بدون عنوان

صدر عن المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات ومعهد الدوحة للدراسات العليا العدد التاسع والسبعون من الدورية العلمية المحكّمة "سياسات عربية​"، التي تُعنى بالعلوم السياسية والعلاقات الدولية، والتي تصدر كل شهرين. تضمّن العدد الدراسات الآتية: "السياسات الخارجية والأمنية الإيرانية وحرب الاثني عشر يومًا: واقعية أم مثالية أم سياسة داخلية؟" لمهران كامرافا، و"الدبلوماسية الرياضية أداةً لبناء القوة الناعمة: حالة قطر" لهيبة عامير، و"تمثيل المؤسسة العسكرية الإسرائيلية في صحافة النخبة الأميركية: خطاب الأخلاق والقوة" لباسم طويسي، و"ثقافة الجماعات الشبكية وأثرها في الفعل السياسي في المغرب" لبشرى زكاغ، وكذا "حدود المنهج في العلوم السياسية من منظور غريغوري باتيسون" لطه لحميداني. واشتمل العدد أيضًا على دراسة مترجمة، وعرَض باب "التوثيق" أهم "محطات التحوّل الديمقراطي في الوطن العربي" ووثائقه و"الوقائع الفلسطينية"، إضافةً إلى مراجعة كتاب.

يجادل مهران كامرافا، في دراسته، بأنّ السياسة الخارجية الإيرانية، على الرغم من حدّتها الظاهرة في كثير من الأحيان، تتسم بدرجة عالية من البراغماتية؛ إذ إنها تسترشد باعتبارات وأهداف عملية واستراتيجية. ويستهل الباحث تحليله بعرض نظرة عامة على الفجوة بين الخطاب والممارسة في السياسات الخارجية والأمنية الإيرانية، مستدلًا بسياسات الإدارات الرئاسية المتعاقبة في طهران، التي اتسمت بدرجة كبيرة من اللاأيديولوجيا، وارتكزت إلى منطق المصالح الوطنية كما تفرضها الظروف المتغيرة، أكثر من استنادها إلى مبادئ ثورة 1978-1979. ويفسر كامرافا ذلك باتساع هامش التأويل للمبادئ التوجيهية (الكرامة، والحكمة، والمصلحة) التي وضعها المرشد الأعلى، بوصفه المسؤول دستوريًا عن العلاقات الدولية، بما يتيح طيفًا واسعًا من الخيارات السياسية. ويعزز الباحث أطروحته باستعراض العلاقة بين النظرية والتطبيق في السياسة الخارجية الإيرانية، موضحًا أنها تُفهَم من منظور الواقعية الدفاعية داخليًا، بينما يراها غالبًا الفاعلون الخارجيون هجومية، مع إبراز الطابع الانتقائي لاستخدام العامل الطائفي، بوصفه أيضًا أداة محكومة باعتبارات استراتيجية.

أما هيبة عامير فتتناول، في دراستها، استخدام الدول الأدوات الناعمة من أجل تحقيق أهداف سياساتها الخارجية. وتعتمد الباحثة المقاربة البنائية في إبراز أهمية العوامل الرمزية في تشكيل سلوك الدول. وتوضح إسهام هذه المقاربة في إعادة تعريف مفهوم القوة في النظام الدولي، حيث تعتبر الرياضة وسيلة منخفضة التكلفة والمخاطر، لكنها فعالة، وتوفر منصة غنية للأنشطة الدبلوماسية التي تعزز حضور الدولة عالميًا. وتعرض الباحثة حالة قطر، مبيّنةً القيود البنيوية المرتبطة بصغر حجمها الجغرافي والديموغرافي، ثم التحولات التي شهدتها علاقاتها الإقليمية. وتستعرض دوافع دولة قطر منذ تسعينيات القرن العشرين إلى الاستثمار في الإعلام، والثقافة والرياضة والوساطة. وفي هذا السياق، تحدد الباحثة أربع ركائز للدبلوماسية الرياضية القطرية: الاستثمار في الأندية الرياضية العالمية، وتطوير البنية التحتية واستضافة الفعاليات الكبرى، والاستثمار في الإعلام الرياضي، ودعم الرياضة المحلية. وتخلص الدراسة إلى أن هذا التوظيف الاستراتيجي أسهم في إعادة تشكيل صورة قطر عالميًا، وتعزيز مكانتها الدولية، فضلًا عن تنويع مصادر دخلها، بما مكّنها من توسيع نفوذها السياسي والاقتصادي.

