العنوان هنا
تقييم حالة 13 يونيو ، 2022

الانتخابات الصومالية 2022: قراءة في نتائجها وتحديات الحكومة الجديدة

صهيب محمود

باحث مساعد في المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات.

انتُخِبَ حسن شيخ محمود رئيسًا جديدًا للصومال، في 15 أيار/ مايو 2022، عقب ثلاث جولات من الاقتراع اقتصرت على نواب غرفتَي البرلمان، وهما مجلس الشعب ومجلس الشيوخ. وحصل على 214 صوتًا من 328 في الجولة الثالثة أمام الرئيس المنتهية ولايته محمد عبد الله محمد فرماجو الذي حصل على 110 أصوات بينما حجب أحد النواب صوته وجرى إبطال ثلاثة أصوات أخرى[1]. وأدى الرئيس الجديد اليمين الدستورية عقب إعلان النتائج مباشرة. وبإعادة انتخاب حسن شيخ الذي شغل منصب الرئاسة سابقًا في المدة 2012-2017، يكون أول رئيس يشغل منصب رئيس الجمهورية مرتين.

المسار المؤدي إلى الانتخابات

شهد الصومال أول رئيس منتخب ديمقراطيًا، بانتخاب آدم عبد الله عثمان الذي قاد البلاد في المدة تموز/ يوليو 1960 – تموز/ يوليو 1967 وتنحى عن المنصب بعد خسارته الانتخابات الرئاسية حينها[2] ولم تُجر انتخابات مباشرة منذ ذلك الوقت في البلاد، فقد أطاح الجيش العملية الديمقراطية الوليدة بانقلاب عسكري قاده سياد بري عام 1969، الذي أدخل البلاد في قبضة حكم شمولي استمر 21 عامًا، وانتهى بسقوط البلد في أتون حرب أهلية مريرة ما زالت تعيش تداعياتها.

ورغم تعاقب حكومات انتقالية في الصومال منذ مؤتمر عرته في جيبوتي عام 2000، فإن عقد انتخابات مباشرة ظل أمرًا مستعصيًا، ويعود السبب الرئيس إلى اقتسام السلطة على أساس عشائري كما حدده مؤتمر عرته من خلال ما عُرف بصيغة 4.5، وتقسّم هذه الصيغة الحصص الأربع من مقاعد مجلس النواب والشيوخ على العشائر الأربع الكبرى في البلاد بالتساوي. وهذه العشائر هي دارود ودير وهويي وديجل وميريفلي (الرحانوين)، بينما تشمل المجموعة الخامسة جميع العشائر والإثنيات الأخرى المتبقية. وتضم المدغان واليبر والبانتو والجاريروين والحمروايين والبراوين والبنادريين، وتعطى نصف حصة. ومنذ انتهاء الفترات الانتقالية، وحصول الحكومة الفدرالية الصومالية على اعتراف دولي في عام 2012، أضحت مسألة عقد انتخابات مباشرة خطابًا يتكرر في المواسم الانتخابية، لكن، ظلت عدة عوائق سياسية وأمنية تقف أمام تحقّقه[3].

وقد خاض الرئيس المنتهية ولايته محمد عبدالله فرماجو السباق الانتخابي في عام 2016-2017 عبر انتخابات غير مباشرة، لكنه طرح قانونًا انتخابيًا على البرلمان في مطلع عام 2020، يؤسس حق الاقتراع العام، فواجه مقاومة شديدة من القوى السياسية المعارضة باعتباره محاولة للتشبث بالسلطة. ورأت أنه يراهن على التحديات الهائلة التي يطرحها نظام القانون الجديد، إضافة إلى العقبات التي فرضها وباء فيروس كورونا المستجد (كوفيد-19)، فضلًا عن الضعف المؤسسي في البلاد لاستمراره في الحكم[4].

