صدر عن المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات ومعهد الدوحة للدراسات العليا العدد الرابع والعشرون من الدورية نصف السنوية المحكّمة "أسطور" للدراسات التاريخية. وفي هذا العدد، تُقدّم الدورية نخبةً من الدراسات التاريخية، إضافةً إلى ترجمة، ومراجعات كتب تاريخية، وتستعرض وثائق ونصوصًا. وقد ناقش العدد موضوعات في التاريخ السياسي والعسكري والحضري والفلاحي، والكتابة التاريخية، وتاريخ المدن والمناطق في المجالات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية.
في باب "دراسات"، اشتمل هذا العدد على الدراسات الستّ التالية: "’أساليب‘ الكتابة التاريخية التونسية والمنعرجات المعرفية والمنهجية خلال الفترتين الحديثة والمعاصرة" لعبد الحميد هنية، وهو رئيس قسم العلوم الإنسانية والاجتماعية في مؤسسة "بيت الحكمة" في تونس. وتهدف هذه الدراسة إلى تقييم تجربة الكتابة التاريخية في تونس الممتدة إلى أكثر من أربعة قرون، من خلال تصنيفها ورصد لحظات تجدّدها المعرفي والمنهجي، ويجري ذلك من خلال تحليل "الأساليب" التي اعتمدها روّادها في الفترتين الحديثة والمعاصرة ومقارنتها بتجارب عربية أخرى.
وفي دراسة "كتابة مجمل تاريخ تونس خلال قرن: التحوّلات والتحديات (1918-2019)"، يهتمّ الباحث محمد الأزهر غربي، وهو أستاذ في كلية الآداب والفنون والإنسانيات في جامعة منوبة بتونس، بالكتب التي أرّخت تاريخ تونس في الفترة 1918-2019، فرديةً كانت أو جماعيةً، سواء كانت باللغة العربية أو الفرنسية، والتي حاولت تلخيص مراحل تاريخ البلاد وفق قضايا وفترات محددة، وهي مؤلَّفات كُتبت في سياقات سياسية حساسة مرتبطة بالاستعمار والحركة الوطنية وبناء الدولة الوطنية وأزماتها، مما جعلها تعكس علاقة التاريخ بالهوية واستراتيجيات الفاعلين.
أمّا دراسة "الحرب العثمانية - الروسية (1768–1774) وانعكاسها على الأوضاع السياسية في جبل لبنان وساحله خلال عهد الأمير يوسف الشهابي" لباسم مروان فليفل، وهو باحث ومُحاضر في التاريخ، فهي تسلّط الضوء على توسّع الإمبراطورية الروسية في النصف الثاني من القرن الثامن عشر نحو البحر الأسود والشرق المتوسطي، ومحاولاتها إضعاف الدولة العثمانية عبر دعم زعامات محلّية طامحة إلى الاستقلال، ويبيّن الباحث أنّ ذلك أدّى إلى صراعات على النفوذ في مصر والشام، وأنّ من أبرز أطرافها الأمير يوسف الشهابي في جبل لبنان.
وأمّا دراسة "مدينة القنيطرة: من الڤـيلاج إلى الدوّار، توسّع المجال الحضري وظهور البروليتاريا العمّالية المغربية (1912-1975)"، فيتناول فيها سعيد البوزيدي، وهو أستاذ باحث في جامعة ابن طفيل في المغرب، تحولات مدينة القنيطرة الاجتماعية والعمرانية نتيجة اعتمادها على الاقتصاد التسويقي وتوافد السكان الأوروبيين والمغاربة، وهو ما أدى إلى تشكّل فضاءين متمايزين: الڤيلاج الأوروبي والمدينة الأهلية. ويوضّح الباحث أنّ الهجرة القروية أسهمت بعد الاستقلال في نشوء طبقة عمالية "بروليتاريا"، وأنّ هذه الطبقة أدّت دورًا مهمًّا في توسّع المدينة وإنتاجها الاقتصادي والحياة السياسية.
ومن ناحية أخرى، تناولت دراسة "التطوّر الحضري لمدينة القدس خلال الفترة الأردنية: حكاية مطار القدس الدولي 1948-1967" للباحث منصور النصاصرة"، وهو أستاذ زائر في جامعة أولستير بإيرلندا الشمالية، الدور التمكيني البارز لمطار القدس في تنشيط مدينة القدس العربية اقتصاديًّا واجتماعيًّا، وعلاقة هذه المدينة بعواصم عربية وغربية، على نحو أسهم في ازدهارها الحضري وجعلها مركزًا متروبوليتانيًا، لكن احتلال إسرائيل للمطار بعد عام 1967 أدّى إلى تعطيل هذا التطور الحضري.
يُختتم باب "دراسات" بـ "التحديث الفلاحي في المغرب المستقل: عملية الحرث (1957-1962) نموذجًا" لإبراهيم أيت إزي، وهو أستاذ التاريخ في جامعة الحسن الأول في المغرب. وفي هذه الدراسة يهتمّ الباحث بمحاولات تحديث القطاع الفلاحي في المغرب بعد الاستقلال، خاصة عبر "عملية الحرث" سنة 1957، لرفع الإنتاجية واعتماد التقنيات الحديثة، وتخلص الدراسة إلى أن الاضطرابات السياسية وصعوبات التكيّف التقني والاقتصادي أدّت إلى فشل التجربة على الرغم من بعض آثارها الإيجابية.
أمّا باب "ترجمات"، فهو يضمّ دراسة ترجمها محمد حبيدة عن اللغة الفرنسية عنوانها "الميكروستوريا" للمؤرخ الفرنسي جاك روفيل، وفيها نَتبيّنُ ارتباط الميكروستوريا بالمدرسة التاريخية الإيطالية في سبعينيات القرن العشرين، التي نقلت الاهتمام من دراسة البُنى الاجتماعية الكبرى إلى تحليل أدوار الأفراد ومساراتهم في تشكيل الواقع التاريخي. ويذكر الباحث أنّ هذا التوجه مثّل تجديدًا مهمًّا في الكتابة التاريخية، وأنّ تأثيره قد انتشر في أوروبا والعالم اللاتيني.
ويضمّ باب "مراجعات كتب" المراجعات الثلاث التالية: قراءة في كتاب "تونس من المخزن إلى الدولة الوطنية في ضوء مسيرة محمد الصالح مزالي" بتنسيق إلياس جويني، وهي من إعداد خالد جدي، ومراجعة كتاب "شذرات من التاريخ المغربي: المجتمع وتجليات السلطة" لعبد الأحد السبتي، وهي من إعداد حميد تيتاو، ومراجعة كتاب "غزة أمام التاريخ" لإينزو ترافيرسو، وهي من إعداد عبد المجيد السخيري.
أخيرًا، اختُتم العدد بباب "وثائق ونصوص"، بدراسة عنوانها عنوانها "رحلة مورينو سيريلو إلى جنوب المغرب: دراسة في الذهنيات والتمثلات والدوافع" لبوزيد الغلى، وفيها يتركّز اهتمام الباحث في المحكي الرحلي لمورينو سيريلو بشأن البعثة المغربية - الإسبانية إلى الصحراء الأطلسية في عهد السلطان الحسن الأول، فضلًا عن التأطير الحدثي تاريخيًّا في سياق ما بعد حرب تطوان، وتحليل الصور النمطية والتمثلات التي قدّمها الرحالة عن سكان سوس والصحراء.
** تجدون في موقع دورية "أسطور" جميع محتويات الأعداد مفتوحة ومتاحة للتنزيل.