صدر عن المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات ومعهد الدوحة للدراسات العليا العدد السادس والسبعون من الدورية العلمية المحكّمة "سياسات عربية"، التي تُعنى بالعلوم السياسية والعلاقات الدولية، وتصدر كل شهرين. ضمّ العدد ملفًا خاصًا بعنوان: "قضايا في الدولة والحكم والحرب في السودان"، تضمّن خمس دراسات، إلى جانب تقديمٍ لمحرر العدد حسن الحاج علي. واشتمل العدد على دراسة عن توسّع مجموعة "بريكس" نحو مصر والسعودية والإمارات، وترجمةٍ، وتوثيقٍ لأهم محطات الصراع العربي - الإسرائيلي، وأبرز مراحل التحول الديمقراطي في الوطن العربي ووثائقه، فضلًا عن مراجعة كتاب.
يبين حسن الحاج علي، في تقديم ملف العدد بعنوان "حرب 15 نيسان/ أبريل 2023: ذروة عنف في دولة مضطربة"، أن هذا العدد الخاص يسلط الضوء على قضايا دفعت بها الحرب بقوة إلى واجهة الاهتمام، من دون أن تنال حتى الآن ما يكفي من البحث والتحليل العلمي، وفي مقدمتها المسائل الأمنية والعسكرية. فالحرب الدائرة اليوم في السودان تؤكد الحاجة الملحّة إلى تحليلٍ أشمل وأعمق لقضاياه من منظور حقل الدراسات الأمنية النقدية. ويرى أن توقيع القوى السودانية عددًا كبيرًا من اتفاقيات السلام لم يفضِ إلى إرساء سلام دائم، إذ اتسمت معظم الاتفاقيات المبرَمة بين الأطراف السودانية، منذ اتفاقية أديس أبابا عام 1972، بمنحى تسويات سياسية جزئية لم تعالج جذور الصراع البنيوية. ويؤكد أن قضايا أخرى، مثل توزيع الصلاحيات والاختصاصات بين الأقاليم والولايات، ولا سيما ما يتصل بتوزيع الموارد، ما تزال من الإشكاليات المركزية غير المحسومة في التجربة السودانية.
ويجادل محمد محجوب هارون إبراهيم، في دراسته بعنوان "’الغابة للأشجار‘: حرب 15 نيسان/ أبريل 2023 وتحدّي بناء الأمة والدولة في السودان"، بأنّ الحرب الراهنة لم تندلع بمعزل عن السياق التاريخي، بل جاءت وتفاعلت وقائعها في إطار مسار طويل ومعقد لبناء الأمة السودانية وإقامة الدولة، يمتد على مدى نحو خمسة قرون من تاريخ البلاد. ويطرح مفهومَي بناء الأمة وبناء الدولة، مقرونَين بتفكك التجربة السودانية، بوصف ذلك كله مخاضًا تاريخيًا طويلًا وممتدًا، لم يُفضِ حتى الآن إلى تبلور أمة ودولة راسختَين. ويخلص إلى أن الحرب الراهنة اندلعت في سياقٍ مركب، نتيجة أسباب متشابكة يتصدرها صراع السلطة بين الفاعلين الرئيسين في السودان، وكشفت عن انقسام سياسي واجتماعي حادّ عكس تراجع القدرة على التوافق حول القواسم المشتركة الجامعة، ولا سيما الهوية الوطنية والمصلحة العامة.
ويتناول متوكل دقاش، في دراسته بعنوان "تفكك الدولة في السودان: دراسة في الأسباب والعوامل (1821-2025)"، ثلاثة أبعاد مترابطة لتفسير مسار تفكك الدولة السودانية؛ أوّلها الإرث التاريخي والمؤسسي الذي أضعف احتكار الدولة لوسائل العنف، وثانيها الديناميات الداخلية الراهنة المتمثلة في صراع النخب وتعدد الفاعلين المسلّحين، وثالثها التدخلات الإقليمية والدولية التي أسهمت في إعادة هندسة الاقتصاد السياسي للحرب. وانطلاقًا من هذه المقاربة، تتتبّع الدراسة مسار تشكّل الدولة الحديثة في السودان، وتطورها بفعل التفاعلات بين بنى ومؤسسات اجتماعية وافدة مع الاستعمار وأخرى محلية. وتُظهر النتائج أن الحروب المتعاقبة واستنزاف الموارد، إلى جانب انقسامات النخب الإثنية والمناطقية، فضلًا عن التنافس الدولي على البحر الأحمر، قد قوّضت احتكار الدولة لوسائل العنف المشروع، وأفضت إلى نمط من التفكك الهجين. وتخلص إلى أن نماذج مقاربات تفكك الدولة تفسر جوانب مهمة من التجربة السودانية، لكنها تظل في حاجة إلى تطوير يستوعب أشكال السيادة المتعددة وأنماط التفكك المُدار.
