بدون عنوان

الجلسة التاسعة بعنوان "خبرات وشهادات في العدالة الانتقالية (3): حالات عربية" ويرأسها الأكاديمي التونسي محمد الإمام
الجلسة العاشرة بعنوان "قضايا المصالحة والعدالة الانتقالية: حالات عربية (2)" ويراسها فرج معتوق
الجلسة الحادية عشر بعنوان "قضايا المصالحة والعدالة الانتقالية: حالات عربية (3)" ويرأسها مهدي مبروك

اختتمت اليوم السبت، 23 تشرين الثاني/ نوفمبر 2019، في العاصمة التونسية، أعمال المؤتمر السنوي الثامن لقضايا الديمقراطية والتحول الديمقراطي. وقد شهد المؤتمر الذي ينظمه المركز العربي حول "العدالة الانتقالية والانتقال الديمقراطي في البلدان العربية"، عبر أيام انعقاده الثلاثة، تراكمًا معرفيًا لافتًا في الموضوع الذي بات عربيًا موضوعًا ملحًا.

وقد هدف منظمو المؤتمر إلى إن يكون ساحة لتبادل الرؤى ووجهات النظر بين الأكاديميين والباحثين من جهة، وبين الخبراء العرب والدوليين من جهة أخرى. وكانت التوصية الأبرز للمؤتمر هي ضرورة أن تولي مراكز الأبحاث والمجتمع الأكاديمي العربي قضية التحول الديمقراطي وفهم أبعاد تعلقها بالعدالة الانتقالية المزيد من العناية، وأن تسعى هذه المؤسسات لتكوين معرفة عربية معمقة حول تطبيقات العدالة الانتقالية، وخصوصًا أن المنطقة قد شهدت في العقد الأخير تجارب شديدة التنوع، راكمت خبرات وتطبيقات، بات من المهم أن ينتج في مقابلها جهد بحثي ونظري.

عمق الصلة بين العدالة الانتقالية والانتقال الديمقراطي

استئنافًا لعرض الخبرات والشهادات العربية حول تجارب تطبيق العدالة الانتقالية، عُقدت الجلسة التاسعة برئاسة محمد الإمام، الباحث والأكاديمي التونسي، بمشاركة كل من حورية مشهور، وزيرة حقوق الإنسان في اليمن سابقًا، وسلام الكواكبي، مدير فرع المركز العربي بباريس، وأسامة رشدي، السياسي والحقوقي المصري، وعضو المجلس القومي المصري لحقوق الإنسان سابقًا.

وقد بينت حورية مشهور صعوبة السياق الذي طرحت فيه العدالة الانتقالية في اليمن، فبدايةً أبقت مبادرة مجلس التعاون الخليجي على رأس النظام السابق، ومنحته الحصانة في مقابل التنازل سلميًا عن السلطة. ورغم احتجاج شباب الثورة، صدر قانون الحصانة في 21 كانون الثاني/ يناير 2012، قبل إقرار مشروع العدالة الانتقالية. وأثار مشروع قانون العدالة الانتقالية شكوكًا وهواجس لدى الأطراف كافة، حتى قبل أن يتم إعداده، كما أنه خالف المعايير الدولية للعدالة الانتقالية، ومكونات أساسية هي الكشف عن الحقيقة واعتراف المنتهكين لحقوق الإنسان واعتذارهم والتزامهم، وكذلك طلب الصفح والمسامحة من الضحايا.

واستبعد المشروع كليًا الإجراءات القضائية، مركزًا فقط على المصالحة الوطنية وجبر الضرر. وأوضحت حورية مشهور أن الاهتمام بالعدالة الانتقالية لم يقتصر على الدوائر الرسمية ووكالات منظمة الأمم المتحدة بل امتد إلى المجتمع ككل، وبادرت بعض النخبة الثقافية والمهنية وناشطي حقوق الإنسان إلى تشكيل المركز اليمني للعدالة الانتقالية، وانطلق في حزيران/ يونيو 2012، في مدينة تعز مسنودًا بدعم دولي للدفع بتطبيق المعايير الدولية للعدالة الانتقالية.

في حين أشار سلام الكواكبي إلى أن الانتهاكات التي تعرض لها السوريون هي الأكثر توثيقًا في التاريخ، وبعض هذا التوثيق تم بيد النظام وتخطيطه؛ إذ عمد إلى نشرها، بثًا للخوف في النفوس. وفي ظل القانون السوري، لا مجال لمعاقبة المنتهكين لحقوق الإنسان؛ فنصوصه تحمي رجال الأمن من المساءلة على الانتهاكات، ولا مجال في القضاء السوري لمحاكمة من يقتلون. وإثر استعراضه للانتهاكات الواسعة هذه، أضاف الكواكبي أن ثمة تحديات كبيرة أمام أي برنامج للعدالة الانتقالية؛ فهي ستظل مرتبطة بالحل السياسي، وإن كان لا يزال بعيدًا. هذا فضلًا عن سيطرة النظام على النظام القضائي والمحاكم، وتعدد الفاعلين الذين ارتكبوا الانتهاكات في سورية، هذا إلى جانب الأضرار الجسيمة التي لحقت المرأة السورية التي ستلزم أي نظام مستقبلي للعدالة الانتقالية بأن يولي هذا البعد اهتمامًا. كما أشار الكواكبي إلى أن جهودًا كثيرة تهتم بتوثيق الانتهاكات، لكن يتم تجاهلها من جانب الأمم المتحدة التي باتت ترى أن المشكلة في سورية تنحصر في وضع دستور جديد. ونوه أيضًا إلى ضرورة الاهتمام بمسألة المصالحة والحوار والعدالة المجتمعية. واختتم مداخلته بالإشارة الى أن أحد استطلاعات الرأي الحديثة في مخيمات اللاجئين السوريين في لبنان والأردن، بيّن أن العدالة الانتقالية تمثل أحد ثلاثة أمور ذات أولوية عندهم، بجانب استعادة الأمن والأمان، وإنجاز الانتقال السياسي.

