صدر عن المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات ومعهد الدوحة للدراسات العليا، العدد السابع والخمسون (صيف 2026) من دورية "تبيُّن" للدراسات الفلسفية والنظريات النقدية. ويتضمّن مجموعةً من الدراسات التي تقارب إشكاليات الفلسفة السياسية والأخلاقية، ونظرية المعرفة؛ إذ تبحث في مفهوم الخوف والانفعال السياسي في فكر باروخ سبينوزا، وتتتبّع تحولات مفهوم الحرية في النسق الفلسفي لإيمانويل كانط، وتسلّط الضوء على النقد الذي وجّهه ليو شتراوس إلى ماكس فيبر. وتتناول قضايا الفكر العربي المعاصر، من خلال تفكيك نظرية العقل عند طه عبد الرحمن، واستقراء المنهج التاريخاني عند عبد الله العروي في مقاربته للقضية الفلسطينية. إلى جانب باب "دراسات"، يشتمل العدد على باب "مناقشات"، الذي يناقش ترجمة لعبد الله العروي، وباب "ترجمات"، الذي يضمّ دراسة مترجمة تُسائل حدود التفلسف، فضلًا عن باب "مراجعات الكتب" الذي يضمّ مراجعتين نقديتين، وباب "عروض الكتب"، الذي يقدّم مجموعة من الإصدارات الفلسفية الحديثة.
يستهل لمرابط اسنيد هذا العدد بدراسة، بعنوان "الخوف والانفعال السياسي: سبينوزا والعلاقة بين السلطة والخرافة"، يتناول فيها القضايا السياسية في فلسفة سبينوزا. وتنطلق الدراسة من نقد "الخرافة" بوصفها ميتافيزيقا سياسية، وتسعى إلى ربط السياسة بالواقعة السيكولوجية من خلال مفهوم "الانفعال السياسي". ويبيّن الباحث كيف صاغ سبينوزا رؤيته السياسية في ضوء تحليل سيكولوجي وتاريخي لمسار الفكر السياسي، مستفيدًا من السياق الواقعي الذي تشكّلت فيه النظرية السياسية خلال القرنين السادس عشر والسابع عشر. وتتمحور الإشكالية المركزية للدراسة حول تفكيك "الخرافة" بوصفها أداة للهيمنة السياسية وإخضاع العوام. وتجادل بأن حرية الرأي والتفكير، واستقلال العقل، تمثّل شروطًا أساسية لبناء نظام ديمقراطي متماسك وعقلاني، يتيح للأفراد تجاوز حالة الخوف المتأصلة في علاقتهم المباشرة بالسلطة السياسية.
وتستكشف دراسة جواد اكريعة ومحمد مزيان المشتركة، بعنوان "من إشكالية العقل إلى واقعة الفعل: التحولات الإبستيمولوجية لمفهوم الحرية عند كانط"، مفهوم الحرية العملية في فلسفة كانط. وتستعرض بأسلوب تحليلي المسار الانتقالي المُعقَّد لهذا المفهوم، انطلاقًا من مبحث الجدل الترنسندنتالي كما صاغه كانط في كتابه التأسيسي نقد العقل الخالص، وصولًا إلى استقراره في دائرة التشريع الأخلاقي في كتاب نقد العقل العملي. وتبيّن الكيفية التي أحدث بها كانط نقلةً نوعيةً في فهم الحرية، ناقلًا إياها من ضيق التجريد النظري إلى أفق الممارسة العملية. وتبرز التحولات الإبستيمولوجية التي رافقت هذا المسار الفلسفي، مؤكدةً أن تأسيس الأخلاق لم يكن ممكنًا لولا هذا التحول، الذي جعل من التشريع الأخلاقي المنبثق من الإرادة الخيّرة دليلًا قاطعًا على واقعة الحرية في العالم العملي.
وتجادل دراسة عبد الرحيم رجراحي، بعنوان "ليو شتراوس ناقدًا الوضعانية: دراسة في نقده ماكس فيبر"، بأن نقد الفيلسوف شتراوس للمدرسة الوضعانية يمثّل مدخلًا أساسيًا لفهم الأسباب الجذرية لأزمة الحداثة السياسية. وتحلل تفاعله النقدي مع سوسيولوجيا الفهم عند عالم الاجتماع الألماني ماكس فيبر، من خلال التعمّق في إشكالية الفصل المنهجي بين "الوقائع" و"القيم". وتوضح أن شتراوس يعدّ هذا الفصل، الذي ساد في العلوم الاجتماعية الحديثة، موقفًا خطيرًا، لأنه يؤدي بالضرورة إلى العدمية والنسبية الأخلاقية المطلقة. ويحاجّ بأن هذا الموقف يعطّل قدرة العقل البشري على إصدار أحكام معيارية وأخلاقية، بما يُفرغ الفلسفة السياسية من غايتها الأساسية وتوجهها الكلاسيكي المتمثل في توجيه المجتمعات نحو الخير والبحث عن النظام السياسي الأفضل.