ويرى أحمد أبوشوك، في دراسته بعنوان "اتفاقيات السلام السودانية (1972-2020): إرث المنشأ وتحديات الاستدامة"، أنّ سياسات الدولة المركزية منذ الحقبة الاستعمارية ركزت على التنمية والسلطة في الوسط النيلي، ما ولّد حركات مطلبية تحولت لاحقًا إلى تمردات مسلحة. ويوضح أن معظمها، على الرغم من توقيع القوى السودانية عدة اتفاقيات سلام خلال الفترة 1972-2020، اتسم بـتقاسم جزئي للسلطة والثروة من دون معالجة أسباب الصراع البنيوية، إضافة إلى غياب الثقة بين مختلف الأطراف، وتدخّل وسطاء خارجيين، فضلًا عن نقض الالتزامات، وتوظيف الاتفاقيات لأجندات سياسية قصيرة المدى. ويؤكد أن الفشل في استدامة السلام كان نتاجًا مباشرًا لاستمرار إرث المنشأ من دون حلول جذرية؛ ما أدى إلى انفصال جنوب السودان عام 2011، وبقاء النزاعات في دارفور والشرق والمنطقتين.
ويوضح البدوي عبد القادر، في دراسته بعنوان "العلاقات المدنية - العسكرية في السودان: إعادة تعريف دور المؤسسة العسكرية"، أن النهج المتّبَع في السودان يحصر العلاقات المدنية - العسكرية في قضية الإصلاح العسكري، التي يختزلها في الحيلولة دون انقلاب الجيش، أو إخراجه من السياسة ومنعه من النشاط الاقتصادي. ويرى أن المقاربة المنشودة لا ينبغي أن تنصرف إلى البحث في آليات الإصلاح العسكري أو صوغ إجراءات معيارية أو توجيهية، بقدر ما يُفترَض أن تبتدر نقاشًا أكثر عقلانية واستنارة، يشجع الفاعلين، حاضرًا ومستقبلًا، على إعادة النظر في العلاقة بين المدنيين والعسكريين ضمن أفق أوسع. ويخلص إلى أن بناء علاقة أكثر استدامة يتطلب إعادة التفكير في الإطار الذي يشكّل هذه العلاقات، ويدعو إلى إشراك العسكريين في صوغ السياسات الوطنية، وضبط نشاطهم الاقتصادي عبر الحوكمة.
ويكشف حسام إبراهيم وجوليا بربر، في دراستهما بعنوان "التوجه نحو اللامركزية في السودان ما بعد الحرب: بين الفرص والمحدّدات البنيوية والاستراتيجية"، أن اللامركزية خيار استراتيجي لإعادة البناء في السودان، غير أن نجاحها يظلّ مشروطًا بالتزام سياسي واضح، ومعالجة التفاوتات الاقتصادية بين الولايات، واستكمال الأطر التشريعية والإدارية والقضائية. ويقترحان حزمة من السياسات تشمل تحديد الصلاحيات مقرونًا بآليات مساءلة فعّالة، وتمكين المجتمع المدني، وتحسين البنية التحتية، ومواءمة الترتيبات القبلية، إلى جانب اعتماد نظام تمويل منصف يضمن الاستدامة والعدالة بين الولايات.
ويتضمن باب "دراسات" دراسة لأيوب عصري ونصيرة أودية وعبد الهادي بعيش، بعنوان "توسع مجموعة ’بريكس‘ نحو مصر والسعودية والإمارات: تحليل استجابة الرأي العام العربي على منصة ’إكس‘"، ركّزت على تحليل ردود فعل الرأي العام العربي على منصة إكس إزاء توسّع مجموعة بريكس ليشمل ثلاث دول عربية، هي مصر والمملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة. وتُظهر النتائج أن الفضاء الرقمي على منصة إكس مثّل أداة فعّالة لنشر المعلومات الرسمية ورصد المشاعر والاتجاهات العامة وتحليلها. وتبين أن اتجاهات الرأي العام كانت محايدة بنسبة 38.91 في المئة، وإيجابية بنسبة 31.72 في المئة، وسلبية بنسبة 30.09 في المئة. وفضلًا عن ذلك، تكشف الدراسة عن تدنٍّ شديد في مستوى الانخراط الشعبي في قضية يُفترض أنها تمسّ مصالح الملايين، ويُعدّ تفاعل الجمهور معها شرطًا أساسيًا لفاعلية هذه العضوية وجدواها على المدى الأوسع. وتُظهر البيانات تفاصيل تقنية مهمة ترتبط بالأوقات التي تبلغ فيها كثافة التغريدات ذروتها، وتسلط الضوء، من منظور تحليلي، على قضايا أعمق مثل العزوف السياسي وفقدان التعلّم.
وفي باب "دراسة مترجمة"، نُشرت ترجمة عادل زقاغ لدراسة إنغفيلد بود "تكنولوجيات الذكاء الاصطناعي وحقل العلاقات الدولية: هل نحتاج إلى أطر تحليلية جديدة؟". أما باب "التوثيق" فتضمّن أهم "محطات التحوّل الديمقراطي في الوطن العربي" ووثائقه، و"الوقائع الفلسطينية" في المدة 1 تموز/ يوليو – 31 آب/ أغسطس 2025. وفي باب "مراجعات الكتب"، قدّمت سجى طرمان مراجعة لكتاب "حين يقتل السلام السياسة: التدخل الدولي وحروب لا تنتهي في السودانَين"، لشاراث سرينيفاسان.
** تجدون في موقع دورية "سياسات عربية" جميع محتويات الأعداد مفتوحة ومتاحة للتنزيل.