عقد المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات في الدوحة، يومي 17 و18 أيار/ مايو 2026، ورشة عمل مغلقة بعنوان "الزبونية وعلاقات الدولة-المجتمع في العالم العربي: منظورات جديدة"، شارك فيها عدد من الباحثين المتخصصين في قضايا الدولة، والاقتصاد السياسي، والسلطوية، وشبكات الرعاية والوساطة السياسية في العالم العربي. وتناولت الورشة تحولات الزبونية في سياقات عربية متعددة، من خلال مقاربات نظرية ودراسات حالة قارنت بين تجارب الدولة الريعية، وحالات ما بعد الحرب، وسياقات الانتقال السياسي والانهيار المؤسسي.
ناقشت الورشة تحولات الزبونية في عدد من السياقات العربية، من الخليج والمغرب العربي إلى المشرق، ومن حالات الدولة الريعية والمؤسسية إلى حالات الحرب والانهيار والصراع. وسعت الأوراق المقدمة إلى تجاوز المقاربات التي تختزل الزبونية في الفساد أو تبادل المنافع المباشر، في اتجاه فهمها بوصفها بنية سياسية واجتماعية واقتصادية تتداخل مع تشكل الدولة، وإدارة الموارد، وإنتاج الشرعية، وتنظيم العلاقة بين السلطة والمجتمع.
استُهلّت أعمال اليوم الأول بجلسة ترأستها آيات حمدان، تناولت أنماط الزبونية في دول الخليج العربي. قدّم ستيفن هيرتوغ ورقة بعنوان "الزبونية وتشكل الدولة في دول مجلس التعاون الخليجي"، بيّن فيها أنّ الزبونية في دول المجلس شهدت تحولات عميقة منذ نشوء الدولة النفطية الحديثة، إذ انتقلت من أنماط شخصية ومباشرة من الرعاية الريعية إلى صيغ أكثر مؤسسية، من دون أن تختفي الروابط غير الرسمية، ولا سيما على مستوى النخب. ثم قدّم سعيد الهاشمي ورقة بعنوان "القبيلة والدولة في عُمان: مقاربة متعددة.. قبيلتوقراطية متجددة"، ناقش فيها العلاقة التاريخية والمعاصرة بين القبيلة والدولة في عُمان، معتبرًا أن دولة الريع أنتجت نسخة معاصرة من القبيلة تتلاءم مع وظائفها السياسية والاجتماعية. واختتم جاسم خنجي الجلسة بورقة بعنوان "الريعية وتقلص دائرتها الزبونية: المواطنة والسياسة والهوية في الكويت"، تناول فيها أثر الريع والزبونية في إعادة تشكيل المواطنة والهوية والانتماءات الاجتماعية في الكويت، ولا سيما في ظل تقلص دوائر التوزيع والرعاية.
وفي الجلسة الثانية، التي ترأستها عائشة البصري، انتقل النقاش إلى المغرب العربي. استهلّ عبد الكريم أمنكاي الجلسة بتقديم ملخص لورقة هانز فارنيكه-برغر ورشيد أوعيسى، المعنونة "الدولة والطبقة والريع في المغرب العربي: الزبونية والجانب المظلم للاستدامة"، ثم عقّب عليها، حيث بينت الورقة الصلات بين الريع والطبقة والدولة، وكيف تتيح شبكات الزبونية استمرار أنماط حكم تبدو مستقرة ظاهريًا، لكنها تنطوي على اختلالات بنيوية عميقة، حتى من الانتقال الى الطاقة المتجددة كبديل للطاقة الهايروكربونية. ثم قدّمت رانيا الشابي ورقتها "الزبونية السياسية في تونس بعد الثورة: الشبكات، التحولات، وتداعياتها على مسار الانتقال الديمقراطي"، وناقشت فيها الكيفية التي لم تؤدِّ بها الثورة التونسية إلى تفكيك الشبكات الزبونية، بقدر ما أتاحت لها إمكانات جديدة للتكيف ضمن سياق تعددي هش. واختتمت الجلسة بورقة زين الدين خرشي و نوري دريس، بعنوان "الزبونية السياسية، الدولة والمجتمع في الجزائر المعاصرة أو كيف يُهيكل الريع الحقل السياسي؟"، وتناولت دور الريع في تنظيم الحقل السياسي الجزائري وإعادة إنتاج علاقات الولاء والتبعية.
