تحليل سياسات 12 ديسمبر ، 2012

الأزمة المصريّة: مخاض الديمقراطيّة العسير

الكلمات المفتاحية

وحدة تحليل السياسات

هي الوحدة المكلفة في المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات بدراسة القضايا الراهنة في المنطقة العربية وتحليلها. تقوم الوحدة بإصدار منشورات تلتزم معايير علميةً رصينةً ضمن ثلاث سلسلات هي؛ تقدير موقف، وتحليل سياسات، وتقييم حالة. تهدف الوحدة إلى إنجاز تحليلات تلبي حاجة القراء من أكاديميين، وصنّاع قرار، ومن الجمهور العامّ في البلاد العربية وغيرها. يساهم في رفد الإنتاج العلمي لهذه الوحدة باحثون متخصصون من داخل المركز العربي وخارجه، وفقًا للقضية المطروحة للنقاش..

مقدمة

أصدر الرئيس المصريّ محمد مرسي في 22 تشرين الثاني / نوفمبر الماضي إعلانًا دستوريًّا تضمّن ستَّ موادّ، نصّت على إقالة النائب العامّ؛ وإعادة التحقيقات والمحاكمات في جرائم قتل المتظاهرين والشروع في قتلهم التي تورّط فيها كلّ من تولّى منصبًا سياسيًّا أو تنفيذيًّا في ظلّ النظام السابق؛ ومنع حلّ الجمعيّة التأسيسيّة ومجلس الشورى؛ وتحصين قرارات رئيس الجمهوريّة وجعلها نهائيّة ونافذة ولا يمكن طلب وقف تنفيذها أمام أيّ جهة قضائيّة.

أثار الإعلان الدستوريّ ما يشبه انتفاضةً حشدت لها أغلب تيّارات المعارضة تظاهرات يومَي الجمعة 23 تشرين الثاني / نوفمبر والثلاثاء 27 تشرين الثاني / نوفمبر، في عددٍ من ميادين مصر. وطالبت هذه القوى بإلغاء الإعلان الدستوريّ، واتّهمت الرئيس بـ"الديكتاتوريّة"، وقالت إنّه تحوّل إلى "فرعون جديد". وقوبلت انتفاضة المعارضة بتظاهراتٍ حاشدة مؤيّدة للرئيس المصريّ أمام جامعة القاهرة يوم السبت 1 كانون الأوّل /  ديسمبر. ودخلت البلاد في أزمةٍ سياسيّة طاحنة دفعت حالة الاستقطاب بين الإسلاميّين والعلمانيّين والتيّار المدنيّ واللبراليّين واليساريّين إلى أوجها. وإزاء المواقف الحدّية لبعض قوى المعارضة ورفضها دعوات الحوار كافّة، عمدت مؤسّسة الرئاسة إلى التقليل من أثر الإعلان الدستوريّ، وحثّت الجمعيّة التأسيسيّة على الإسراع في إنهاء مشروع الدستور، إذ إنّ هذا الإعلان يسقط حكمًا بإصدار الدستور بعد حصول الموافقة الشعبية عليه. ولذا، وحالما فرغت الجمعية التأسيسية من إعداد مشروع الدستور، سارع الرئيس مرسي إلى إحالته على الاستفتاء الشعبيّ بعد أسبوعين كما يقتضيه إعلان دستوري سابق، وحدّد تاريخ 15 كانون الأوّل / ديسمبر لإجراء الاستفتاء.