وفي عرضه للحالة المصرية، أكد أسامة رشدي، أن فاعلي ثورة يناير قد أخفقوا في إدارة ملف العدالة الانتقالية؛ إذ عجزت عن محاسبة من قاموا بالانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان، سواء على مدار سنوات حكم مبارك، أو في خلال احتجاجات ما بعد يناير 2011. وإلى حد اليوم لم يتم كشف حقيقة هذه الانتهاكات، أو جبر ضرر الضحايا، فضلًا عن محاسبة من تغولوا على المال العام بالفساد. واستعرض رشدي أمثلة على تعمد النظام في مصر إلغاء الأحكام ضد المسؤولين والضباط المتورطين في الانتهاكات الواسعة لحقوق الإنسان، كان آخرها تبرئة حبيب العادلي وزير الداخلية الأسبق الذي أسقطت المحكمة عنه التهم التي شملت ذمته وممارسات الفساد التي تورط فيها. وبيّن رشدي كيف أهدرت وأخفيت تقارير تقصي الحقائق، وغيبت الأدلة عن المحاكمات التي جرت، وبدا للجميع أن النيابة وغيرها قد تلاعبوا بالأدلة لتفريغ المحاكمات من مضمونها، والسماح بإفلات المسؤولين عن هذه الجرائم؛ ما أدى إلى حالة غليان في الشارع المصري. وقال: إن تراجع التفكير في تحقيق العدالة الانتقالية في مصر، وتقويض الحوار بين القوى السياسية والمجتمعية، وتجاهل تجارب التحول في الدول التي مرت بظروف مشابهة، كلها عوامل أسهمت في نجاح الثورة المضادة في حماية رموز النظام القديم، بل في ارتكاب أبشع الانتهاكات بحق الثوار ورموزهم.

قضايا المصالحة في حالات عربية

وخصصت الجلسة العاشرة، التي ترأسها فرج معتوق، أستاذ التاريخ المعاصر بجامعة تونس، لاستكمال عرض المزيد من الحالات العربية في مجال تطبيق سياسات المصالحة والعدالة الانتقالية. وتناولت مداخلة أحمد إنداري، الباحث الموريتاني، ما عرف بالتجربة الموريتانية في مجال العدالة الانتقالية، والتي أكد أنها اسم لأمر لم يحصل بعد، على الرغم من الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان التي حصلت في ظل الحكمَين المدني والعسكري، وما نراه يمكن وصفه وحسب بتجربة قَيد التشكل. وقد ظلت المقاربة الموريتانية لموضوع العدالة الانتقالية محكومة بمتطلّبات آنية، تتعلق بالرغبة في الخروج من مأزق اجتماعي وثقافي، مثل أحداث عام 1966، أو الحصول على تمويلات أو قروض من مؤسسات التمويل الغربية، أو بالسعي للخروج من أزمات معيّنة. وأوضح إنداري أن تدخّل أطراف خارجية، منها الولايات المتحدة الأميركية وفرنسا والسنغال، في ذلك المسار المتعلق بالعدالة الانتقالية بموريتانيا، كانت له تداعيات سلبية وساهم في تسييسه؛ ما جعل نظرة السلطات الحاكمة في موريتانيا إلى هذا الملف يغلب عليها الريبة والتوجّس والشك.

واستعرض الباحث اليمني محمد الحميري، تجربة العدالة الانتقالية في اليمن، حيث بيّن أن مشروع العدالة الانتقالية والمصالحة قد جمد عند حد النقاشات، التي لم تتحول إلى واقع تطبيقي، وكان طبيعيًا أن ينتهي المشروع مع انهيار العملية السياسية إثر انقلاب جماعة الحوثي المسلحة، في أيلول/ سبتمبر 2014، ودخول البلاد في موجة احتراب داخلي وتدخّل خارجي. وعدّد الحميري الصعوبات التي تلت انتهاء الحرب في اليمن واصفًا إياها بالمعقدة، وأكد أنها تحتاج إلى تمعن ودراسة، ويتبوأ بينها موضوع العدالة الانتقالية والمصالحة الوطنية وفرص تطبيقه المستقبلية أهمية كبيرة؛ فالحال أن السياق الجديد تجاوز ما كان مطروحًا بشأن العدالة الانتقالية وبرزت متطلبات جديدة واحتياجات مختلفة عما كان في السابق. وأنهى الحميرى بقوله: إن العودة إلى النقاشات والتوافقات حول العدالة الانتقالية في اليمن في حاجة إلى جهود محلية وإقليمية ودولية كبيرة، أكبر مما بُذل في السابق؛ على أمل البناء على ما تم وإضافة الفترة التي يعيشها اليمن منذ 2015.

