، المصادر التي ساهمت في صعود تأثيرهم في المشهد الإسرائيلي العام، وترصد مجموعةً من مصادر هذه القوّة، رغم التباين حول أهميتها وديناميتها، أو ثباتها وتقاطعاتها. وتتمثل في المصدر الديموغرافي، إذ يزداد عدد المتدينين في إسرائيل نتيجة التكاثر الطبيعي لديهم، والمصدر الأيديولوجي التاريخي النابع من سياقات سياسية وتاريخية. وبناءً على ذلك، تتعرض الدراسة لتعبيرات هذا الصعود على ثلاثة مستويات: السياسي، والعسكري، والمجال العام.

ويعرض أيمن إغبارية وعماد جرايسي، في دراستهما "الرؤى الإسرائيلية لمستقبل التعليم في ظلّ السياسات النيوليبرالية وصناعة الهويّة والتديّن والصهيونية والعسكرة"، للسياسات النيوليبرالية في إسرائيل، خاصة في قطاع التربية والتعليم. وتُبرز الدراسة أنّ هذه السياسات أدّت إلى إعادة صياغة نظام التعليم في إسرائيل؛ بهدف تهيئة الفرد للانخراط في السوق الحرّة واقتصاد تكنولوجيا المعرفة، وتبنّي القيم المتصلة بحرية الفرد، وتحقيق الذات والنجاح الشخصي إلى حدّ النزوع إلى الفردانية الشرسة والداروينية المجتمعية، وترسيم حدود الإجماع الصهيوني من جديد برسم قناعات ومصالح اليمين المتدين والاستيطاني في إسرائيل. وأخيرًا، تستشرف الدراسة قضيتين مركزيتين في العقد المقبل: تحسين جودة التعليم بوصفه رافعة أساسية للنموّ الاقتصادي، واستمرار تعزيز المضامين القومية - الدينية في مناهج التعليم ودعم الأطر التعليمية التي تنسجم مع هذا التوجه.

ويخصّ أحمد أمارة بالدرس والتحليل الرؤى الإسرائيلية تجاه قضاء بئر السبع (النقب)، في دراسته "قراءة في الموجة الثانية من ’الخلاص/ التخليص‘ الصهيوني للأرض: الاستيلاء على الأراضي في قضاء بئر السبع"، وهي المنطقة الفلسطينية التي تشهد موجة رئيسة ثالثة من الاستعمار الصهيوني يمكن اعتبار بدايتها في عام 2005، مع اعتماد الحكومة الإسرائيلية ما يُعرف بخطة تطوير النقب. وتواصل النتائج المترتّبة على هذه الخطة التأثير بصورة ملموسة في منطقة بئر السبع، ولا سيما في سكانها الفلسطينيين. ويُناقش هذا البحث السياسات والممارسات الإسرائيلية القديمة - الجديدة ويعرض روابطها التاريخية، مع تركيز خاص على الآليات القانونية التي تستخدمها إسرائيل لتحقيق أهدافها في عملية التهويد. ويُبيّن أنّ الموارد الإسرائيلية لتنفيذ الهدم والإخلاء ستزيد، وستزداد معها حِدّة العنف؛ ما يعزز احتمالات مواجهة عنيفة واسعة في الأعوام القريبة، وتحديدًا مع تعاظم قوة اليمين الإسرائيلي المتطرف ومؤسساته من أجل الاستيطان، التي تعمل في ظل أيديولوجيا الصهيونية الدينية المتزايدة.

وأخيرًا، تناولت دراسة عدنان أبو عامر "في الرؤى الإسرائيلية الاستشرافية لمستقبل قطاع غزة"، رؤى الكيان الصهيوني لمستقبل قطاع غزة، وتحديدًا المؤسسة الإسرائيلية الرسمية بشقيها السياسي والعسكري وما تمتلكه من مخططات وتصورات مستقبلية، في ظلّ العبء الذي بات يشكله القطاع على إسرائيل، رغم انسحابها منه في عام 2005. وتُبرز الورقة أنّ إسرائيل، بمستوييها السياسي والعسكري، لا تمتلك خيارًا مرجحًا مئة في المئة لحلّ المعضلة القائمة في غزة، رغم ما تبذله عقولها وأدمغتها في العثور على أفضل الحلول، أو أقلّها تكلفة، وأخفّها ضررًا. لتخلص الدراسة إلى أنّ الخيارات الاستشرافية الواردة ذات فرص متقاربة بالتحقق أو الإخفاق، ويبقى الميدان القائم بين الجانبين على حدود غزة، هو الذي قد يرجح خيارًا على آخر؛ بالنظر إلى التطورات الأمنية التي قد تسفر عن الاحتكاكات القائمة بين حماس وإسرائيل.

كما اشتمل العدد على ثلاث ترجماتٍ مهمة، الأولى لشابتاي شوفال "استراتيجية الأمن القومي الإسرائيلي لعام 2030"، والثانية لأمنون رامون "رعايا لا مواطنون: السياسة الإسرائيلية تجاه العرب في القدس الشرقية 1967 - 2017"، والثالثة لميشال كوراتش ومايا شوشين "القدس: الحقائق والاتجاهات".

واُختتم العدد بأربع مراجعات كتب، تناولت عرضًا وتحليلًا لكتب: "مخطط ’إسرائيل 2020‘ عقب ربع قرن" (هيئة التحرير)؛ و"كيف تحضر إسرائيل حروبها المستقبلية" (أحمد قاسم حسين)؛ و"اتجاهات تغلغل مجتمع السوق في الجيش الإسرائيلي" (مهند مصطفى)؛ و"في تفكيك الرؤى الإسرائيلية للصراع العربي - الإسرائيلي" (عبد اللطيف المتدين).