وبالانتقال إلى الفكر العربي المعاصر، يركز عبد الله البقالي، في دراسته "علاقة العقل بغيره من المدارك المعرفية عند طه عبد الرحمن: اتصال العقل بالحس نموذجًا"، على الموقف الفلسفي لطه عبد الرحمن من إشكالية العلاقة بين العقل والحس، في إطار نظريته العامة في العقل. وتفحص الدراسة مدى اتساق هذا الموقف مع التراث الإسلامي، بشقَّيه الكلامي والفلسفي، وتنطلق من بيان أنّ عبد الرحمن سعى إلى توسيع دلالة مفهوم العقل، بإخراجه من ضيقه التجريدي وجعله فعلًا قلبيًا حيًا متصلًا بالحس والدين والأخلاق. وتعقد مقارنةً منهجيةً بين هذا الطرح التجديدي وبين المذهب العقلي الإسلامي الكلاسيكي، الذي دأب على التمييز الصارم بين العقل والحس، مع إقراره بتوقّف كلٍّ منهما على الآخر في عمليتَي الإدراك وبناء المعرفة.
يُختتم الباب بدراسة مشتركة لمحمد أوريا والحاج محمد الناسك، عنوانها "القضية الفلسطينية في ضوء تاريخانية عبد الله العروي". وتقدّم الدراسة قراءة نقدية لرؤية عبد الله العروي للقضية الفلسطينية، مستندةً إلى منهجه التاريخاني الدينامي. وتوضح كيف يسهم هذا المنهج في تحويل النوائب والكوارث التاريخية، مثل نكبة عام 1948 وهزيمة عام 1967، من هزائم عسكرية إلى محطات للتأمل والمساءلة التاريخية والمراجعة النقدية، بالتوازي مع تفكيك منطق الأيديولوجيا الصهيونية الاستعمارية. وتبيّن نقد العروي اللاذع للخطاب السياسي العربي التقليدي، وتبرز دعوته إلى إحداث قطيعة معرفية مع أنماط التفكير السائدة، وتبنّي براغماتية تاريخانية قادرة على مواجهة التحديات الوجودية المفروضة على المنطقة، قبل أن تختتم بمقارنة بين رؤيته ومساهمة إدوارد سعيد في مقاربة القضية الفلسطينية.
وفي السياق نفسه، نقرأ في باب "مناقشات"، دراسة سفيان البراق، بعنوان "عبد الله العروي متأثرًا بالثقافة الغربية: العودة إلى ماركس وتعريب كتاب مونتسكيو نموذجان لتجاوز مأزق التأخر التاريخي"، التي تسعى إلى تحليل الكيفية التي صاغ بها العروي إشكالية التأخر التاريخي العربي، مسلطةً الضوء على تفاعله العميق مع الثقافة الغربية. ويتخذ الباحث من دعوة العروي المستمرة إلى العودة إلى الفلسفة الماركسية، ومن جهوده في استيعاب فكر مونتسكيو وتعريب كتابه، نموذجين رئيسين لفهم مشروعه الفكري الرامي إلى تجاوز مأزق التأخر، وإعادة بناء الفكر العربي على أسس حداثية عقلانية تستوعب حركة التاريخ.
أما في باب "ترجمات"، فنقرأ ترجمة علي حاكم صالح لدراسة كريستي دوتسون، بعنوان "كيف يكون هذا البحث فلسفيًّا؟"، التي تتناول فيها الباحثة مدى قدرة حقل الفلسفة الاحترافية على توفير الدعم وتلبية احتياجات الفئات المتنوعة والمهمشة. وتناقش حدود التعريفات الأكاديمية الصارمة للفلسفة، وتثير تساؤلات جوهرية تتعلق بطبيعة البحث الفلسفي وحدوده المنهجية.
وأخيرًا، يشتمل باب "مراجعات الكتب" على مراجعتين نقديتين: الأولى بقلم مجاهد الدومة، لكتاب مفهوم الأصالة الثقافية الأفريقية: قضايا إشكالية ومنهجية ومواضيع أخرى لعبد الله بولا؛ والثانية بقلم عمر بدري لكتاب السياسي في إتيقا إمانويل ليفيناس لسامي الغابري. ويُختَم العدد بعروضٍ لأربعة كتب صدرت حديثًا أعدّتها هيئة تحرير الدورية، تتناول موضوعات تتصل بالديمقراطية، وفريدريش هيغل، والبراغماتية، والنخبوية.
أمّا لوحة غلاف العدد، فهي من أعمال الفنان المصري عبده البرماوي (برماليون)، الذي تشتبك ممارسته الفنية مع الانتفاضات العربية وتحولات الفضاء العام وانفعالاته، وتعكس أعماله العلاقات الجدلية بين الشكل واللون، وبين التوازن الساكن والإيقاع المتحرر.
** تجدون في موقع دورية "تبيّن" جميع محتويات الأعداد مفتوحة ومتاحة للتنزيل.