بدون عنوان

صدر عن المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات ومعهد الدوحة للدراسات العليا العدد السابع والخمسون (صيف 2026) من دورية عمران​. وتضمّن أربع دراسات تناولت موضوعات متنوّعة، من بينها التمييز الجندري في الوسط الأكاديمي اللبناني، والاقتصاد السياسي للإقصاء الاقتصادي والاجتماعي للمزارعين الفلسطينيين بعد اتفاقية باريس، وسياسات التجديد الحضري والاستبعاد المجالي في مدينة الرباط، وتحولات معنى الاستحقاق في المدرسة المغربية في ضوء ظاهرة الغش المدرسي. واشتمل العدد أيضًا على مناقشة لمفهوم المجال في النظرية الاجتماعية انطلاقًا من إسهامات عالمة الاجتماع الألمانية مارتينا لوف، وترجمة لدراسة عن تشكّل العوالم الحضرية في مدينة بئر السبع، إلى جانب مراجعتَين لكتابَين يتناولان ملكية الأرض في المجتمع الصحراوي والعمل الخيري والسياسة في سورية، واختُتِم بعروضٍ لخمسة كتب صدرت حديثًا.

استُهِلّ العدد بدراسة فادية حطيط، "التمييز الجندري في الوسط الأكاديمي: دراسة في مواقف أستاذات الجامعة اللبنانية"، التي تبحث في تصورات أستاذات الجامعة اللبنانية ومواقفهن من التمييز الجندري، انطلاقًا من وقائع تؤكد وجوده داخل الوسط الأكاديمي. وتستند الدراسة إلى مقابلات معمّقة مع عشرين أستاذة، وتبيّن أن كثيرًا منهن لا يولين هذا التمييز أهمية كبيرة، سواء من خلال إنكار وجوده أو التقليل من أثره في مساراتهن الأكاديمية والمهنية. وتفسر هذه المواقف بجملة من العوامل، من بينها الطابع المحافظ للوسط الأكاديمي، وتماهي الأستاذات مع المؤسسة الجامعية، والحركية الاجتماعية التي أتاحها لهنّ الوصول إلى مواقع أكاديمية، فضلًا عن الدعم الأسري، وإمكان التوفيق بين العمل والحياة العائلية، والشعور بالرضا المهني.

أما دراسة سجود عوايص، "هندسة التهميش: الاقتصاد السياسي للإقصاء الاقتصادي والاجتماعي للمزارعين الفلسطينيين ما بعد اتفاقية باريس"، فتتناول أثر اتفاقية باريس الاقتصادية لعام 1994 في ترسيخ أنماط من الإقصاء الاقتصادي والاجتماعي للمزارعين الفلسطينيين. وتعتمد منظور الاقتصاد السياسي، من خلال تحليل نصوص الاتفاقية ومقارنتها بالبيانات والمؤشرات الزراعية والاجتماعية خلال الفترة 1994-2022، بالاستناد إلى مصادر دولية ومحلية، من بينها البنك الدولي ومنظمة الأغذية والزراعة ومؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية والجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني ومؤسسات فلسطينية متخصصة. وتخلص الدراسة إلى أن الاتفاقية لم تؤدِّ دور أداة محايدة لتنظيم العلاقات الاقتصادية، بل عملت بوصفها آلية أعادت إنتاج التبعية للاقتصاد الإسرائيلي، وعمّقت الإفقار التنموي للمزارعين، وأضعفت إسهامهم في تحقيق السيادة الغذائية الفلسطينية.

وتحلل دراسة عمر الحمداني، "سياسات التجديد الحضري في مدينة الرباط بين تسليع العقار والاستبعاد المجالي"، تحولات سياسات التعمير في منطقة السانية الغربية في العاصمة المغربية من منظور الاقتصاد السياسي النقدي. وتستند إلى بحث ميداني اعتمد المقابلات والملاحظة وتحليل مضمون عدد من الوثائق الرسمية، وتتتبّع انتقال سياسات التعمير في المغرب من مقاربات هدفت إلى استيعاب الوافدين وإعادة هيكلة الأحياء السكنية العشوائية مع إبقاء السكان في مناطقهم، إلى نمط من التخطيط من الأعلى يقوم على إعادة تملّك العقار الحضري وهدم عدد من المباني السكنية، بما في ذلك مبانٍ حديثة الإنشاء.

