انطلقت يوم السبت 10 كانون الثاني/ يناير 2026 أعمال الدورة السابعة للمدرسة الشتوية الدولية، التي ينظمها المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، بعنوان "ما بعد الليبرالية: تحوّل بنيويّ أم أزمة عابرة؟". وتُعقد هذه الدورة في الفترة 10-15 كانون الثاني/ يناير، ويعرض فيها عشرون باحثًا مشاريعهم البحثية في جلسات متخصصة تركّز على جوانب مختلفة من دراسة الديمقراطية الليبرالية، وما إذا كانت تشهد تأكّلًا بنيويًا أم أزمة دورية، وذلك بحضور المشاركين والمحاضرين والمعقّبين في مقرّ المركز العربي في الدوحة.
استُهلّ اليوم الأول من المدرسة الشتوية بكلمة ترحيبية ألقاها هاني عواد، الباحث في المركز العربي، أشار فيها إلى مساهمة المدرسة في إنتاج معرفة معمّقة ونقدية عن موضوعات مختارة في العلوم الاجتماعية والإنسانية ومقاربات مختلفة تساهم في تعميق المعرفة عن هذه الموضوعات. وألقى جون كين، أستاذ العلوم السياسية في جامعة سيدني، المحاضرة العامة الأولى بعنوان "أوهام ليبرالية، إخفاقات ليبرالية؛ أو لماذا لستُ ليبراليًا؟". وفيها عرض أسباب الأزمة التي تعيشها اليوم الليبرالية، التي طالما اعتُبرت ذروة التطور السياسي ونهايته. وبحث في الإخفاقات والتناقضات الكامنة في الأيديولوجيا الليبرالية، وتطوّرها التاريخي، وأسباب مواجهة الديمقراطية الليبرالية تحديات متزايدة من أنظمة ومتخيلات سياسية منافسة.
وفي الجلسة الأولى، عرضت ميلودي سيبابور-فارد ورقة بعنوان "ردود أفعال وتناقضات عالمية: استجابات الدول لمذكرات المحكمة الجنائية الدولية ضد بنيامين نتنياهو ويوآف غالانت"، وبيّنت كيفية تفاعل الدول في مناطق مختلفة مع أوامر المحكمة الجنائية الدولية بإلقاء القبض على رئيس الوزراء ووزير الدفاع الإسرائيليَين، في أيار/ مايو 2024، وما تكشفه هذه الردود عن أزمات الشرعية داخل الديمقراطيات الليبرالية. وأشارت إلى وجود انقسامات جيوسياسية واضحة؛ إذ إن الانتقاد يتركز بين الدول الغربية، في حين يأتي الدعم في الغالب من فاعلين غير غربيين. وعقب على الورقة وناقشها توماس دمبروفسكي، الأستاذ المساعد في برنامج حقوق الإنسان بمعهد الدوحة للدراسات العليا.
أكّدت بنان عبد الرحمن، في ورقتها "ما الذي يجعل الإنسان إنسانًا؟ سبر نظري للإنسانية، ونزع الإنسانية، واستحالة التنظير إزاء عنف يفوق الوصف"، على إخفاق الأطر الليبرالية في الاعتراف بمن وُضعوا خارج التعريفات القانونية للإنسانية. ومن خلال تحليل مقالات إثنوغرافية، فحصت ما ينطوي عليه الاعتراف الليبرالي والنزعة الإنسانية القانونية من عنفٍ بنيوي متأصّل، بالاستناد إلى التشاؤمية الأفريقية، والأنطولوجيات الإسلامية، وفكر إلغاء العبودية، حيث رفضت الورقة الكونية الليبرالية وساءلت أخلاقيات التنظير في سياق فظائع مستمرة. وقد ناقش الورقة وعقب عليها عبدالله مجيد، الأستاذ المساعد في الأنثروبولوجيا في معهد الدوحة للدراسات العليا.
في الجلسة الثانية، قدّم بارسا أخلاغي ورقة بعنوان "القطب الشمالي والنظام الدولي ما بعد الليبرالي: من التعاون المؤسسي إلى المواجهة الاستراتيجية"، وعقبت عليها وناقشتها مروة فكري، الأستاذة المساعدة للعلوم السياسية بكلية الاقتصاد والعلوم السياسية بجامعة القاهرة. وعرض بارس في ورقته الدراسات المتعلقة باللحظة ما بعد الليبرالية، مستنتجا أنها ركّزت في الغالب على تأكّل الديمقراطية في الشمال العالمي وضعف المؤسسات الدولية الليبرالية، متجاهلةً إلى حد كبير منطقة القطب الشمالي. وجادل بأنّ القطب الشمالي يُمثل موقعًا تجريبيًا بالغ الأهمية لتقييم نطاق النظام الدولي وتحوّله ما بعد الليبرالي، وأنّ توسع حلف شمال الأطلسي "الناتو"، وتأمين روسيا لمنطقة الشمال، وتأكّل الحوكمة المؤسسية في القطب الشمالي، تتقاطع لتضع المنطقة في طليعة التغيير النظامي المعاصر.
وقدّم ميشيل أوستروفسكي ورقة بعنوان "من الديمقراطية الليبرالية إلى "الديموكتاتورية": كيف تُفكَّك الضمانات الدستورية بهدوء في الحقبة ما بعد الليبرالية؟"، حلل فيها الأزمة الدستورية في بولندا خلال الفترة 2015-2025، وكيف يمكن تفكيك الديمقراطية الليبرالية من دون الحاجة إلى تعديل دستوري رسمي، مركزًا على تسييس القضاء والاستيلاء على المؤسسات ومفهوم "الميزانوقراطية"؛ ليبيّن كيفية تأكّل الديمقراطية عبر وسائل مالية وإدارية. وعقب على الورقة وناقشها غابور شايرِِنغ، أستاذ السياسات المقارنة بجامعة جورجتاون في قطر.
وتستمرّ أعمال المدرسة الشتوية حتى 15 كانون الثاني/ يناير 2026، وتشمل أعمالها خمس محاضرات عامة وطاولتين مستديرتين، يشارك فيها باحثون وباحثات متخصصون في دراسة الليبرالية واللاليبرالية.
*
كتيب المدرسة الشتوية 2026