استمرت هذه الخلافات ودخلت البلاد أزمة دستورية مع انتهاء ولاية الرئيس فرماجو في الثامن من شباط/ فبراير 2021، واتهمته المعارضة بالمماطلة في إجراء الانتخابات. وبلغت الأزمة ذروتها عندما حاول فرماجو تمديد مدته الدستورية عامين من البرلمان في نيسان/ أبريل 2021، لكن المعارضة خرجت إلى الشارع ضد هذا القرار، وجوبهت احتجاجاتها بالرصاص الحي، على نحو أدخل البلاد في أزمة سياسية حادة، وشكلت المعارضة تكتّل "مرشحي مجلس الرئاسة"، الذي يتكون من 14 عضوًا حاولوا تحريك الشارع ضد فرماجو[5]. وبالنتيجة، ما بدا خلال العقد الأخير من استقرار نسبي وتداول سلمي للسلطة في الصومال أضحى وضعًا هشًّا، وسيناريو الانهيار وعودة الحرب الأهلية أصبح أمرًا ممكنًا في أي وقت.

وقد تدخلت أطراف دولية عديدة لإنهاء الخلافات حول الانتخابات، ومارست ضغوطات مختلفة لإجراء الانتخابات الرئاسية، وهددت بوقف المساعدات الأجنبية. وبالفعل جُمّد برنامج صندوق النقد الدولي بقيمة 400 مليون دولار[6]، وفي النهاية أجبر هذا على توافق الحكومة الفدرالية وحكومات الولايات على البقاء بنظام "الانتخابات غير المباشرة" مع إدخال تعديلات عليه، حيث ينتخب أعضاء البرلمان مندوبون يختارهم نحو 14025 مندوبًا من شيوخ العشائر تعيّنهم الولايات الفدرالية: هيرشبيلي، جوبلاند، بونتلاند، غلمدوغ، جنوبي الغرب (وممثلين عن صوماليلاند يتم تسجيل أسمائهم في مقديشو). وهم بدورهم ينتخبون نواب مجلس الشعب، أما نواب مجلس الشيوخ فتعيّنهم الولايات الفدرالية الخمس عن طريق البرلمانات المحلية. وتخضع الانتخابات لإشراف ثلاث لجان انتخابية، هي: اللجنة الفدرالية، واللجان الانتخابية الجهوية على مستوى الولايات، ولجنة حل الخلافات. وبهذا انتُخب نواب المجلسَين بعد مسار انتخابي طويل تخللته خلافات سياسية استغرقت عدة شهور[7].

المتنافسون الرئيسون وبرامجهم الانتخابية

تنافس في الانتخابات الرئاسية الأخيرة 39 مترشحًا، وهذا يعكس زيادة كبيرة مقارنة بالسنوات السابقة؛ ففي انتخابات 2017 تنافس 24 مترشحًا. وفي هذه الانتخابات تصدّرت نفس الوجوه المألوفة في الطبقة السياسية الصومالية، فقد تنافس الرئيس المنتهية ولايته محمد عبد الله فرماجو مع رئيس وزرائه السابق حسن علي خيري واثنين من الرؤساء السابقين، هما حسن شيخ محمود وشريف شيخ أحمد إضافة إلى رئيس بونتلاند، سعيد عبدالله دني واسم نسائي واحد، هي فوزية يوسف حاجي آدم، وهي برلمانية شغلت سابقًا منصب وزيرة الخارجية في عام 2012[8].

غالبًا ما تستند عملية التنافس في الانتخابات الصومالية على الدعم العشائري المعلن، فحسابات الفوز السياسي تخضع في النهاية لمعادلة 4.5 (المحاصصة القبلية في المناصب السيادية)، وتقضي هذه الصيغة باختيار المقعدين الرئيسَين في الصومال (الرئيس ورئيس الوزراء) من عشيرتَي دارود أو الهوية فيما يشبه العرف السياسي. بينما يذهب منصب رئيس مجلس النواب إلى عشيرة رحانوين، في الوقت الذي يخصص رئيس مجلس النواب اسميًا لعشيرة دير. وتُستخدم هذه الصيغة أيضًا على نحو غير رسمي لاقتسام المناصب الوزارية ومكاتب الدولة.

