صدر عن المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات ومعهد الدوحة للدراسات العليا العدد المزدوج 54-55 (خريف 2025 - شتاء 2026) من دورية عمران للعلوم الاجتماعية. وتضمّن ملفًّا خاصًّا بعنوان "الاستيطان الإسرائيلي في الضفة الغربية" حرره رجا الخالدي وآيات حمدان، ضمّ خمس دراسات وتقريرين. وشمل العدد دراسة عالجت إمكانات توطين الاستجابة الإنسانية في قطاع غزة، وترجمة عن الفعل الاقتصادي والبنية الاجتماعية، ومراجعتين لكتابين، وعروضًا لخمسة كتب صادرة حديثًا.
أشار رجا الخالدي وآيات حمدان، في تقديمها للملف الخاص، إلى أنّ مواده هي ثمرة مشروع بحثي مشترك بين المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات ومعهد أبحاث السياسات الاقتصادية الفلسطيني (ماس)، نفّذه الطاقم البحثي لماس وباحثون متعاونون من خارجه، بإشراف علمي من المركز العربي. ويأتي هذا الملف في سياق الحاجة الملحة إلى تجاوز المعالجة التجزيئية لقضية الاستيطان الإسرائيلي، عبر تقديم مقاربات تحليلية فلسطينية أصيلة معمّقة، توفّر فهمًا شاملًا لها، ولأبعادها المتشابكة وتكلفتها في مختلف ميادين الحياة الاقتصادية والاجتماعية الفلسطينية.
استُهلّ الملف بدراسة لوليد حباس وأنمار رفيدي، عنوانها "بنية الاستيطان الإسرائيلي في الضفة الغربية: مراحل المشروع ومكوّناته ومؤسساته"، تُسلّط الضوء على المشروع الاستيطاني في الضفة الغربية عبر مراحل تطوره وأبعاده الاقتصادية والاجتماعية والقانونية، مستهدفةً التعمق في فهم طبيعته وآثاره التدميرية في حياة الشعب الفلسطيني وموارده، باعتباره مشروعًا متكاملًا ومعقدًا يمتدّ من عام 1967 حتى يومنا هذا.
أمّا دراسة محمود الخفيف ورجا الخالدي وطارق صادق، "تكلفة الاحتلال الاستيطاني على الشعب الفلسطيني"، فتستعرض ما أمكن حصره من دراسات، من أجل تقدير التكلفة الاقتصادية التي يتكبدها الشعب الفلسطيني من جرّاء الاحتلال الإسرائيلي للأرض الفلسطينية خلال الفترة 1948-2022. وتؤكّد الحاجة إلى تحديثٍ دوري لتقديرات خسائر نكبة عام 1948، وضرورة وضع قيمة نقدية أو قيمة إيجارية لكل الأضرار المبلّغ عنها في المطالبات المقدمة إلى سجل الأمم المتحدة.
في السياق نفسه، تناولت دراسة "المناطق الصناعية الإسرائيلية في الضفة الغربية: دراسة في الآثار الاقتصادية" لوليد حباس وجمانة جنازرة، ظاهرة المناطق الصناعية الإسرائيلية المقامة في المناطق المصنفة "ج" من الضفة الغربية، بوصفها مركّبًا استيطانيًا يتجاوز المنطق الربحي إلى وظيفة استعمارية تهويدية، بحيث غدت جزءًا من البنية التحتية الاستيطانية التي تستهدف محو الهوية الفلسطينية وفرض نموذج استيطاني استعماري طويل الأمد.
وتناقش جمانة جنازرة في دراستها، "الاستيطان الرعوي: سياساتٌ لمواجهة أحدث نماذج الاستيطان والسلب الاقتصادي"، الاستيطان الرعوي بوصفه من أخطر أنواع الاستيطان الإسرائيلي المستحدث، مركّزةً على آثاره الاقتصادية والاجتماعية والديموغرافية في التجمعات البدوية والرعوية الفلسطينية في الضفة الغربية لا سيما المناطق المصنفة "ج"، داعيةً إلى تعاون مشترك وتكامل بين جميع مكونات المجتمع الفلسطيني من أجل تعزيز صمود التجمعات الواقعة في مناطق "ج" عمومًا، والتجمعات البدوية خصوصًا التي تعتبر خط الدفاع الأول في وجه الاستيطان.
في حين تتناول دراسة "أثر التوسع الاستيطاني في قرى القدس: قراءة في التحولات الديموغرافية والاقتصادية في بدّو وبيت إكسا والرام وكفر عقب"، لأنمار رفيدي وملكة عبد اللطيف، التوسع الاستيطاني الإسرائيلي في مدينة القدس من الناحيتين الديموغرافية والجغرافية، وعزل القرى والبلدات الفلسطينية المحيطة بها عن مركز المدينة، وكذلك عزل سكانها وضواحيها عن بقية المكون الديموغرافي الفلسطيني، من خلال تحليل تحولات مناطق بدّو، وبيت إكسا، والرام، وكفر عقب، اقتصاديًّا واجتماعيًّا وسكانيًّا.