واختُتم باب "دراسات" بدراسة محمد المستاري، "الغش المدرسي وتحولات معنى الاستحقاق في المدرسة المغربية: مقاربة سوسيولوجية"، التي تسائل العلاقة بين انتشار الغش المدرسي والتحولات التي طرأت على معنى الاستحقاق داخل المدرسة المغربية. وتنطلق من فرضية مفادها أن الغش لم يعد انحرافًا فرديًا، بل أصبح مؤشرًا على اختلالات بنيوية تتصل بقيمة الشهادة المدرسية ووظيفة المدرسة ومنظومة القيم التعليمية. وتبيّن النتائج أن اعتماد مؤشرات الأداء الكمّي وسياسات تعميم التعليم وجمهرته أسهم في إنتاج ما تسميه الدراسة "الغش المؤسّس"، من خلال ترسيخ أشكال من التسويغ الاجتماعي للغش، بما أفضى إلى ظهور نمط من "الأمية المقنّعة".

أما باب "مناقشات"، فتضمّن دراسة لعيسى الغياتي، بعنوان "من المجال الوعائي إلى المجال العلائقي: مارتينا لوف وإعادة التفكير في مفهوم المجال داخل النظرية الاجتماعية"، تبحث في جينيالوجيا مفهوم المجال وتحولات استخدامه في العلوم الاجتماعية عامةً وعلم الاجتماع خاصةً، كما تبلورت في السياق الأوروبي. وتوضح الدراسة أن منظور لوف يتيح فهم المجال بوصفه ترتيبًا علائقيًا للأشخاص والخيرات الاجتماعية في الأمكنة. وتخلص إلى أن النظر إلى المجال باعتباره بنية علائقية يجعله إطارًا مرجعيًا للخيال السوسيولوجي، وعدسةً تتيح للباحثين تطوير رؤى جديدة وتعميق فهم عدد من القضايا والأسئلة الاجتماعية.

وفي باب "ترجمات"، نقرأ ترجمة مجد أبو عامر ويارا نصّار لدراسة منصور النصاصرة وبروس ي. ستانلي، "تشكّل العوالم الحضرية: الحاضرة الدائمة الصيرورة في بئر السبع وعبر فضائها"، التي تتناول التحولات المكانية والزمانية التي شهدتها مدينة بئر السبع ضمن عالم حضري ممتد في جنوب فلسطين. وبالاستناد إلى مصادر أرشيفية متنوعة ومعطيات مستقاة من المقابلات، تستعيد الدراسة أصوات السبعاويين وأفعالهم ومخيالاتهم خلال الفترة 1840-1936، وتبيّن إسهام تفاعلهم مع التجميعات الاجتماعية المتغيّرة في جعل بئر السبع فضاءً كوزموبوليتانيًا كثيفًا ومتعدد النطاقات، زاخرًا بالدلالات والفرص.

أخيرًا، اشتمل باب "مراجعات الكتب" على مراجعة محمد ابلا ومحمد سلمي لكتاب "صناعة الانتماء: دراسة في ملكية الأرض في المجتمع الصحراوي (أيت أوسى 1600-1958)" لسالم وكاري، ومراجعة مدى شريقي لكتاب "الجمعيات الخيرية والسياسة في سورية بشار الأسد: تفكك العقد الاجتماعي القديم" للورا لويز دي إلفيرا. واختُتم العدد بعروضٍ لخمسة كتب صدرت حديثًا، تتناول موضوعات الهوية السودانية وتجلياتها في فضاءات الحداثة، والعلاقة بين الدول والحراكات الاجتماعية من منظور نظري وتطبيقي مقارن، وتحولات السلطة الدينية الشيعية والنظام السياسي في العراق، وتجارب المثقفين السوريين في المنفى وما ارتبط بالثورة والرحيل من معضلات، إلى جانب الإقصاء الزراعي والنضال من أجل عدالة الأراضي في فلسطين. أمّا لوحات العدد، فهي من أعمال الفنّان التشكيلي السوري أحمد قليج.

** تجدون في موقع دورية "عمران"  جميع محتويات الأعداد مفتوحة ومتاحة للتنزيل.