العنوان هنا
تقييم حالة 16 فبراير ، 2021

الانتخابات الصومالية 2021: تداعيات التأجيل ورهاناته

الكلمات المفتاحية

صهيب محمود

باحث مساعد في المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات.

مقدمة

يقف الصومال على مشارف الانتخابات البرلمانية والرئاسية، وسط انقسامات داخلية حادة بين الحكومة والمعارضة، ممثلة بالولايات الفدرالية واتحاد المترشحين. وكان مقررًا البدء بإجراء انتخابات البرلمان، بمجلسيه: النواب والشيوخ، في تشرين الثاني/ نوفمبر 2020، بحسب الدستور، لكنها تأخرت عدة أشهر، وهو ما انعكس على تأجيل الانتخابات الرئاسية عن موعدها الدستوري.

ويضغط المجتمع الدولي على الحكومة والمعارضة، للتوصل إلى اتفاق سياسي، وتفادي تأجيل الانتخابات من جانب واحد. وبالنظر إلى انتهاء فترة الرئيس محمد عبد الله فرماجو الدستورية، من الوارد أن يتم تأجيل الانتخابات شهورًا عدة، ويمثل هذا السيناريو تهديدًا لاستقرار الصومال، ما لم يحدث توافق سياسي شامل؛ إذ من المحتمل أن يواجه البلد فراغًا دستوريًا، في ظل غياب آلية قانونية تمكّن الحكومة الحالية من الاستمرار في الحكم بعد انتهاء ولايتها في 8 شباط/ فبراير 2021.

مسار الانتخابات الصومالية

وافق شهر كانون الثاني/ يناير 2021 ذكرى مرور ثلاثين عامًا على سقوط الحكومة المركزية في الصومال (26 كانون الثاني/ يناير 1991)[1]، وبعد هروب الرئيس محمد سياد بري (1969-1991) سيطرت جبهات مسلحة مختلفة على العاصمة، وغرقت البلاد في فوضى أمنية وسياسية عنيفة، استمرت عقدًا كاملًا، قبل أن يُنصَّب عبد القاسم صلاد رئيسًا للحكومة الوطنية الانتقالية في مؤتمر "عرته" في جيبوتي في عام 2000. ومنذ ذلك الحين، حافظ الصومال على مسار تداولي للسلطة بين الرؤساء المنتخبين من برلمان يُشكَّل وفق قاعدة محاصصة عشائرية، تعرف بصيغة 4.5؛ وتقسّم هذه الصيغة الحصص الأربع من مقاعد مجلس النواب والشيوخ على العشائر الأربع الكبرى في البلاد بالتساوي، مع منح بقية العشائر الصغيرة نصف حصة. وكان من المأمول الخروج من هذه الصيغة بانتهاء مرحلة الحكومات الانتقالية في البلاد.

وعلى الرغم من اختيار أول حكومة رسمية للصومال، معترف بها دوليًا، في عام 2012، فإن نظام الانتخابات غير المباشرة استمر على حاله، وفتح هذا النظام الباب واسعًا للتلاعب الانتخابي وتغييب بعض المترشحين[2]، وشراء الأصوات[3]. لذلك تحاول مجموعة شركاء الصومال الدولية - وهي الدول المانحة والممولة لعملية الانتخابات - الضغط على الحكومات الصومالية، للتحرك نحو نظام الاقتراع المباشر.

