بدون عنوان

صدر عن المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات ومعهد الدوحة للدراسات العليا العدد الثامن والسبعون من الدورية العلمية المحكّمة "سياسات عربية​"، التي تُعنى بالعلوم السياسية والعلاقات الدولية، وتصدر كلّ شهرين. يتضمّن العدد ملفًّا خاصًّا بعنوان: "الدولة العربية بعد الانتفاضات"، سعت الدورية، من خلاله، إلى الإسهام في الجهد العلمي الأوسع بهدف إعادة التفكير في مسار تشكّل الدولة العربية وتطورها إلى صورتها الراهنة، من خلال تفكيك بنيتها الداخلية وتحليل دينامياتها انطلاقًا من شروطها وسياقاتها الخاصة. وتسعى الدراسات المضمّنة فيه إلى تجاوز الأطر التفسيرية الجاهزة والمكتملة، وذلك بالتعامل مع الدولة العربية بوصفها كيانًا تاريخيًا وسياسيًا واجتماعيًا له منطقه الداخلي ومسارات تطوره المتفردة، بدلًا من اختزالها في نماذج تفسيرية مستوردة أو إسقاطات معيارية خارجية.

قدّم للملف محرِّرَاه باسل صلّوخ ومي درويش. ويضمّ الدراسات الآتية: "التنظير للدولة العربية: مسارات وزمنيات وتصوّرات بديلة" لباسل صلّوخ، و"الدولة العربية في أعين مواطنيها: تحليل للاتجاهات الفردية" لعبد الكريم أمنكاي، و"الاقتصاد السياسي للدولة العربية" لميلاني كامِت، و"تآكل الدولة العربية في السياقات العالمية والإقليمية" لمي درويش.

وفي باب "دراسات" دراسة بعنوان "ديناميات هشاشة الدول العربية: تأثير المتغيرات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية في مسار الهشاشة (2006–2024)" لمعن أحمد فوزي سلحب. أما باب "دراسة مترجمة"، فيتضمّن ترجمة عمرو الملّاح لدراسة روبرت كوكس "القوى الاجتماعية والدول والنظم العالمية: ما وراء نظرية العلاقات الدولية". ويشمل العدد توثيقًا لأهم محطات الصراع العربي – الإسرائيلي وأبرز مراحل التحوّل الديمقراطي في الوطن العربي ووثائقه، فضلًا عن مراجعة كتاب.

يدعو باسل صلّوخ في دراسته إلى التحرر من الفهم الغربي الجازم لمفهوم الدولة، ومن افتراضاته الخلفية المسبقة، ومن التصورات التقليدية التي تحكم العلاقة بين الدولة والمجتمع أيضًا، وذلك أثناء فحصنا الجماعي لتجلّيات الدولة في العالم العربي. وينطلق صلوخ من نقد المقاربات التي تتعامل مع الدولة بوصفها نموذجًا واحدًا قابلًا للتعميم، مشددًا على ضرورة الانتباه إلى السياقات التاريخية والسياسية التي تشكّل فيها كل نمط من أنماط الدولة، معتمدًا على فكرة المسارات التاريخية بوصفها نقطة ارتكاز تحليلية لفهم التنوّع في أشكال الدول، واضعًا بحثه ضمن نقاش أكاديمي أوسع يتناول نشوء الدولة في بلدان الجنوب الكبير، حيث لا تنطبق بالضرورة النماذج الأوروبية الكلاسيكية لنشوء الدولة وتطورها. وبهذا المعنى، يدعو صلّوخ إلى إعادة التفكير في الدولة العربية، لا بوصفها كيانًا جامدًا أو استثنائيًا، بل بوصفها سيرورة مستمرة من التشكّل، تتأثر بالصراعات والأزمات والتحولات الاجتماعية والسياسية العميقة.

وفيما يُعدّ مسحًا مقارنًا على مستوى إقليمي لتفضيلات المواطنين المتعلقة بالدولة تتنزّل دراسة عبد الكريم أمنكاي، لتنطلق من شرح القصور المتمثل في محدودية الدراسات التي سعت لإلقاء الضوء على الدولة من خلال منظور الشعوب التي تحكمها تلك الدول، لتُحدث نقلةً تحليلية مهمّة؛ إذ تحوّل بؤرة الاهتمام من التنظير المجرّد للدولة والنظام إلى فهم تصورات المواطنين العرب للدولة وتوقعاتهم منها.

ويكشف أمنكاي عن وجود طلب واسع النطاق بين المواطنين العرب على اضطلاع الدولة بالتزويد بالخدمات والوظائف التي ترتبط عادةً بنموذج الدولة الفيبري، مثل الأمن والنظام والتزويد بالخدمات العامة والقدرة الإدارية الفعّالة. وعلى الرغم من أنّ هذه النتائج لا تعني بالضرورة وجود توافق معياري أو إمبريقي بين الدولة العربية القائمة والنموذج الفيبري، فإنها تُظهِر رسوخ هذا النموذج في المخيال السياسي العمومي لدى الجمهور العربي، بوصفه تصورًا مرجعيًا لما "ينبغي" أن تكون عليه الدولة.