بناء على هذا التقليد السياسي، لم يتنافس المترشحون على أساس أيّ تباينات في الرؤى والبرامج، وإنما حاولوا كسب دعم القاعدة العشائرية ومجموعات المصالح الناخبة. ويفسح غياب الاقتراع المباشر من الشعب لعوامل أخرى تؤدي دورًا حاسمًا؛ مثل المال السياسي لشراء أصوات أعضاء البرلمان بغرفتيه، والعلاقة برؤساء الولايات الذين كان لهم الدور الأساسي في إيصال المترشحين إلى البرلمان، بالاتفاق مع القائم بأعمال رئيس الوزراء، محمد حسين روبلي، عن طريق التدخل في تشكيل اللجان الانتخابية.

وقد تمحور برنامج الرئيس السابق فرماجو حول الاستمرار في الإصلاحات التي شرعت فيها إدارته في عام 2017، ومن بينها الوعد بتمرير مشروع حق الاقتراع العام إذا أعيد انتخابه. بينما تركز برنامج الرئيس الفائز حسن شيخ محمود على إصلاح العلاقات المشحونة بين الحكومة الفدرالية وحكومات الولايات. واستند برنامج الرئيس الأسبق شيخ شريف أحمد إلى إنهاء عملية المراجعة الدستورية في الصومال وحل معضلة "حركة الشباب"[9]. في حين وعد رئيس الوزراء الأسبق حسن علي خير بتصحيح أخطاء ارتكبها خلال فترة رئاسته للوزراء ورأب الانقسامات السياسية الرئيسة في الصومال. بينما ارتكز برنامج رئيس بونتلاند، سعيد عبد الله ديني على تعزيز المؤسسات القانونية وتأمين الحدود الوطنية. وقد استندت فوزية يوسف حاجي آدم المترشحة الوحيدة إلى تجربتها باعتبارها أول وزيرة خارجية ونائبة لرئيس الوزراء في الصومال. في المجمل، ظل الموضوع المشترك بين الحملات السياسية المختلفة هو الوعد بـإجراء "تغيير كبير" ورسم طريق جديد للمضيّ قدمًا.

يقع الصومال على قائمة أكثر دول العالم فسادًا. ويهيمن المال السياسي على المترشحين البرلمانيين. ومع ذلك، فإن هذه التكتيكات لا تتمكن دائمًا من تحديد هوية الفائز بالرئاسة. وقد أنفق المترشحون مبالغ مالية ضخمة، فضلًا عن تأثير الدول الأجنبية والضغط السياسي من المنظمات المحلية، التي أدّت دورًا في عملية الانتخاب من خلال تمويل حملات المترشحين[10].

نتائج غير مفاجئة

واجه الرئيس السابق فرماجو معركة صعبة لإعادة انتخابه. وصعّب من تنافسه دخوله في صراع على السلطة مع رئيس وزرائه، محمد حسين روبلي. لكنه تمكّن من الوصول إلى الجولة الثانية مع ثلاثة مترشحين آخرين. ثم انتقل المترشحان الأولان في الجولة الثانية إلى الجولة الثالثة، وصوَّت فيها أكثر من 165 برلمانيًا لصالح حسن شيخ محمود، أي أكثر من العدد المطلوب لهزيمة الرئيس السابق فرماجو، وأُعلن شيخ محمود رئيسًا في انتقال سلمي للسلطة بعد أن أقر الرئيس بالهزيمة وهنّأ خصمه[11].