وقد خاض الرئيس فرماجو حملته الانتخابية في عام 2016 بوعود إيصال البلاد إلى انتخابات "صوت واحد شخص واحد". لكنه لم يحقق شيئًا يذكر من هذه الوعود. غير أنه وقّع في شباط/ فبراير 2020، على قانون انتخابي جديد يؤسس حق الاقتراع العام[4]. لكنه واجه مقاومة شديدة من بعض الولايات الفدرالية، إضافة إلى الأحزاب السياسية التي اعتبرتها آلية تسمح للحكومة بتمديد مدتها؛ إذ جاء القرار في الأشهر الأخيرة من ولاية الرئيس فرماجو، ورأت المعارضة أن طرح الرئيس للاقتراع العام في هذا التوقيت تحركه حسابات سياسية خاصة، وأنه يراهن على التحديات الفنية الهائلة التي يطرحها النظام الجديد، إضافة إلى العقبات التي يفرضها الضعف المؤسسي، ووباء فيروس كورونا المستجد (كوفيد-19)، ووجود حركة الشباب الصومالية في أجزاء من البلاد. وفسروا ذلك بأن ثغرات قانون الانتخاب المباشر توفر للحكومة ذرائع للبقاء في السلطة فترة إضافية.

ونتيجة لرفض المعارضة، تراجع الرئيس فرماجو عن نظام الانتخابات المباشرة. وبعد أزمة سياسية، توصل الشركاء السياسيون إلى اتفاق سياسي وصف بالتاريخي، في أيلول/ سبتمبر[5]، صاغ الخطوط العريضة لإطار الانتخابات المقبلة، ونص على العودة إلى نظام التصويت غير المباشر، مع بعض التعديلات، وألغى فكرة التحول إلى نموذج انتخابي جديد؛ وهذا ما كان يمثّل محور توجّس المعارضة.

ويقوم النظام الانتخابي في اتفاقية أيلول/ سبتمبر على اختيار أعضاء مجلس النواب البالغ عددهم 275 من المندوبين المعينين من شيوخ العشائر، وفق قاعدة 4.5. لكنه يضاعف أعداد المندوبين إلى 101 لكل عضو في مجلس النواب، بينما سيزداد عدد مراكز التصويت لكل ولاية فدرالية من مدينة واحدة إلى اثنتين[6]، وستختار المجالس البرلمانية للولايات أعضاء مجلس الشيوخ البالغ عددهم 54 عضوًا، على أن يُنتخب رئيس الجمهورية من مجلسَي البرلمان مجتمعَين. كما نصّت الاتفاقية على تشكيل لجنة انتخابية فدرالية جديدة، ولجان انتخابية منفصلة لكل ولاية من الولايات الأعضاء.

النقاط الخلافية في النموذج الانتخابي

على الرغم من أهمية هذا الاتفاق السياسي الذي توصل به الشركاء السياسيون، في أيلول/ سبتمبر، إلى النظام الانتخابي، فإنهم تأخروا عن تنفيذ مخرجاته، ومن ثم تأخرت عملية بدء تسجيل المندوبين عدة أشهر إضافية، وهو الأمر الذي يوثر في جدول انتخاب رئيس الجمهورية؛ ويعود ذلك إلى الخلاف القائم على عدة بنود في الاتفاق، يمكن إجمالها بالآتي:

1. الجدول الانتخابي

يمثل الجدول الزمني التحدي الأبرز في النموذج الانتخابي الحالي؛ فكما سلفت الإشارة، أُجِّل موعد الانتخابات التشريعية عن استحقاقه الدستوري (تشرين الثاني/ نوفمبر 2020). ولا يزال هناك قدر كبير من العمل التحضيري والفني الذي يتعين القيام به[7]. وتأخرت الحكومة عن إنشاء اللجنة الانتخابية الفدرالية أسبوعين من الموعد النهائي في 20 تشرين الأول/ أكتوبر، وتأخرت بعض الولايات طويلًا عن تعيين اللجان الانتخابية الإقليمية الخاصة بها؛ فقد أعلنت كل من بونتلاند وجوبلاند في 28 كانون الثاني/ يناير 2021 قائمة اللجنة[8]. لكن الحكومة اعترضت على تعيينهما؛ الأمر الذي يفتح الباب أمام مزيد من التأجيل[9]. ويعود ذلك إلى انعدام الثقة، من المعارضة في المقام الأول، بين قادة من ولايات، مثل بونتلاند وجوبلاند وحكومة مقديشو، إلى جانب بعض الأحزاب السياسية والقوى العشائرية.

