بدون عنوان

افتُتحت اليوم الإثنين العاشر من ديسمبر 2018 أعمال مؤتمر (المعجم التاريخي: مقارنات ومقاربات)، بحضور نخبةٍ من الأكاديميين والمعجميين من مختلف أقطار العالم، وذلك بعد حضورهم حفل إطلاق معجم الدوحة التاريخي للغة العربية صباح اليوم ذاته. نوقشت في هذا المؤتمر أبرز القضايا المتعلقة بصناعة المعاجم التاريخية عربيا وعالميا، وقد كان لمعجم الدوحة التاريخي للغة العربية نصيب الأسد من الأوراق البحثية المقدَّمة.

المعجم العربي والتأريخ

بدأت الجلسة الأولى بورقة رمزي منير بعلبكي، أستاذ كرسي "جُويت" للدراسات العربية في الجامعة الأمريكية في بيروت، ورئيس المجلس العلمي لمعجم الدوحة التاريخي للغة العربية، بعنوان "ملامح من الوعي اللغويّ التاريخيّ في التراث المعجميّ العربيّ"، وذكر فيها أن التراث اللغويّ والنحويّ العربيّ منذ القرن الثاني للهجرة يتّسم بالطابع التزامنيّ synchronic لا الزمانيّ أو التعاقُبيّ diachronic، لكنّ العرب لم يَغفَلوا عن الجوانب التاريخية في مقاربتهم المسائل اللغوية. وأكّد البعلبكي أنّ مفهومُ "عصور الاحتجاج" يدلّ على إدراك اللغويّين العرب لأهميّة التحقيب في دراسة اللغة، بالإضافة إلى مفهوم "جمع اللغة" أي السعي إلى استكمال المدوَّنة اللغويّة لحقبةٍ ما تكون مرجعًا للاستعمال يزخر بالشواهد الموثَّقة. وأشار البعلبكي إلى الوعي التاريخيّ لدى المعجميّين في مقاربة اللغة، موضِّحا أنّ المعاجم المبوَّبة في الغريب والأمثال ولحن العامّة كلّها تشهد بهذا، ذاكرا أنّ الوعي اللغويّ التاريخيّ لأصحاب المعاجم المجنَّسة يَظهرُ في ثلاثة مصنَّفات رئيسيّة هي: مقاييس اللغة والمحكم وأساس البلاغة.

فيما تطرّق إبراهيم بن مراد، أستاذ تعليم عالٍ في كلية الآداب والفنون والإنسانيات جامعة منوبة (تونس)، ونائب رئيس المجلس العلمي لمعجم الدوحة التاريخي للغة العربية، في ورقته إلى موضوع "مستويَاتُ التأريخ في المعجم التاريخي العربي"، معتبِرا أنّ التأريخ هو الخاصيّة التي تميّز القاموس التاريخيّ عن القاموس العام، بَيْد أنّهما يتّفقان في قيام تأليفهما على مدونتين: مدونة نصية، ثم مدونة قاموسية تُسْتَخْرج من المدونة النصية، وبيّن أنّ التأريخ في المعجم التاريخي يكون بتأريخ النصوص أولا، ثم بتأريخ الوحدات المعجمية والمعاني التي وردت فيها ثانيا. وقد ناقش ابن مراد مسألة مستويات التأريخ في المعجم التاريخي اعتمادا على تجربة "معجم الدوحة التاريخي للغة العربية"، مصنِّفا إياها إلى أربعةُ مستويات مرتبطة باحتمالات معرفة صاحب النص وتاريخه من عدمهما.

وفي إطار عناية الجلسة بمسألة التأريخ في المعجم طرح حسن حمزة، رئيس قسم اللسانيات والمعجمة العربية في معهد الدوحة للدراسات العليا، قضية غياب التأريخ في المعجم العربي من خلال ورقة بعنوان "المعجم العربي وقضية التأريخ"، مرجِّحًا أن ذلك الغياب يعود إلى سيادة مفاهيم محورية في التراث اللغوي العربي تعيق التأريخ للغة، أولها: الاعتقاد بأن اللغة توقيف وإلهام، وليست مواضعةً واصطلاحا بين البشر، وثانيها: الاستناد إلى مفهوم الفصاحة التي تعني النقاء والصفاء وخلوص اللغة من أي شائبة، فكل تغيير فيها فساد ينبغي الابتعاد عنه، وثالثها: الاعتقاد بأن التغيير في اللغة إنما يكون بعامل خارجي هو اتصالُ العربية بغيرها من اللغات، وليس أمرا حتميا كامنا في أنظمة اللغة، وفي تنافس هذه الأنظمة فيما بينها.