تحديات الحكومة الجديدة

لهذه الانتخابات أهمية خاصة كونها تُخرج البلد من الاستقطاب الشديد الذي عاشه في الفترة الأخيرة. فقد ولّد مناخ عدم الثقة بين الأطراف والقوى السياسية في الولايات ومع المركز حالة من عدم اليقين، وأنتج اضطرابات سياسية عمّقت الشروخ الاجتماعية في البلاد، ورغم ذلك، فإن الرئيس الجديد يرث مجموعة من التحديات المتشعبة، تشمل الاقتصاد الهش والمستويات العالية من الفقر، وارتفاع معدلات البطالة بين فئات الشباب. كما ينتظر أن يركز على ضمان استمرار برنامج صندوق النقد الدولي للرفع من مستوى الوضع المعيشي للسكان. أضف إلى ذلك، سيتعيّن عليه نقل البلاد إلى انتخابات ديمقراطية مباشرة بعد أربع سنوات من الآن. وفي أول كلمة له أمام البرلمان، تعهّد حسن شيخ محمود بالعمل على تقريب المسافات بين الصوماليين، وبأنه سيقود البلاد وفق قوانينها ودستورها، معربًا عن سعيه لفرض استقرار سياسي يخدم مصلحة البلاد والمضي قدمًا.[12]

ويمكن حصر الملفات التي تنتظر الإدارة الجديدة فيما يلي:

1. الانتقال إلى انتخابات مباشرة

يُعدّ الانتقال من نموذج الانتخابات غير المباشرة من أبرز التحديات الملحّة أمام الرئيس الجديد، باعتبار النموذج الحالي عاملًا يهدد الاستقرار ويغرق البلد في صراعات عشائرية كما أثبتته الانتخابات الأخيرة التي يمكن عدّها من أكثر الانتخابات فسادًا، فقد جرى اختيار المقاعد البرلمانية انطلاقًا من ولاءات سياسية عبر حكومات الولايات الفدرالية أو عبر الحكومة المركزية بطريقة تخالف الدستور، أو "بيعت بالمزاد"، كما وصفها السفير الأميركي في الصومال[13]. ودفعت هذه الانتخابات الفوضوية البلاد إلى حافة الانفجار. لذا يعتبر الانتقال إلى التوصل إلى نظام اقتراع مباشر حلًا لهذا المأزق السياسي والنظامي، وهو مطلب نصّ الدستور الصومالي على تطبيقه[14] في الانتخابات المنتهية، والتي كان من المفترض عقدها في عام 2020، وتملّص من تنفيذها الرئيس السابق فرماجو. وللوصول إلى نظام الاقتراع الحرّ المباشر يتعين على الرئيس الجديد إجراء إحصاء عامّ للسكان، وتسلّم الملف الأمني من البعثة الأفريقية[15]، وتأسيس محكمة دستورية، واستكمال صياغة الدستور وطرحه للاستفتاء العام.

2. التهديدات الإرهابية

تُعتبر المواجهة مع حركة الشباب المرتبطة بتنظيم القاعدة والتي تسيطر على أجزاء كبيرة من البلاد وتشن هجمات متكررة على العاصمة واحدًا من أكبر التحدّيات التي تنتظر الحكومة الصومالية المقبلة. واختبرت في الأشهر الأخيرة حركة الشباب على نحو متكرر دفاعات "معسكر حلاني" العسكري المحمي من قوات حفظ السلام التابعة للاتحاد الأفريقي والذي اجتمعت فيه غرفتا البرلمان لانتخاب الرئيس، وحتى في أثناء انعقاد الانتخابات الأخيرة أبلغ عن سماع أصوات انفجارات قريبة من مقر عملية الاقتراع. واستغلت الحركة حالة عدم الاستقرار السياسي والانقسامات المريرة في صفوف القوى الأمنية لتعزيز نفوذها. وتسيطر الآن على معظم مناطق الصومال الجنوبية عبر جمع الضرائب والتجنيد القسري وتنفيذ تفجيرات انتحارية. ويلجأ بعض الصوماليين إلى حركة الشباب ليحصلوا على الخدمات التي تقدّمها الحركة في الأراضي التي تفرض السيطرة عليها، حيث يسافر الكثيرون في مقديشو بانتظام إلى مناطق تبعد عشرات الأميال شمال المدينة لسماع قضاياهم في المحاكم المتنقلة التي تديرها حركة الشباب[16].