على إثر ذلك، قرّرت المعارضة التصعيد ونقلت التظاهرات إلى قصر الاتحاديّة يوم 4 كانون الأوّل / ديسمبر. وتطوّر التصعيد بعد ذلك إلى اشتباكات بالحجارة والأسلحة البيضاء والناريّة حول القصر، بعد أن أخذ بعض أنصار التيار الإسلاميّ على عاتقهم فضّ اعتصام المعارضة في اليوم التالي، ما نجم عنه اشتباكات بين الطرفين. وكانت حصيلتها سبعة قتلى ومئات الجرحى. وفي 5 كانون الأوّل / ديسمبر، دعا الرئيس المصريّ - في خطابٍ متلفز - قوى المعارضة إلى الحوار، وأعلن استعداده لتعديل الإعلان الدستوريّ، وبصفة خاصّة المادّة السادسة التي تنصّ على ما يلي: "لرئيس الجمهوريّة إذا قام خطرٌ يهدّد ثورة 25 يناير أو حياة الأمّة أو الوحدة الوطنيّة أو سلامة الوطن أو يعوق مؤسّسات الدولة عن أداء دورها، أن يتّخذ الإجراءات والتدابير الواجبة لمواجهة هذا الخطر على النحو الذي ينظّمه القانون". وعلى الرغم من أنّ هذه المادّة شكليّة، فإنّ غياب الثّقة بين القوى السياسيّة المصريّة جعلها مصدرًا للشكّ في نوايا الإخوان المسلمين من مثل هذه البنود.

لقد أظهرت ردود فعل مؤسّسة الرئاسة في التعامل مع الاحتجاجات ضدّ الإعلان الدستوريّ أنّها تفاجأت بحجم هذه الاحتجاجات ومدى اتّساعها الجغرافيّ. كما أنّ تيارات الإسلام السياسيّ من إخوان مسلمين ومجموعات أخرى تفاجأت هي أيضًا بأعداد المتظاهرين الذين احتجّوا على الإعلان الدستوريّ وصبّوا جامَ غضبهم على القوى الإسلاميّة. ولعلّ المفاجأة الأبرز، كانت هذا الاصطفاف شبه المنظّم لوسائل الإعلام المحليّة الخاصة ضدّ الرئيس مرسي ومؤيّديه وانتقالها من الخبر والتحليل إلى "التعبئة".

أدرك الرئيس المصريّ - كما اتّضح في خطابه المتلفز في 6 كانون الأوّل / ديسمبر الذي دعا فيه المعارضة إلى الحوار - أنّه والبلاد في مأزق، وأنّ المعارضة نجحت - بمساعدة وسائل الإعلام الخاصّة وتشكيلات نقابيّة مختلفة، إضافةً إلى طيفٍ واسعٍ من مؤسّسات المجتمع المدنيّ والحركات الاحتجاجيّة - في موضعة الرئيس في خانة التيّار الإسلاميّ حتّى وصل الأمر إلى استقالة أغلب مستشاريه من خارج هذا التيّار. وانتهى به الأمر إلى إلغاء الإعلان الدستوريّ وإصدار إعلانٍ جديد، بعد جلسة حوارٍ مطوّلة في يوم السبت 8 كانون الأوّل / ديسمبر، ضمّت عشرات الفقهاء الدستوريّين والشخصيّات العامّة وممثّلي بعض الأحزاب المعارضة. ولكن الإعلان الدستوريّ الجديد يُبقي على آثار الإعلان الملغى المتمثّلة في تعيين نائبٍ عامٍّ جديد. كما ثبَّت الإعلان الاستفتاء على الدستور في موعده، ونصّ على انتخاب جمعيّة تأسيسيّة جديدة في حال صوّت الناخبون ضدَّ الدستور، مطالبًا القوى السياسيّة المعارضة بتقديم مقترحاتها بخصوص الموادّ الخلافيّة في الدستور لوضعها في "وثيقة ملزمة" لتجري مناقشتها والتصويت عليها في مجلس الشعب الذي ينتخب  بعد إقرار الدستور.

تحاول هذه الورقة تحليل أبعاد الأزمة السياسيّة في مصر بدءًا بإلقاء الضّوء على الظروف السياسيّة التي كانت سببًا في إصدار الإعلان الدستوريّ الذي تسبّب في الأزمة، ومرورًا بخريطة القوى السياسيّة والاجتماعيّة المتصارعة، وصولًا إلى توقّع سيناريوهات انتهاء الأزمة.