بدون عنوان

اختُتمت، يوم الخميس 15 كانون​ الثاني/ يناير 2026، أعمال الدورة السابعة للمدرسة الشتوية الدولية، التي نظّمها المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، والتي انطلقت يوم السبت 10 كانون الثاني/ يناير، بعنوان "ما بعد الليبرالية: تحوّل بنيويّ أم أزمة عابرة؟". وتضمنت الدورة عشر جلسات عرض فيها عشرون باحثًا وباحثة مشاريعهم البحثية التي تناولت جوانب مختلفة من دراسة الليبرالية، وعقّب عليها أكاديميون وخبراء من أساتذة معهد الدوحة للدراسات العليا وباحثي المركز العربي، وعدد من الباحثين والأكاديميين المتخصّصين في الموضوع، فضلًا عن خمس محاضرات عامة وطاولتين مستديرتين قدّمها خبراء بارزون في الموضوع، وبُثّت عبر منصات التواصل الاجتماعي للمركز، على نحوٍ أتاح للمشاركين فرصة اكتساب المعرفة وتبادلها، وتطوير أعمالهم البحثية.

اختُتمت المدرسة الشتوية في يومها السادس بمحاضرة عامة وطاولة مستديرة. جاءت المحاضرة بعنوان "أزمة العولمة الليبرالية: تقاطعات لاليبرالية في الاقتصاد السياسي لدى ترمب وأوربان وسعيّد"، وقدّمها غابور شايرنغ، أستاذ السياسات المقارنة في جامعة جورجتاون في قطر، وركّز فيها على الجوانب الإمبريقية والسياسية – الاستراتيجية لليبرالية؛ إذ جادل بأنّ الليبرالية تمرّ بأزمة عميقة، تتجلّى في تراجع عدد الديمقراطيات وتصاعد الاستبداد، مدفوعةً جزئيًا بصعود اليمين المتطرف في أوروبا وأميركا اللاتينية وتركيا ومناطق أخرى، بما يعيد تشكيل الديمقراطية في اتجاهات أكثر تسلطية. وركّز على فاعلين سياسيين مؤثرين في هذا الاتجاه، لفحص هذه الظاهرة، هم فيكتور أوربان وقيس سعيّد ودونالد ترمب، وطرح سؤالًا مفاده: لماذا تشهد الشعبوية السلطوية، أو اللاليبرالية، هذا الصعود؟ وللإجابة عنه، أجرى تحليلًا مقارنًا ثلاثيًا لهذه الحالات المتباينة ثقافيًا وسياسيًا، مجادلًا بأنّها، على الرغم من اختلافاتها، تُفضي إلى نتائج سياسية متشابهة. ويتمثل الخيط الناظم بينها، بحسب طرحه، في أنّ الاندماج الدولي يُنتج تفككًا داخليًا، في ظل فشل السياسات الديمقراطية التقدمية في تقديم استجابة فاعلة لهذا الواقع، ما يفتح المجال أمام صعود اللاليبرالية.

نظريًا، ناقش شايرنغ أطروحة "الارتداد الثقافي" بوصفها أحد أكثر التفسيرات تداولًا في الأدبيات. لكنّه رأى أنّها تتعامل مع الثقافة بوصفها منظومة قيم أو هويات ثابتة، لا باعتبارها خبرة معيشة تتشكّل بفعل الشروط المادية. ونتيجةً لذلك، يُخطئ هذا الطرح في قراءة الثقافة باعتبارها سببًا، لا وسيطًا يُعبَّر من خلاله عن حالات الاختلال الاقتصادي والسياسي. وإمبريقيًا، يفشل هذا التفسير لأنّ اللاليبرالية لا تقتصر على الفئات الأكبر سنًا، أو ذوي البشرة البيضاء، أو الفئات المتراجعة اجتماعيًا. أمّا سياسيًا، فيؤدي إلى تشخيصات أخلاقوية لا تطرح أيّ استراتيجية قابلة للتطبيق من أجل تجديد الديمقراطية. وانتقد شايرنغ ما سمّاه "مقاربات التفاحة الفاسدة"، التي تخلط بين الفاعلين السياسيين الظاهرين والأسباب البنيوية الكامنة، وتختزل انهيار الديمقراطية في أفعال قادة غير أخلاقيين. وأشار إلى أنّ التفسيرات الاقتصادية غالبًا ما تختزل التحليل في مؤشرات الناتج المحلي الإجمالي، أو مستويات الدخل، أو الأزمات القصيرة الأمد، متجاهلةً انعدام الأمن المعيشي والتراجع الاجتماعي، ومتغاضيةً عن الكيفية التي تتوسّط بها الثقافة والمؤسسات والخبرة المعيشة عمليات التفكك الاقتصادي.