3. الوضع الاقتصادي والإنساني

يُعدّ الجفاف من أبرز التحدّيات التي تواجه شيخ محمود في ولايته الجديدة. ووفق تقديرات الأمم المتحدة يشهد الصومال أسوأ موجة جفاف يمر بها منذ 40 عامًا، ويهدد 3.5 ملايين مواطن بالمجاعة[17]. كما أشارت تقارير المنظمات الإنسانية[18] إلى نفوق نحو 700 ألف من الماشية في غضون شهرين فقط بسبب الجفاف. ويصبح تأثير الأزمة في العائلات أشد حدة بفعل تدهور الوضع الأمني، وانتشار الجراد الصحراوي، وارتفاع أسعار المواد الغذائية، وانخفاض التحويلات المالية من الخارج. علاوة على هذا، يعاني الصومال أزمة ارتفاع أسعار الوقود والغذاء، وهي أزمة تفاقمت إلى حد بعيد نتيجة الحرب الروسية على أوكرانيا. ويعاني أيضًا أزمات اضطراب الأوضاع الأمنية والفساد وغياب المساءلة والشفافية التي يُنتظر أن يقطع الرئيس الجديد أشواطًا في معالجتها.

4. سياسة خارجية مغايرة

من المحتمل أن تشهد سياسة الصومال الخارجية تحوّلًا في عدة ملفات إقليمية، أبرزها موقف الصومال من الصراع الإثيوبي الداخلي، إذ أفادت تقارير أممية بأن الرئيس السابق فرماجو أرسل قوات إلى إثيوبيا للمشاركة في حرب التيغراي[19]، إلى جانب حكومة آبي أحمد. وقد عُرف بتحالف الرئيس السابق الوثيق مع نظامَي أسمرة وأديس أبابا، ومن المتوقع أن يغير الرئيس الجديد هذا النهج. وفي دلالة على هذا الاتجاه، هنّأ رئيس تيغراي ديبريتسيون جبريمايكل حسن شيخ محمود بالفوز وأعرب عن "استعداده للتعاون في تحقيق الاستقرار الشامل للمنطقة، بناء على العلاقات الممتازة الموجودة مسبقًا"[20]. وكان قد حضر الرئيس الجديد شيخ محمود الذكرى الأربعين لتأسيس جبهة تحرير تيغراي الشعبية في أديس أبابا في عام 2015 عندما كان رئيسًا. كما كتب أحد قادة التيغراي غيتاتشو رضا في تغريدة على موقع تويتر عن الانتخابات الصومالية إن "طموح أسياس الفرعوني في القرن الأفريقي يتفكك بلا ريب"[21]. أما الموقف الإثيوبي الرسمي فعبّر عنه آبي أحمد بالتطلع إلى العمل عن كثب مع القيادة الصومالية الجديدة "بشأن المصالح الثنائية والإقليمية المشتركة"[22].

كما لقيت هزيمة فرماجو ترحيبًا في كينيا، التي اشتبكت مع إدارته بشأن حقوق المربعات النفطية[23] في التعامل مع حركة الشباب. ينطبق الأمر نفسه على الإمارات العربية المتحدة التي شهدت علاقتها مع الصومال توترًا حادًا بسبب الاستقطاب الذي كان قائمًا إبان الأزمة الخليجية[24]، وموقف الإمارات المساند لصوماليلاند، وقضية الأموال الإماراتية المحتجزة، التي تقدَّر بـ 9.6 ملايين دولار كانت السلطات الأمنية الصومالية صادرتها في عام 2018، ووفقًا لمصادر حكومية، كان الهدف من ذلك التأثير في تصويت بحجب الثقة عن رئيس مجلس النواب الذي كان في صراع على السلطة مع السلطة التنفيذية (الرئيس، ورئيس الوزراء). وفي النهاية، تمّت إطاحة رئيس البرلمان، وانتهى الأمر بإيداع المال في حساب الحكومة في البنك المركزي[25]. وقد بادر الرئيس الجديد بإعادتها إلى الإمارات. وهو ملمح يشير إلى تحسّن قد يطرأ على العلاقات الإماراتية - الصومالية تحت حكم محمود، ومن المتوقع أن تستمر علاقة الصومال بتركيا وجيبوتي والدول الحليفة التي تربطها العلاقات الاستراتيجية على نحو طبيعي.

