صدر عن المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات كتاب فصول في عربية المغرب، للمؤلف عبد العلي الودغيري، ويقع في 232 صفحة. يقدّم الكتاب دراسة تاريخية وصفية للعربية المستخدَمة في المغرب، مع التركيز على خصائصها وتطوّرها ومسارات الاهتمام بها، خصوصًا في بعدها المعجمي. ويُستَهلّ بتتبّع دخولها إلى البلاد منذ الفتح الإسلامي، مبرزًا أنّ انتشارها لم يكن وليد التعليم الديني وحده، بل ارتبط أيضًا باستقرار قبائل عربية متعددة حملت معها لهجاتها المختلفة. وقد أدى هذا التنوّع، إلى جانب الاحتكاك باللغات المحلية، إلى نشوء عربية مغربية ذات خصائص استعمالية مميزة، تقوم على التوليد والاشتقاق والتطوّر المستمر، شأنها شأن سائر اللهجات الحيّة.
ويُبرز المؤلف أثر الأندلس في تشكيل هذه العربية، إذ انتقل إليها رصيد مهمّ من الألفاظ والتراكيب عبر الهجرات الأندلسية، ما أكسب الدارجة المغربية طابعًا أندلسيًّا واضحًا. وقد اعتمد في تتبّع هذه الألفاظ على مصادر متنوعة، من القواميس القديمة وكتب الأدب والتاريخ إلى نصوص الأزجال والفتاوى والرحلات، كاشفًا عن عمق الامتداد التاريخي للّهجة المغربية.
ويتناول بدايات الاهتمام الأوروبي بالعربية المغربية، الذي انطلق منذ القرن السابع عشر وتطوّر تدريجيًا، ليبلغ ذروته في القرن التاسع عشر مع اقتران المعرفة اللغوية بالمشاريع الاستعمارية؛ فقد سعى المستشرقون إلى دراسة الدارجة لأغراض عملية وسياسية، فعملوا على تدوينها وتعليمها للأوروبيين، وتحويلها من لهجة شفوية إلى مادة تعليمية قائمة بذاتها، مزوّدة بقواعد وقواميس ومناهج.
ويكشف أنّ هذا الاهتمام الأوروبي بالعربية المغربية لم يكن بريئًا في مجمله، بل ارتبط بسياسات استعمارية هدفت إلى تسهيل التواصل مع السكان تمهيدًا للهيمنة، ثم تطوّر ليصبح أداة لمحاربة العربية الفصحى وتقويض دورها التوحيدي. ففي التجربة الفرنسية في الجزائر، شُجِّع المستوطنون على تعلّم الدارجة لكسب ثقة الأهالي، مقابل فرض الفرنسية تدريجيًا، ضمن سياسة لغوية مزدوجة انتهت إلى إضعاف العربية المعيارية ومحاصرتها.
وعلى الرغم من تباين مواقف المستشرقين من طبيعة العامية، بين من يعدّها لغة مستقلة ومن يراها امتدادًا للفصحى، فقد أجمعوا عمليًّا على ضرورة تعلّمها لخدمة أهدافهم. ومع مرور الوقت، تحوّل التركيز على الدارجة من خيار مرحلي إلى استراتيجية بعيدة المدى، تهدف إلى تفكيك الوحدة اللغوية والثقافية للعالم العربي.
ويؤكد المؤلف أن هذه الجهود، على اختلاف دوافعها، قد أسهمت في إنتاج مادة علمية قيّمة لدراسة تطوّر اللهجات العربية. ويلفت إلى أهمية التكامل بين دراسة العربية في المغرب والجزائر، نظرًا إلى وجود قدرٍ كبيرٍ من الوحدة في الرصيد اللغوي بينهما. ويختتم بالإشارة إلى استمرار الاهتمام بالعربية الدارجة في القرن العشرين، سواء في الأوساط الاستشراقية أو لدى بعض الباحثين العرب، مع ما يثيره ذلك من إشكالات تتصل بالهوية والسياسة اللغوية في المنطقة.