اقترح شايرنغ إطارًا بديلًا قائمًا على "المادية العلائقية"، مجادلًا بأنّ الاقتصاد والثقافة والسياسة ليست مجالات منفصلة، بل تتطوّر معًا من خلال علاقات اجتماعية معيشة تشكّلها الرأسمالية العالمية. وضمن هذا الإطار، تكتسب الفاعلية أهمية، في حين تشكّل البنى فرص الفعل، لا نتائجه المحدّدة سلفًا. وخلص إلى أنّ الديمقراطية ليست مجرد مجموعة قيم، بل هي تسوية طبقية. وشدّد في ختام محاضرته على ثلاث خلاصات أساسية: أولًا، ليست اللاليبرالية حادثة ثقافية ولا شذوذًا قياديًا. ثانيًا، تفتح البنى الباب، لكن الاستراتيجية السياسية هي التي تحدد المآلات. ثالثًا، يقتضي تجديد الديمقراطية إعادة تجذيرها اجتماعيًا وماديًا.

أمّا الطاولة المستديرة فناقش فيها خمسة متحدثين آفاق نظام حوكمة دولي "ما بعد ليبرالي"، هم: أماندا غاريت، الأستاذة المساعدة للسياسات الدولية والمقارنة في جامعة جورجتاون في قطر، وحارث حسن، الباحث المشارك في المركز العربي، وليندا تشينيني إيرولو، الأستاذة المساعدة للعلاقات الدولية في جامعة جورجتاون في قطر، ومارلين لارويل، أستاذة العلوم السياسية في جامعة لويس غويدو كارلي في روما، وأدهم صولي، أستاذ السياسة والعلاقات الدولية ورئيس برنامج الدراسات الأمنية النقدية في معهد الدوحة.

تناول المتحدثون نظام الحوكمة الدولي الليبرالي، الذي يضمّ مؤسسات وقواعد ومعايير صُمّمت لتنظيم الشؤون السياسية والعسكرية والاقتصادية العالمية وإدارتها، إضافة إلى التحديات الجسيمة التي يواجهها في المرحلة الراهنة. وتساءلوا إذا ما كانت مؤسسات النظام الدولي الليبرالي وقواعده ومعاييره المرتبطة به لا تزال قادرة على الصمود في وجه ضغوط غير مسبوقة، أم أنها تتآكل تدريجيًا، بما يفسح المجال لأشكال جديدة من الحوكمة العالمية ولنظام دولي بديل. وتطرّقوا إلى بروز مؤسسات جديدة، والقواعد والمعايير التي تتشكّل في إطارها، والفاعلين الرئيسين الذين يقودون صياغتها وانتشارها، سواء أكانوا قوى كبرى أم تحالفات من الجنوب العالمي أم فاعلين من غير الدول. وتمحور أحد المحاور المركزية حول شرعية هذه الأطر الناشئة وفاعليتها، وإذا ما كان النظام الدولي يتجه نحو نظام هجين تتعايش فيه المؤسسات القديمة والجديدة، أم نحو مزيد من التفكك وتنازع المعايير بما قد يسرّع العودة إلى سياسات القوة الخالصة.

واختُتمت أعمال المدرسة الشتوية بالتأكيد مجددًا على دورها بوصفها فضاءً نقديًا للحوار الأكاديمي المستدام، يوفّر للمشاركين بيئةً صارمة ومتعددة التخصصات للتفاعل مع النقاشات النظرية والإمبريقية الملحّة التي تشكّل ملامح السياسة العالمية المعاصرة.