ويتوقع أن تشهد علاقات الصومال بالشركاء الغربيين انفراجة أيضًا. وبالفعل، فقد أعلن صندوق النقد الدولي عن استئناف منحة 400 مليون دولار التي كانت مقدّمة للصومال[26]. وأشار وزير الخارجية الأميركي أنتوني بلينكن، في بيان، إنه "مع إجراء العملية الانتخابية، أمام الصومال الآن فرصة للتركيز على الإصلاحات السياسية والاقتصادية والأمنية اللازمة لتعزيز مصالح الشعب الصومالي". وقرّر الرئيس الأميركي جو بايدن إرسال قوات العمليات الخاصة إلى الصومال لإحياء مهمة مكافحة الإرهاب التي أنهتها إدارة دونالد ترامب، وترتبط الخطوة الأميركية بإطار مواجهة أوسع صراع على النفوذ مع الصين وروسيا، إضافة إلى المخاطر التقليدية المرتبطة بالإرهاب وعمليات القرصنة البحرية عند مدخل البحر الأحمر[27].

5. ملف صوماليلاند

من الملفات المهمة أمام الرئيس الجديد حلحلة ملف صوماليلاند، ومع أنه ليس من الوارد أن يشهد هذا الملف تحولًا ملحوظًا ما لم تطرأ تغيرات في المواقف الدولية والإقليمية، خصوصًا بالنظر إلى تأثيرات الصراع الصيني الأميركي في القرن الأفريقي[28]، فمن المحتمل أن تعود المفاوضات المتوقفة أثناء فترة رئاسة الرئيس السابق، أو أن يتدخّل أحد الوسطاء بالخروج من حالة الجمود في علاقة الطرفين. وقد اتخذ الرئيس الجديد في مقديشو خطوة في هذا الاتجاه بتعيينه الرئيس الأسبق شريف شيخ أحمد مبعوثًا خاصًا للمفاوضات بين مقديشو وحكومة صوماليلاند. وهي خطوة تُعدّ الأولى من نوعها. ويمكن أن تدفع وساطة قطرية في اتجاه حلحلة هذا الإشكال المستعصي منذ ثلاثة عقود بحسب ما رشح عن زيارة وفد قطري برئاسة المبعوث الخاص لوزير الخارجية القطري لمكافحة الإرهاب وحلّ النزاعات، مطلق بن ماجد القحطاني إلى صوماليلاند في عام 2021[29]، وطرح في حينه ملف وساطة قطرية بين الطرفين[30]، وقد توقفت المفاوضات في جيبوتي في 14 حزيران/ يونيو 2020 بسبب تمسك الطرفين بمواقفهما[31].

خاتمة

يضع إجراء الانتخابات الرئاسية نهايةً لمسارٍ انتخابي طويل استمر منذ أواخر عام 2020، على نحوٍ كان قد وضع البلاد على حافة الانفجار. ورغم التعقيدات الإجرائية والفنية والسياسية للنظام الانتخابي الصومالي، فإنّ نجاح العملية الانتخابية جنّب البلاد أزمة سياسية حادّة كان يمكن أن تقود إلى صراعات جديدة، ويحتاج الرئيس الجديد إلى وضع دستور جديد وإصلاح الاقتصاد والتعامل مع تحدي تغير المناخ وفتح حوار مع صوماليلاند، واتباع سياسة خارجية متوازنة؛ حتى يمكن تعزيز الاستقرار والتنمية والدفع نحو تحول ديمقراطي كامل.


[1] Mohamud Ali, “Somalia's New President Elected by 327 People,” BBC News, 15/5/2022, accessed on 29/5/2022, at: https://bbc.in/3xwUtrQ

[2] ينظر:

Abdi Ismail Samatar, Africa’s First Democrats: Somalia’s Aden A. Osman and Abdirazak H. Hussen (Bloomington/ Indianapolis: Indiana University Press, 2016).

