بدون عنوان

صدر عن المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات العدد السابع والثلاثون من الدورية المحكّمة تبيُّن للدراسات الفلسفية والنظريات النقدية. وتضمن العدد دراسات وترجمة ومراجعة كتاب وبيبليوغرافيا حول فلسفة لودفيغ فتغنشتاين (1889-1951). واُستهل العدد بمقدمة المحرر الضيف إسلام دية، الذي تناول فيها أهداف هذا العدد الخاص الذي يحمل عنوان "أن نقرأ فتغنشتاين عربيا". وقدم عرضا موجزا لتلقي فتغنشتاين عربيا، منذ الدراسات والترجمات الأولى في الستينيات من القرن العشرين وحتى الفترة المعاصرة. كما تناول خصوصية نصوص فتغنشتاين وبعض الأسباب التي أدت إلى الاهتمام الجديد بكتاباته عربيا. وفي باب "دراسات وأبحاث"، نجد دراسة "فتغنشتاين: شكل لغة، شكل حياة" لعبد الرزاق بنور، وفيها يؤكد أن الفلسفة نقدٌ للغة؛ وفقًا لما أقره الفيلسوف فتغنشتاين في كتابه تحقيقات فلسفية، متبنيًا ما قاله فريتس ماوتنر (1849-1923)، ومعلنًا بذلك تأثره به. على قاعدة هذا المبدأ، أسس فتغنشتاين "نظرية معرفية" متكاملة، إلى درجة يمكن معها اعتبار تحقيقات فلسفية، من وجهة النظر هذه، نموذجًا لـ "نقد اللغة الخالص". فاللغة وسيلة المعرفة الأساسية لكونها شرط الإدراك وتكوُّن المعنى بالخطاب وفي الخطاب؛ إذ من البديهي أن كل شيء يبتدئ في التصور مع اللغة وينتهي إليها في التواصل. ومن ثم، يبدو الإقرار بأننا عندما نتصور لغة، فنحن نتصور "شكلًا من أشكال الحياة" إقرارًا بديهيًا، على الرغم من أن الفلسفة غالبًا ما تتعامى عنه، كما يقول فتغنشتاين. ولما كان شكل الحياة في هذا المقام مرتبطًا بالمجتمع البشري، تختلف الألعاب اللغوية - باعتبارها الشكل المنطوق من أشكال الحياة - بحسب اختلاف الثقافات والطبائع والأزمنة والعلاقات الاجتماعية وقواعد التصرف عامة؛ فتكون طريقة تصرف البشر النظامَ المرجعي الذي نؤول بواسطته لغة مجهولة لدينا. هكذا يقول فتغنشتاين الذي يلقي بنا في خضم التداولية اللسانية، حيث لا وجود لفهم متبادل خارج تجربة المجموعة اللغوية المتشكلة. لكن حتى لو نقلَنا فتغنشتاين من البحث عن جواب للسؤال: "ما المعنى؟" إلى جواب عن سؤال يبدو أشد بساطة: "أين يوجد المعنى؟"، فيضعه في سياق الاستعمال وفي تراكمه، تظل لهذه الأسئلة تداعيات مباشرة على الترجمة عامة وعلى ترجمته العربية لنص تحقيقات فلسفية على وجه الخصوص.

وفي دراسة "فتغنشتاين والسلوكية المنطقية"، يبدأ رجا بهلول بحثه بمحاولةٍ لتحديد موقع فتغنشتاين التاريخي في الفترة التي شهدت تبلور التوجه السلوكي في علم النفس والوضعية المنطقية في الفلسفة، في الثلث الأول من القرن العشرين. وفي الأقسام اللاحقة، يسعى لتحديد أطروحات السلوكية المنطقية، وعرض الاعتبارات التي تدعو إلى القول بسلوكية فتغنشتاين، وتلك التي تنفيها. وفي هذ الإطار، لا يطرح الباحث رأيًا جازمًا بخصوص حقيقة موقف فتغنشتاين، ولكنه يرجّح الرأي القائل إن فتغنشتاين كان سلوكيًا قلقًا، بمعنى أنه كان سلوكيًا مدركًا مصاعبَ السلوكية. ويختتم الدراسة بتقديم مقترح يوفق بين مزاعم أنصار السلوكية وخصومها، بما يستجيب لإدراك فتغنشتاين مصاعبَ السلوكية، وبما يحتفظ أيضًا بجوهر الموقف السلوكي الذي لم يكن في وسع فتغنشتاين التنكر له تمامًا.