وتنطلق ميلاني كامِت في دراستها من نقاشاتٍ واسعة أعادتها الانتفاضات العربية، تتعلق بتراجع أدوار الدولة في توفير الحماية الاجتماعية وخدمات الرفاه في عدد كبير من دول المنطقة، وهو نقاش تناولته أدبيات متعددة ركزت على التحولات البنيوية في العقد الاجتماعي بين الدولة والمجتمع، لتُوسّعَه وتعزّزَه، من خلال تحليلها للتباين الواضح في مسارات تطور الدول العربية، مع إيلاء الاختلافات المتزايدة اهتمامًا خاصًّا بأنماط الرفاه الاجتماعي وأنظمته بين الدول ذات الدخل المرتفع من جهة، والدول المتوسطة الدخل أو المنخفضة، من جهة أخرى. وترى ميلاني أن تلك الاختلافات قد أفضت إلى أشكال متباينة من الدولة ومسارات مختلفة بوضوحٍ في علاقات الدولة بالمجتمع عبر العالم العربي، تتحدد ملامحها في تفاعل معقّد بين الموارد الاقتصادية وسياسات الرفاه وقدرة الدولة على إدارة التحول الاقتصادي والاجتماعي في مرحلة ما بعد انتفاضات الربيع العربي.

وفي حين تركّز الدراسات الثلاث السابقة على الديناميات التي تعمل داخل الحدود الترابية للدولة، وعلى أنماط التفاعل بين الدولة والمجتمع، تفرد دراسة مي درويش مساحة لبحث الدولة العربية في سياق التفاعلات الإقليمية والدولية. وتحاجّ بأنّ انتفاضات الربيع العربي أتاحت فرصًا لإعادة الاصطفاف السياسي، ألحقت في النهاية ضررًا بالدولة؛ إذ أدّت إلى نقل كثير من وظائفها التقليدية إلى فاعلين من غير الدول. وتؤكد درويش أنّ هؤلاء الفاعلين من غير الدول لا يعملون بوصفهم أدوات تابعة للدول أو وكلاء لها، بل يتحركون ضمن نسيج أوسع من الفاعلين السياسيين الإقليميين، ويتحركون بوصفهم منافسين فعليين للدول على النفوذ والشرعية والتأثير. ومن هذا المنظور، يصبح وجودهم عنصرًا بنيويًا في النظام الإقليمي، لا ظاهرة هامشية أو استثنائية. وتبين درويش أنّ صعود هؤلاء الفاعلين يرتبط ارتباطًا وثيقًا بتراجع قدرة الدول على احتكار أدوات العنف، وعلى بلورة استجابات جماعية وفعّالة للأزمات الإقليمية الكبرى.

كما يضمّ العدد دراسة لمعن سلحب، تبيّن أن هشاشة الدول العربية تمثّل ظاهرة معقدة تتأثر بعوامل بنيوية داخلية، إضافةً إلى صدمات داخلية وخارجية. وعلى الرغم من ارتفاع مستوى الهشاشة عمومًا، يرصد الباحث تفاوتًا بين الدول؛ إذ سجّلت ليبيا وسورية واليمن وفلسطين زيادة ملحوظة، في حين أظهرت دول الخليج استقرارًا، وسجّل العراق والمغرب تحسنًا نسبيًا. ويخلص إلى أن ارتفاع الفقر وسوء التغذية وضعف التعليم عوامل تسهم في زيادة الهشاشة، في حين يُسهم تحسّن الناتج المحلي والتعليم والصحة والانفتاح الاقتصادي في تقليلها. وتشير الدراسة إلى أن معالجة الهشاشة تتطلب سياسات طويلة الأمد لتعزيز الحوكمة والعدالة الاجتماعية والتنوع الاقتصادي والتنمية البشرية، بهدف بناء مجتمعات عربية أكثر صمودًا في مواجهة الأزمات.

أما الدراسة المترجمة فتُعدّ من النصوص المؤسسة للنظرية النقدية في حقل العلاقات الدولية. ويشمل باب "التوثيق" أهم "محطات التحوّل الديمقراطي في الوطن العربي" ووثائقه و"الوقائع الفلسطينية"، في المدة 1 تشرين الثاني/ نوفمبر - 31 كانون الأول/ ديسمبر 2025. ويتضمن باب "مراجعات الكتب" مراجعة أحمد قاسم حسين لكتاب "الدولة العربية: بحث في المنشأ والمسار"، للمفكر عزمي بشارة.

** تجدون في موقع دورية "سياسات عربية" جميع محتويات الأعداد مفتوحة ومتاحة للتنزيل.