إلى جانب الدراسات الخمسة، اشتمل الملف الخاص على تقريرين. أعد طارق صادق وأحمد علاونة التقرير الأول الذي جاء بعنوان "حواجز الاحتلال الإسرائيلي في شمال الضفة الغربية ووسطها: سياسة الإغلاق وتكلفة الوقت والوقود بعد 7 تشرين الأول/ أكتوبر 2023"، واستعرضا فيه تأثير الحواجز الإسرائيلية وعوائق الحركة في شمال الضفة الغربية ووسطها، وبيّنا أنّ أعداد رحلات المركبات بعد 7 تشرين الأول/ أكتوبر 2023، انخفضت بنسبة 51.7 في المئة مقارنةً بما قبل العدوان الإسرائيلي على غزة، وأنّ ساعات العمل الضائعة يوميًا بسبب الحواجز تُقدّر بنحو 191146 ساعة عمل؛ ما يكلف الاقتصاد الفلسطيني نحو 764.6 ألف دولار أميركي يوميًا، وهو يعادل 16.8 مليون دولار شهريًا.
أمّا التقرير الثاني الذي أعدّته وفاء البيطاوي بعنوان "من الفقر إلى الاستغلال: دوافع عمل النساء الفلسطينيات في المستوطنات الإسرائيلية وتبعاته"، فيتناول الخصائص الاقتصادية والاجتماعية للنساء الفلسطينيات العاملات في المستوطنات الإسرائيلية، مع التركيز على اللواتي يعشن في تجمعات غور الأردن، مبيّنًا أنّ معظمهن يعملن في وظائف منخفضة الأجر في قطاعَي الزراعة والتصنيع الغذائي، غالبًا بسبب محدودية فرص العمل في السوق المحلي، وفجوات الأجور، والحاجة المالية.
وفي باب "دراسات"، تضمن العدد دراسة لغسان الكحلوت عنوانها "توطين الاستجابة الإنسانية في غزة: ضرورة ميدانية لا خيار مؤسّسي"، وهي تبيّن أنّ توطين العمل الإنساني مسألة فرضها واقع الميدان في قطاع غزة بعد الانهيار الشامل لمنظومة العمل الإنساني، وتعطّل قدرات الفاعلين الدوليين بفعل الاستهداف المباشر. وتُعالج الدراسة أيضًا القيود البنيوية التي واجهت الفاعلين المحلّيين في ميدان العمل الإنساني بقطاع غزة، في أثناء انكماش فضاء العمل الإنساني إلى حدوده الدنيا. وتبيّن نتائج الدراسة أنّ جوهر الأزمة يكمن في توظيف إسرائيل العمل الإنساني سلاحًا لإحكام السيطرة، مقرونًا بنقص الموارد والمعدات، وتهديد حياة العاملين، وضعف قنوات التنسيق، وندرة التمويل، وصولًا إلى نهب المساعدات ذاتها.
ونقرأ، في باب "ترجمات"، ترجمة ثائر ديب لدراسة مارك غرانوفيتر "الفعل الاقتصادي والبنية الاجتماعية: مشكلة الاكتناف"، التي تُعنى بفحص مدى اكتناف الفعل الاقتصادي في بنى العلاقات الاجتماعية في المجتمع الصناعي الحديث. في هذا السياق، لا تسعى الدراسة لمعالجة القضايا التي تطرحها المجتمعات غير السوقية، بل تحاول المساهمة في مفهمة الاكتناف، لتوضيح قيمته من خلال إحدى مشكلات المجتمع الحديث، وهي مشكلة تحظى بأهمّية راهنة في الاقتصاد المؤسسي الجديد: ما التعاملات في المجتمع الرأسمالي الحديث التي تجري في السوق؟ وما التعاملات التي تُستوعب ضمن الشركات ذات التنظيم التراتبي؟
واشتمل باب "مراجعات الكتب" على مراجعتين: الأولى هي مراجعة خطري العياشي لكتاب غزة عبد الرزاق "الأسس المفاهيمية والتقنية للذكاء الاصطناعي وتطوّره: من نماذج الحوسبية إلى التعلم الآلي"، أمّا الثانية، فهي مراجعة جاسم بني عرابة لكتاب العنود الشارخ وكورتني فرير "القبلية والسلطة السياسية في الخليج: بناء الدولة والهوية الوطنية في الكويت وقطر والإمارات". واختُتم العدد بعروضٍ لخمسة كتب صدرت حديثًا أعدّتها هيئة التحرير، وهي تتناول مواضيع مختلفة عن إشكالية الهوية الوطنية في سورية، والثقافة الشعبية المغربية، والأنثروبولوجيا الاجتماعية في العالم العربي، وعلم اجتماع الملل، والشتات الفلسطيني في أميركا اللاتينية. أمّا لوحات العدد، فجاءت من أعمال الفنّانة والمعمارية الأردنية إسراء صمادي.
** تجدون في موقع دورية "عمران" جميع محتويات الأعداد مفتوحة ومتاحة للتنزيل.