أما دراسة "نظرية الصورة لدى فتغنشتاين: في ما يمكن أن يُقال" فتناول فيها موريس عايق نظرية الصورة لدى لودفيغ فتغنشتاين، مثلما ظهرت في مؤلَّفه رسالة فلسفية - منطقية الذي عرض فيه الإطار الذي ترتبط من خلاله اللغة بالعالم على نحو يمكّنها من وصفه. وناقش الاعتراضات التي قُدمت على الافتراضات الأساسية لنظرية الصورة، سواء ما تعلق بعلاقة الإحالة بين الاسم والشيء المحال إليه أو مبدأ التحقيق. وتناولت دراسته التمييز بين ما يمكن قوله وما يمكن الإشارة إليه باعتباره الإسهام الأساسي والمركزي لـمؤلَّفه الرسالة، وهو ما يشكّل استمرارية مع عمل فتغنشتاين اللاحق بحوث فلسفية. كما سعى في دراسته، عبر محاولة الربط بين هذا التمييز والتصورات المختلفة لمفهوم الحقيقة (بوصفها توافقًا أو اتساقًا)، لتقديم ملاحظة تتعلق بالأنماط المختلفة للكلام وإعادة الاعتبار لنظرية الصورة ومعها تصور الحقيقة بصفتها توافقًا من حيث هي فكرة ناظمة لموقع معين، ونمطًا محددًا من اللغة، وهي اللغة العلمية.

وفي دراسة له عنوانها "التفكير مع فتغنشتاين ضد فتغنشتاين آپل وهابرماس: الكونية من داخل اليومية"، يسلط سومر المير محمود الضوء على كيفية استيعاب أفكار لودفيغ فتغنشتاين لدى كارل أوتو آپِل ويورغن هابرماس اللذين يتمسكان بعقلانية كونية، تتجاوز حدود اللعبة اللغوية الفتغنشتاينية، وتقوم على أساسها في آن معًا. ينهل الفيلسوفان من أفكار فتغنشتاين كثيرًا في نقده لنماذج التفكير الفلسفي التراثية، لمفهومَي "النظر" و"الذات"، واللذين تَكَرَّسا تدريجًا في محطات كبرى في تاريخ الفلسفة. يحاول فتغنشتاين الشاب التعامل مع مشكلات هذه النماذج قبل أن يتخلى عنها جذريًا لصالح البعد التداولي العملي، متجسدًا في "ألعاب اللغة". ويشاطر الفيلسوفان الألمانيان فتغنشتاين هذه الانعطافة البراغماتية، غير أنهما يريان فيها طريقًا جديدًا نحو تأسيسٍ لعقلانية كونية، وذلك على عكس ما قصد إليه فتغنشتاين وأغلب تلامذته وقرّائه. ويُختم قسم "الدراسات" بدراسة لإسلام دية عنوانها "فتغنشتاين مدرِّسًا: الخلفية البيداغوجية لفلسفة فتغنشتاين الأنثروبولوجية"، يركز فيها الباحث على هذه السنوات الست التي عمل فيها فتغنشتاين مدرّسًا، ويبحث في أثرها في تحولاته الفكرية. ومن خلال البحث في الصلات المحتملة بين تجربته مدرسًا وفلسفته اللاحقة، يمكن أن نعتبر تجربته في التعليم مفتاحًا لفهم عدوله عن الوضعية المنطقية، وانعطافه نحو فلسفة ترتكز على الممارسة والاستعمال والعادات. ويشير الباحث إلى أن أعمال فتغنشتاين المتأخرة (مثل تحقيقاتفلسفية، والكتاب البُني، وبطاقات، وفي اليقين) حافلةٌ بالأمثلة والتجارب الفكرية التي تشير إلى عملية التعليم والتعلّم، كطفل يتعلم لغة أو يقوم بعملية حسابية. إن كثرة هذه الأمثلة وتواترها في أماكن عديدة في هذه الأعمال ليست اعتباطية، بل تدل على مركزية عملية التعليم والتعلّم في فلسفة فتغنشتاين الأنثروبولوجية. وفي نهاية الدراسة ملحق يتضمن تعريبًا للتمهيد الذي كتبه فتغنشتاين لقاموس المفردات.

