"الأخ" و"الرعية" والمواطن: دينامية الوضع السياسي للفرد في البلاد التونسية

​​​​صدر عن المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات كتاب "الأخ" و"الرعية" والمواطن: دينامية الوضع السياسي للفرد في البلاد التونسية Le “frère”, le “sujet” et le citoyen: Dynamique du statut politique de l’Individu en Tunisie، ضمن سلسلة ترجمان، من تأليف عبد الحميد هنية، وترجمة مصطفى التليلي.

يندرج هذا الكتاب ضمن مسار فكري ممتد يُعنى بتتبّع صيرورة التفرد في المجتمع التونسي؛ إذ يقارب المؤلّف الفرد بوصفه "علاقة سياسية مركّبة"، يتداخل في تأطيرها منطق الجماعة والدولة والاستعمار والنخبة، بحسب التطورات المتلاحقة طوال أكثر من أربعة قرون.

الفرد الرعية وتبلور "المصلحة العامة"

يعاين الكتاب الواقع الاجتماعي من زاوية خضوع البناء الجماعوي للتفكيك والتفريد، تحت تأثير التجاذب والتكامل بين مقتضيات منطق الدولة ومنطق الجماعة. ويدرس وضع الرعية المسند إلى السكان الحضر وفقًا للسجل اللغوي الجبائي، خاصة في القرنين السابع عشر والثامن عشر، وما يقتضيه من حقوق وواجبات تجاه الراعي (الباي)، بما يتيح للرعية إقامة علاقات ولاء مباشرة بين الأفراد وسلطة البايليك. ويهتم بالوسط القبَلي في الأرياف، حيث كانت عملية إخضاع السلطة المركزية للسكان تدريجية، وتعايش ذلك مع اعتماد الأطر الجماعوية في تفاعل مع مقتضيات منطق الدولة. وكان استعمال مصطلح "إخوة الشيخ" في الدفاتر الجبائية يحيل إلى الأفراد المنتسبين إلى شبكات القرابة الحقيقية أو المتخيلة. ويستعرض تأثيرات الإصلاحات الجبائية المتتالية خلال القرن التاسع عشر، والتي ساهمت في إحداث تحولات في علاقة الأفراد والجماعات بالدولة؛ إذ أُسند وضع سياسي موحّد، بفضل عهد الأمان عام 1857، إلى جميع الأفراد، وعُمّم وضع الرعية على كل سكان الإيالة، بغضّ النظر عن الانتماءات الدينية والجغرافية والعرقية. وأسهم ذلك في إعادة صياغة الروابط بين الدولة والأفراد والجماعات على أسس جديدة. ويتناول الكتاب أيضًا بوادر الفصل بين الدوائر، خصوصا بين الفضاءين العام والخاص، في مجال ممارسة السلطة، ما ساعد على تبلور مفهوم "المصلحة العامة".

الفرد - المواطن

بعد ذلك، يدرس الكتاب وضع الفرد التونسي من خلال مكانة "الأهلي" الدونية مقارنة بوضع المستوطن الفرنسي والأوروبي منذ بداية الاحتلال الفرنسي عام 1881. وفي المقابل، نمّى خطاب الحركة الوطنية التونسية، بمختلف مكوناتها، فكرة المواطن المطالِب بالحرية والانعتاق من الاستعمار، وأفرز تصنيف "الشعب" بوصفه حشدًا من الأفراد المتساوين والمستقلين والمنخرطين في المعركة التحريرية. ومن ثم، يناقش مسار التفريد في فترة دولة الاستقلال بعد عام 1956، والاستعمال الواسع لمصطلح "المواطن" في الخطاب الرسمي. ويعزو ذلك إلى النخب الحداثية التي كانت في حاجة إلى بناء مشروعية لسلطتها وتوسيع قاعدتها الاجتماعية من خلال الطبقات الوسطى. وقد حلّت هذه النخب المتنفذة في النظام السياسي الجديد محلّ ما كان يُعرف سابقًا بـ "الخاصة". وبناء عليه، عوّض ولاء الأفراد للأمة والدولة الوطنية والزعيم ولاءهم السابق لسلطة الباي، وهو ما كبح مسار تكريس المواطنة، ويفسر تغلّب الصبغة التسلطية والأبوية على نظام الحكم السائد حتى عام 2011 مع غيابٍ للحريات الفردية وقيم المواطنة.

التهميش وغياب القيادة والاحتجاجات

يرى المؤلّف أن التحركات الاحتجاجية التي شهدتها تونس في الفترة 17 كانون الأول/ ديسمبر 2010 - 14 كانون الثاني/ يناير 2011 كانت من صنع فئات مهمشة لا قيادة لها. غير أن النخب الحزبية والنقابية هي التي تمكّنت من السيطرة على المسار السياسي وأعادت إنتاج ممارسات سابقة بعيدة عن قيم المواطنة؛ إذ تعاملت مع التونسيين باعتبارهم رعايا لا مواطنين. وبالتوازي مع ذلك، تزايد دور المجتمع المدني، وتصاعدت الأعمال المواطنية العفوية وفق أشكال تعبوية مبنية على الشراكة، وليس على التحكم في أفق بناء مواطنة حقيقية وإقامة روابط اجتماعية جديدة.

الحركات النسوية والمساواة

يتناول الكتاب كذلك قضية الفرد/ المرأة ودخولها إلى الفضاء العام بوصفها فاعلة سياسية تسعى إلى التحرر من قيود المجتمع التقليدي، رغم معارضة الأوساط المحافظة ومحاولة الحركات الإسلاموية. ويعتبر أن إصدار مجلة الأحوال الشخصية عام 1956، وما احتوته من حقوق وضمانات للمرأة، يعدّان لحظة فارقة في دينامية تحرر النساء ومساواتهن بالرجال. ويؤكد أن صدور هذه المجلة سبقته أحداث ومواقف وديناميات داخلية منذ القرن التاسع عشر هيّأت الأرضية لذلك، من دون ربطه بالتأثيرات الغربية.

ومن خلال تحليل مسار بروز الفرد التونسي، يُعدّ هذا الكتاب عملًا نموذجيًا لفكرة "أهلنة" المعرفة التاريخية، مع الحرص على التخلص من النظرة المركزية الأوروبية، التي لا ترى الديناميات الداخلية إلا نتيجةً لتحريك خارجي.

​​​​

اقــرأ أيضًــا

فعاليات