ويفحص باسم طويسي، في دراسته، كيفية تمثيل المؤسسة العسكرية الإسرائيلية في صحافة النخبة الأميركية خلال تغطية الحروب على غزة ولبنان في الفترة 2023-2025. ويعتمد في ذلك على تحليل الخطاب النقدي، إلى جانب مراجعة الأدبيات والمصادر الثانوية، من خلال التحليل الموضوعي لمحتوى التقارير المعمّقة لثلاث مجلات، هي: ذا نيويوركر، وذي أتلانتك، وفورين بوليسي. ويستعرض أولًا في الإطار النظري العلاقة بين الإعلام وبناء تصورات الحرب، مستدلًا بأدبيات غزيرة عالجت مسألة توليد التقارير الإعلامية الحربية لسرديات النصر وبناء صورة العدوّ وغيرها، ثم ينتقل في دراسة حالته إلى تقديم التطور التاريخي الذي سارت عبره صورة المؤسسة العسكرية الإسرائيلية في الإعلام الغربي، مركزًا على ثنائية القوة والأخلاق، فغالبًا ما كان يقدَّم جيشًا دفاعيًا، كما أن المؤسسة رسمت دعاية تصوّرها في شكل فاعل أخلاقي. ويستنتج الباحث أن الخطاب الصحافي ركّز بدرجة كبيرة على المعضلة الأخلاقية، وأن الصورة الأخلاقية التي طالما ارتبطت بهذه المؤسسة شهدت تراجعًا ملحوظًا، بالتوازي مع تحولات في تمثيلات القوة والدفاع عن النفس والتفوق التكنولوجي.

وتبيّن الباحثة بشرى زكاغ، في دراستها، أنّ الفضاء الشبكي يولّد مساحة جديدة للفعل السياسي في المغرب. وتستحضر في إطارها النظري إسهام فضاءات الشبكات في تشكّل ثقافة سياسية جديدة، من خلال الانتقال من فضاء الأماكن إلى فضاء الشبكات، وظهور أنماط حديثة من الانتماء مثل القبائل الشبكية. وتختبر ذلك على حالة المغرب، محللةً توجهات الجماعات الشبكية وآليات إعادة إنتاج الفعل السياسي، ومبرزةً تشكّل أنماط جديدة من المواطنة والمشاركة. وتتوصل إلى أن انتقال الصراع السياسي والرمزي إلى الفضاء الشبكي، وبروز أشكال جديدة من التعبئة والتأثير، جعلا هذه الجماعات قوة قادرة على توجيه الرأي العام، بل صناعته أحيانًا، وهذا من دون أن تغفل الدراسة ذكر خصائص هذا الفعل السياسي الحديث نوعًا ما ودورته التي غالبًا ما تشهد تقلبات بين التمدد والانحسار.

ويناقش طه لحميداني، في دراسته، ما يسمّيه مأزق المنهج في العلوم السياسية، مستلهمًا أفكار باتيسون. وينطلق من فرضية أن الإشكال المنهجي لا يرتبط بالأدوات التحليلية بقدر ما يتعلق بالتصورات التي تؤطر فهم الفعل السياسي. واعتمادًا على مقاربة تحليلية تأويلية، ينقد الباحث المناهج السائدة من خلال مفاهيم مثل "الخلل بوصفه نمطًا منتظمًا"، و"الرباط المزدوج"، و"التعلم من الدرجة الثانية"، داعيًا إلى تجاوز التفسير الخطي للسياسة، والنظر إليها بوصفها شبكة من العلاقات المعقدة. ويستعرض تصور باتيسون للمعرفة بوصفها علاقة لا إحاطة فحسب، ليخلص إلى أن هذا المنظور يفتح آفاقًا إبستيمولوجية جديدة لفهم التعقيد السياسي.

أما باب "دراسة مترجمة"، فتضمّن ترجمة مايكل مدحت يوسف لدراسة فايز شيخ وأوين ديفيد توماس "العلاقات الدولية السلالية: العرق وأزمة النظام الليبرالي من منظور ابن خلدون". واشتمل باب "التوثيق" على عرض لأهم محطات التحول الديمقراطي في الوطن العربي ووثائقه، و"الوقائع الفلسطينية"، خلال المدة 1 كانون الثاني/ يناير - 28 شباط/ فبراير 2026. وفي باب "مراجعات الكتب"، قدّم محمود الحسين مراجعة لكتاب "طريق هيئة تحرير الشام إلى السلطة في سورية".

** تجدون في موقع دورية "سياسات عربية" جميع محتويات الأعداد مفتوحة ومتاحة للتنزيل.