المعجم التاريخي بين المعاجم

في الجلسة الثانية من أعمال المؤتمر قدَّم عبد العلي الودغيري، عضو الهيئة الاستشارية لعدة مجلات علميّة محكّمة مغربية وعربية، وعضو المجلس العلمي لمعجم الدوحة التاريخي، ورقة بعنوان "أهمية التأثيل في التأريخ للمعجَم"، تحدث فيها عن نشأة علم التأثيل وتطور مفهومه في تاريخ الفكر اللغوي الأوروبي، مشيرا إلى هيمنة هذا الاتِّجاه على التأليف القاموسي في مرحلة معينة، ثم تداخله مع مفهوم التأريخ المعجمي في مرحلة تالية، وانتهى الودغيري إلى أنّ التأثيل استقرّ في نهاية الأمر على وضعٍ يحفظ له مكانةً متميِّزة بين المكوِّنات الأساسية والضرورية في هذا التأريخ المعجمي، مشيدا بالمساهمة العربية القديمة والحديثة في التأثيل المعجمي.

في المحور ذاته، ناقش عبد الرحمن السليمان، أستاذ الترجمة في جامعة لوفان في بلجيكا، وعضو عامل في مجمع اللغة العربي على الشبكة العالمية (مكة المكرمة)، "أهمية علم التأثيل وعلم اللغة المقارن في تفكيك الدعاوى الحديثة حول العربية"، معالجا مسألة توظيف علم التأثيل وعلم اللغة المقارن في التأريخ للغة العربية بشكل عام والتأصيل للجذور العربية بشكل خاص. وسرد السليمان بعض الأمثلة التي تُستغل بالتوظيف غير الموضوعي لعلم اللغة المقارن وعلم التأثيل لتصبح مصدرًا للتشويش المعرفي عند العرب نتيجة لإقصائهم علم اللغة المقارن وعلم التأثيل عن الدراسات اللغوية العربية، وانتهى إلى أنّ هذه الدراسات لا يُمكن أن تكتمل أبدًا إلا بتوظيف علم اللغة المقارن وعلم التأثيل فيها.

أما علي القاسمي، عضو المجلس العلمي لمعجم الدوحة التاريخي للغة العربية، فعرض ورقة بعنوان "المنهجيات المختلفة في تصنيف المعاجم التاريخية"، ذكر فيها الأسس التي خضع لها تصنيف المعجم التاريخي والواجب مراعاتها في إعداد أي معجم آخر، وعدَّ القاسمي أن من أهمّ محدّدات ذلك التصنيف: تحديد الجمهور المستهدف، وتحديد نطاق المعجم من حيث المادة اللغوية ومن حيث المكان ومن حيث الزمان، وتحديد حجم المعجم والمدة المخصصة لإنجازه، وتحديد مصادر مادته، وتناول القاسمي المنهجيات الكبرى المتعلقة بالفلسفات اللغوية والمعجمية والتاريخية لصانعي المعاجم وتجليات هذه المنهجيات في بعض المعاجم التاريخية العالمية، وآثارها في المقدمات والترتيب والشرح والتعليق.

وقد خُتِمَت أعمال اليوم الأول بورقة لعبد الحميد الهرّامة، عضو الهيئة الاستشارية في موسوعة الكويت للعالم الإسلامي، وعضو المجلس العلمي لمعجم الدوحة التاريخي للغة العربية، ناقش فيها "أهمية المعجم التاريخي في إعادة قراءة التراث الإسلامي"، أكّدَ فيها الهرّامة أهمية دور المعجم التاريخي في دراسة ترتيب النصوص بتاريخ ظهورها، ومعرفة الزيادة على الأصل في النصوص، وتصحيح بعض الأخطاء الواردة في المخطوطات، والكشف عن تاريخ نشأة المصطلح، موضِّحًا أن المعجم التاريخي سوف يُسهم في معرفة السابق من الشعراء ببيت أو معنى من المعاني، وبالتالي فتح المجال أمام تجديد دراسات التأثير والتأثر في التراث بصفة عامة، مشيرا إلى أهمية ذلك في تصحيح الكثير من معلومات الخاطئة، وتصحيح المفاهيم السائدة نتيجة طبيعيّة للكشف عن التطور اللغوي للمفردة من خلال المعجم التاريخي.