واشتمل العدد على ترجمة لمقال "النظر في الدين مع فتغنشتاين"، للأنثروبولوجي الشهير طلال الأسد، نقله إلى العربية حجاج أبو جبر، وقد استعان طلال أسد بفلسفة فتغنشتاين للنظر في الدين وتوضيح بعض جوانبه، وهي استكشاف للتقاطب بين الاعتقاد والممارسة، ومحاولة لإعادة تأطير ذلك التقاطب باعتباره قائمًا على عمليتين متشابكتين من الكينونة والتعلم. كما سعى الباحث لمقاربة الإقناعية، وهي مسألة قديمة تتعلق بالإيمان والنقد الفعال، وبخاصة الإيمان بالله، وبوجود "عالم آخر". ثم يحاول تطبيق رؤى فتغنشتاين على خلافات أساسية في التقليد الخطابي الإسلامي حول الفهم الصحيح لصفات الله وأسمائه المتعارضة في ظاهرها. وفي النهاية، وإضافة إلى ذلك يتناول طلال الأسد في هذه الدراسة ما يسميه فتغنشتاين "الرغبة في التعميم"، ومن ثم الدور الذي يؤديه التجريد في القوة التقدمية الدافعة لشكل حياتنا العلماني الرأسمالي.

 وفي باب "مراجعات الكتب"، نقرأ مراجعة لكتاب "فتجنشتاين و’في اليقين‘" لآندي هاميلتون، أعدها مروان محمود، الذي اعتبر أن هذا الكتاب قد فتح آفاقًا جديدة في العالم العربي، للباحثين في فلسفة فتغنشتاين والفلسفة المعاصرة. فاختيار المترجم هذا الكتاب يعدّ نقطة إيجابية تحسب له وخطوة ذكية؛ إذ لم يكن اختيارًا عشوائيًا أو بلا معايير واضحة، فمن هذه الأسباب الجوهرية تكمن أهمية الكتاب وفرادته؛ ذلك أنّ كتاب هاميلتون يُعدّ، بالنسبة إلى العديد من الباحثين في فلسفة فتغنشتاين، الكتابَ الأهم في مجاله وفي تناوله كتاب: في اليقين. ثمة العديد من المؤلفات حول هذا الكتاب، لكن اختيار المترجم هذا الكتاب بالتحديد يشير إلى معرفته بما يفعل، واطّلاعه على الحقل الذي يترجم فيه، وإدراكه مشهد الباحثين في كتاب: في اليقين، والجدالات بينهم.

واختتم العدد ببيبليوغرافيا، أعدها إسلام دية وحسن كيسان، تضم قائمة بأعمال لودفيغ فتغنشتاين المترجمة إلى العربية، وما أمكن حصره من دراسات علمية بالعربية عنه وعن فلسفته، كتبها باحثون عرب، أو تُرجمت إلى العربية، سواء أكانت هذه الدراساتُ كتبًا، أم فصولًا في كتب، أم دراسات في المجلات العلمية.

وتقديرًا وعرفانًا منا بالجهود الكبيرة التي قام ويقوم بها الباحثون المساهمون معنا بدراساتهم وأبحاثهم في دورية تبيُّن، منذ صدور عددها الأول في خريف 2012 إلى يومنا هذا، وخدمةً للبحث العلمي والمعرفة الهادفة إلى تحقيق أعلى المعايير في الدراسات والأبحاث الجادة والرصينة في مجال الفلسفة والفكر النقدي وفق منهج قادر على تحليل المفاهيم والافتراضات، والتفكيك والتجاوز والتركيب، وصياغة المفاهيم والنظريات والحجج من أجل التوصل إلى استنتاجات واضحة المعنى ومدعمة بالدليل حول موضوعات النقاش، وفي ظل الظروف الاستثنائية التي نعيشها حاليًا، قرر المركز العربي إتاحة جميع أعداد دورية تبيُّن للدراسات الفلسفية والنظريات النقدية للتحميل المجاني، عبر موقعها الإلكتروني، لمجتمع الباحثين والمهتمين بالدراسات الفكرية والفلسفية. وهذا ما سيتيح لهم الإفادة منها في ظل إجراءات تقييد الحركة والعمل والتعلّم عن بعد ومن المنازل، وصعوبة توزيع النسخ الورقية من الدوريات، بسبب المخاوف من انتشار وتفشي فيروس كورونا المستجد (كوفيد-19).

** تجدون في موقع دورية "تبيّن" خلال الفترة الحالية من جائحة كورونا جميع محتويات الأعداد مفتوحة ومتاحة للتنزيل.