أما نبيل زكاوي، أستاذ القانون بجامعة فاس في المغرب، فطرح في مداخلته عن مسار العدالة الانتقالية في المغرب، الخصوصية التي اتسمت بها التجربة المغربية وميّزتها من كثير من التجارب المحلية الأخرى؛ واصفًا إياها بأنها تجسد انتقالًا من نظام تسلّطي إلى نظام منفتح، وليس انتقالًا من الحرب إلى السلام. وبيّن زكاوي أن إنشاء هيئة للإنصاف والمصالحة، ضِمن النظام السياسي نفسه، أثّر كثيرًا في مردوديتها؛ فلم يكن في مقدورها تجاوز الخطوط التي ظل يرسمها هذا النظام. وقد ظلت هيئة الإنصاف والمصالحة في المغرب في أغلب الأحيان هيئة سياسية، وإن بدت بمضامين حقوقية وقانونية؛ ما جعل عملها خاضعًا لإكراهات الواقع السياسي المغربي. وأكد زكاوي أن تسييج التجربة المغربية للعدالة الانتقالية بشعار "العدالة بقدر ما هو ممكن" هو الذي جعلها في نهاية المطاف تجربة غير مكتملة؛ ليس لأنها شرعنت تغييب الحقيقة الكاملة لتوقيف العدالة الجنائية حتى استحالت عدالةً ضد العدالة فحسب، بل لكونها لم تكن بالزخم الكافي لتقود إلى إصلاح مؤسسي أوسع أيضًا.

وفي الموضوع نفسه، عقدت الجلسة العاشرة برئاسة مهدي مبروك، مدير المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات بتونس. وبدأت بمداخلة للباحثتين لور أبي خليل، أستاذة العلوم السياسية بكلية الحقوق والعلوم السياسية بالجامعة اللبنانية، وعزة الحاج سليمان، أستاذة القانون بالكلية نفسها. أكدت الباحثتان أن قانون العفو العام عن مرتكبي الجرائم المرتبطة بالأحداث اللبنانية التي جرت في فترة الحرب الأهلية، يُعدّ سببًا في عدم بدْء مرحلةٍ انتقالية لإرساء السلام وتكريس إفلات مقترفي جرائم الحرب من العقاب. وقد نظر المشرعون إلى العفو العام المعتمد لإنهاء الحرب الأهلية على أنها مرحلة آنية، مبنية على الدفاع عن القضية التي اعتبرها أصحابها مُحقّة، وعلى إرساء السلام وعدم نكْء الجروح، ولم يؤخذ في الحسبان حقوق أهالي المفقودين الذين استُثنوا من أي حل. وإنّ الوصول إلى أُسس الحكم الرشيد لبناء الدولة اللبنانية يجب أن يرتكز على مفاهيم "حوكمة النزاع"، وعلى الأسس المتعلقة بالعدالة الانتقالية المتمثلة بالتحول الديمقراطي، وإعادة التوازن الاجتماعي، والعدالة الاجتماعية، والانصهار الوطني.

وعرج محمد خليفة صديق، الأكاديمي السوداني، على واحدة من التجارب ذات الخصوصية وهي اتفاقية الدوحة للسلام في دارفور، التي تمت برعاية دولة قطر؛ حيث جمعت طرفي النزاع في دارفور لإنجاز مشروع غير مسبوق إقليميًا. وبيّن صديق أن حالة اتفاقية الدوحة لسلام دارفور تختلف عن جُلّ تجارب العدالة الانتقالية التي كانت تتم بمبادرة الدولة نفسها، أو بوساطة غربية، أو أممية. فوثيقة الدوحة نشأت في سياقٍ عربيٍ، وخلَت من ضغوط الوسيط والشك في أغراضه. وقد كانت حظوة وثيقة الدوحة لسلام دارفور برضا الجميع وقبولهم ودعمهم، وعلى رأسهم المجتمع الدولي والإقليمي، مستندًا إلى كونها الأكثر شمولًا في معالجتها المشكلة من جذورها، فضلًا عن استجابتها لتطلّعات أهل دارفور وآمالهم في تحقيق العدالة والمصالحة. وعلى الرغم من جودة الإطار الذي طرحته الوثيقة، فقد لازم التعثر تنفيذها؛ بسبب تقاعس أطراف النزاع عن الوفاء بالتزاماتها كاملة، وعدم وفاء المانحين الدوليين بالتزاماتهم التي قطعوها تجاه عملية السلام في دارفور.

وجرت مناقشة ختامية أدارها مهدي مبروك، عرضت خلالها عديد التعليقات والأفكار والتوصيات، وأعلن انتهاء أعمال المؤتمر وشكر المشاركين جميعًا.