[3] Gokhan Kavak, “Somalia Aims to Overcome Political Crisis with Clan-Based Electoral System,” Anadolu Agency, 3/1/2022, accessed on 29/5/2022, at: https://bit.ly/3GvJTEj

[4] صهيب محمود، "الانتخابات الصومالية 2021: تداعيات التأجيل ورهاناته"، تقييم حالة، المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 16/2/2021، شوهد في 29/5/2022، في: https://bit.ly/3z5Ss7g

[5] “Golaha Midowga Musharaxiinta oo Farriin u Diray Madaxwayne Farmaajom,” BBC Somali, 1/5/2021, accessed on 9/6/2022, at: https://bbc.in/3xcwmgC

[6] “Exclusive: Voting Delays Risk Starving Somalia of Budget Funds, Says IMF,” Reuters, 18/2/2022, accessed on 9/6/2022, at: https://reut.rs/3HdZw3x

[7] “Somalia: Parliament Elects New Speaker after Security Standoff,” Aljazeera, 28/4/2022, accessed on 9/6/2022, at: https://bit.ly/3zw5mLN

[8] صهيب محمود، "الصومال.. انتخابات من أجل الانتخابات"، ألترا صوت، 15/5/2022، شوهد في 29/5/2022، في: https://bit.ly/3Gs4MjM

[9] حركة الشباب حركة "جهادية" تابعة لتنظيم القاعدة، وتقاتل من أجل فرض الشريعة الإسلامية. ظهرت أول مرة جزءًا من اتحاد المحاكم الإسلامية الذي فرض سيطرته على معظم مناطق وسط الصومال وجنوبه في مطلع عام 2006، لكن سرعان ما أعلن الجناح الشبابي في المحاكم نفسه منظمة مستقلة في آب/ أغسطس من العام ذاته. ومع تفكّك اتحاد المحاكم إبان الغزو الإثيوبي، ظهرت حركة الشباب قوةً مقاومة وحيدة متبقية ضدّ الاحتلال الأجنبي، وبين عشية وضحاها، انتقلت الحركة من كونها جزءًا صغيرًا من الحراك الإسلامي، من أجل "تحرير" الصومال، إلى طليعة ذلك الحراك. للمزيد عن الحركة ينظر: صهيب عبد الرحمن، "’داخل حركة الشباب‘.. التاريخ السرّي لأقوى حليف للقاعدة"، حفريات، 2/2/2019، شوهد في 29/5/2022، في: https://bit.ly/3xer8B7

[10] محمود علي، "ما أهمية الانتخابات الصومالية لدول الخليج، وما حجم تدخلاتها فيها؟"، بيبي سي نيوز عربي، 16/5/2022، شوهد في 29/5/2022، في: https://bbc.in/3z5KJ9a

[11] Abdi Sheikh, “Ex-Somali Leader Mohamud Wins Presidency to Face War and Drought,” Reuters, 16/5/2022, accessed on 29/5/2022, at: https://reut.rs/3t4akLQ

[12] “Somalia Elects Hassan Sheikh Mohamud as New President,” YouTube, 16/5/2022, accessed on 9/6/2022, at: https://bit.ly/3O5iTOm

[13] “Presidential Election in Somalia: Corrupt Indirect Voting to Hit Prospects for Positive Change,” Democracy, Robert Lansing Institute, 19/5/2022, accessed on 29/5/2022, at: https://bit.ly/38TOtQc

[14] المادة 47 من الدستور الصومالي، والتي تحدد اللوائح المتعلقة بالأحزاب السياسية وتسجيلها والانتخابات على مستوى الحكومة الاتحادية والمحلية، ينظر:

“Somalia’s Constitution of 2012,” Constitute project.org (April 2022), accessed on 10/6/2022, at: https://bit.ly/3xztxI0