وتناولت الجلسة الثالثة من اليوم الأول، التي ترأّسها عبد الفتاح ماضي، الزبونية في سياقات الحرب والصراع. قدّم أحمد ناجي ورقة بعنوان "اليمن: من زبونية الدولة إلى زبونية الحرب"، ناقش فيها انتقال الزبونية السياسية في اليمن من نموذج مرتبط بالدولة المركزية إلى نموذج تشكل في سياق الحرب والانهيار المؤسسي بعد عام 2015، مقترحًا مفهوم "الراعي الفقير" أو "الراعي الوكيل" لفهم الفاعلين المحليين الذين ينتجون الولاءات اعتمادًا على موارد خارجية. ثم قدّم وولفرام ليتشر ورقة بعنوان "الشبكات الزبونية وترسيخ السلطة في سياق الصراع المتشظي في ليبيا"، أوضح فيها أن انهيار السلطة المركزية عام 2011 أعاد ترتيب شبكات الرعاية حول رعاة جدد، في ظل تحالفات متبدلة وسيولة في الولاءات، قبل أن تبدأ شبكات أكثر استقرارًا في التبلور تدريجيًا.
واستؤنفت أعمال الورشة في يومها الثاني بجلسة ترأستها لورا صياح، خصصت لحالات من المشرق العربي. قدم محمد بني سلامة، بالاشتراك مع عماد شدوح، ورقة بعنوان "الزبونية والدولة في الأردن"، تناولت الزبونية بوصفها إحدى السمات البنيوية التي رافقت تشكل الدولة الأردنية وتطورها السياسي والاقتصادي منذ تأسيسها، من خلال تحليل علاقات المقايضة بين الولاء السياسي وتوزيع المنافع والامتيازات. ثم قدّم باسل صلوخ ورقة بعنوان "الزبونية الجديدة في لبنان: بناء القاعدة الاجتماعية لنظام ما بعد الحرب"، أعاد فيها النظر في دراسة الزبونية في لبنان من خلال مفهوم "الزبونية الجديدة"، بوصفها صيغة نسقية تتجاوز التبادل المباشر بين النخب والأفراد، وتعمل على تشكيل قواعد اجتماعية كاملة تضمن إعادة إنتاج النظام الطائفي. واختتم طارق دعنا الجلسة بورقته "النيوباتريمونيالية ورأسمالية المحاسيب: نحو فهم بنيوي لنظام الحكم في السلطة الفلسطينية"، مجادلًا بأن ما يوصف عادة بالفساد أو سوء الإدارة في السلطة الفلسطينية يعكس نمط حكم متكاملًا يقوم على تداخل النيوباتريمونيالية ورأسمالية المحاسيب.
وفي الجلسة الثانية، التي ترأّسها مروان قبلان، قُدّمت ورقتان عن العراق وسورية. تناول حارث حسن، في ورقته "النيوباتريمونيالية المنظمة في العراق: الزبونية والريعية التنافسية بعد 2003"، تحولات الحكم في العراق بعد سقوط النظام السابق، وكيف أسهمت الريعية التنافسية وشبكات المحاصصة في إنتاج منظومة زبونية منظمة داخل مؤسسات الدولة. ثم قدّم كيفن مازور ومجد الدين صالح وعمار الشمايلة ورقة بعنوان "الرعائية بعد السقوط: تحوّل الزبونية في سورية المعاصرة"، بحثوا فيها تطور أنماط الرعاية والزبونية في سورية بعد سقوط نظام بشار الأسد، مبيّنين أن السلطات الجديدة اندمجت، إلى حد بعيد، داخل بنى زبونية قائمة، بدل إحداث قطيعة مؤسسية حاسمة معها.
واختتمت الجلسات العلمية بورقة نظرية وأخرى مفاهيمية في جلسة ترأستها ليلى عمر. قدّمت إيزابيل كوتش ورقة بعنوان "الزبونية والتغير المؤسسي: رؤى نظرية وتعميمات أولية"، سعت فيها إلى تقديم عرض منهجي للعلاقة المتناقضة بين الزبونية والتغير المؤسسي، مركزةً على الكيفية التي قد تتحول بها الزبونية إلى عائق أمام الإصلاح، أو تتراجع بفعل تغير السياقات المؤسسية. ثم قدّم هاني عواد ورقة بعنوان "فيبر بعد فيبر: نشوء الأنماط المثالية للسيطرة الشرعية وارتحالها وولادة ثنائية الدولة-النظام"، أعاد فيها قراءة الأصول التاريخية والمعيارية للأنماط الفيبرية للسيطرة الشرعية، وانتقالها إلى الدراسات المقارنة وخطاب الدولة في الجنوب العالمي، ولا سيما في المجال العربي. كما اختتمت الورشة بمناقشة عامة تناولت الخلاصات النظرية والمقارنة التي أتاحتها الأوراق.