[15] تبنّى الاتحاد الأفريقي في عام 2007 دعم الحكومات الصومالية عبر تشكيل قوة حفظ السلام الأفريقية من أوغندا وبوروندي وكينيا وجيبوتي، إضافة إلى قوات إثيوبية فضلت العمل على نحو مستقل في سياق عمل عسكري أفضى في نهاية المطاف إلى طرد حركة "الشباب المجاهدين" من بعض المدن الكبرى بما فيها العاصمة مقديشو. واعتمد مجلس السلم والأمن التابع للاتحاد الأفريقي قرارًا بإعادة تشكيل بعثته العسكرية، في 8 آذار/ مارس 2022، تحت اسم بعثة الاتحاد الأفريقي الانتقالية في الصومال (أتميس) (African Union Transition Mission in Somalia (ATMIS)، في إطار سعي لتمديد عمليات البعثة في الصومال.

[16] Abdi Latif Dahir, “Somalia Elects New President, but Terrorists Hold True Power,” TheNew York Times, 17/5/2022, accessed on 29/5/2022, at: https://nyti.ms/3t3exiI

[17] Margaret Besheer, “UN: Without Action, Famine Looms for Somalia,” VOA, 7/6/2022, accessed on 12/6/2022, at: https://bit.ly/3aRvOFx

[18] Binyam Woldetsdaik Gebru, “Millions Affected as Fresh Climate Crisis Displace Children and their Parents in Somalia,” Save The Children, 16/12/2021, accessed on 29/5/2022, at: https://bit.ly/3tqznst

[19] “UN Report Says Somali Army Participated in Tigray War,” RFI, 9/6/2021, accessed on 29/5/2022, at: https://bit.ly/3wUs4eY

[20] Simon Marks, “Power Play Shifts in Horn of Africa as Somalia Elects New Leader,” Bloomberg, 17/5/2022, accessed on 29/5/2022, at: https://bloom.bg/3a4tB94

[21] Ibid.

[22] Ibid.

[23] دخلت الصومال وكينيا خلافًا حول مربعات على الحدود البحرية، وتطور في بعض الأحيان إلى حدّ قطع العلاقات الدبلوماسية بين البلدين، ورفعت الصومال القضية إلى محكمة العدل الدولية في عام 2014، وقضت المحكمة بعد سبع سنوات من المداولات في تشرين الأول/ أكتوبر 2021 بمنح الصومال الهيمنة على الجزء الأكبر من منطقة في المحيط الهندي، إذ أعلنت المحكمة أنه لا توجد "حدود بحرية متفق عليها" ووضعت حدودًا جديدة أقرب إلى تلك التي تطالب بها مقديشو.

[24] Marks.

[25] “Somalia Releases Nearly $10M Seized from UAE Plane Four Years Ago,” VOA, 19/5/2022, accessed on 29/5/2022, at: https://bit.ly/3tqU1ZR

[26] “IMF Extends Financial Support for Somalia to August,” CNBC Africa, 20/5/2022, accessed on 29/5/2022, at: https://bit.ly/3x22Dai

[27] Charlie Savage & Eric Schmitt, “Biden Approves Plan to Redeploy Several Hundred Ground Forces into Somalia,” The New York Times, 16/5/2022, accessed on 29/5/2022, at: https://nyti.ms/3PPo9Hx

[28] صهيب محمود، "آفاقٌ جديدة لمسألة صوماللاند"، ألترا صوت، 16/3/2022، شوهد في 29/5/2022، في: https://bit.ly/3GtPKKc

[29] “Qatar Offers to Mediate Somalia – Somaliland Talks,” The Taiwan Times, 10/5/2021, accessed on 10/6/2022, at: https://bit.ly/3lQ5f5T

[30] “Special Envoy of the Minister of Foreign Affairs Visits Somaliland,” QNA, 4/5/2021, accessed on 29/5/2022, at: https://bit.ly/3LVGwHF

[31] "مسار المفاوضات بين إقليم صوماليلاند والحكومة الفدرالية: فرص النجاح والفشل"، تقدير موقف، المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 30/6/2020، شوهد في 29/5/2022، في: https://bit.ly/3z6wT6u