2. لجنة الانتخابات

تبدي المعارضة عدم ثقتها بلجنة الانتخابات الوطنية التي عيّنتها الحكومة، وتراها موالية لأجهزة الدولة الأمنية؛ فأصدر اتحاد المرشحين بيانًا يدعو فيه إلى حلّ اللجنة، ويهدد بإجراء انتخابات موازية للانتخابات الوطنية[10].

مقاعد صوماليلاند

من البنود الخلافية كذلك، بين الحكومة والمعارضة، مقاعد صوماليلاند (وهو كيان منفصل عن الصومال)، وتقترح الحكومة في هذا السياق إجراء انتخابات في مقديشو، تجمع السياسيين المنحدرين من صوماليلاند المقيمين في العاصمة. لكن الخلاف بين المعارضة والحكومة هو كيفية اختيار مندوبي صوماليلاند؛ فالمعارضة ترى أن الحكومة تريد تنصيب موالين لها، وأعضاء في الحكومة، ليختاروا ممثلي صوماليلاند في البرلمان، بمجلسيه، وعددهم 57 عضوًا، وسيكون لديهم بعدئذ دور حاسم في تحديد هوية المرشح الفائز.

3. إقليم غدو

تتمثل النقطة الخلافية الأخرى بين الحكومة وولاية إقليم جوبلاند بـ 16 مقعدًا في إقليم غدو، وهو خلاف أدى إلى مواجهة عسكرية في الإقليم، فقد نشرت الحكومة الفدرالية وحدات أمنية، وعينت مسؤولين محليين موالين لها فيه[11]. وتتركز نقطة الخلاف في أن الحكومة تريد إبقاء تلك المقاعد في مدينة غربهاري التي تسيطر عليها، في حين يرفض قادة الإقليم ذلك ما لم تُنقل سلطة المدينة إليهم. ومن المحتمل أن يتطور الوضع، في ظل إصرار رئيس الإقليم، أحمد مادوبي، على مغادرة القوات الفدرالية، ورفض الحكومة الاتحادية ذلك؛ وهي أوضاع قد تقود إلى اتساع المواجهات بين الطرفين.

أبرز القوى المتنافسة

تتباين رؤى القوى المتنافسة في المشهد الانتخابي الصومالي على أسس عشائرية ومناطقية في المقام الأول، أكثر من كونها اختلافات في الرؤى والتوجهات؛ ذلك أن البرامج السياسية والاقتصادية والأمنية للمترشحين تتشابه إلى حد التطابق، فجميعها يركز على مقولات بناء مؤسسات البلاد، وبناء جيش صومالي وطني، واستكمال الفدرالية نظامًا سياسيًا في الصومال، وإجراء محادثات مع صوماليلاند، ويتمحور كل الاستقطاب والتجاذبات الجارية حاليًا حول سيطرة المناصب السياسية، بوصفها ريعًا يجب تقسيمه بين العشائر[12].

ويمكن تصنيف القوى المتنافسة في المشهد الانتخابي الحالي إلى أربعة تيارات رئيسة: تيار الحكومة وأنصارها من الولايات، وتيار الأقاليم المعارضة، وتيار الأحزاب السياسية، وتيار المرشحين المستقلين.

1. تيار النظام الحاكم وحلفائه

يُعدّ الرئيس الحالي، فرماجو، من المرشحين البارزين في الانتخابات الرئاسية، وحظوظه في ازدياد؛ بالنظر إلى أن اللجنة الانتخابية المشكلة من حكومته، وكذلك نجاحه في تنصيب حلفاء له في رئاسة ثلاث ولايات من خمس ولايات فدرالية، بدءًا من ولاية "جنوب غرب الصومال" في عام 2018، وولاية "غالمودوغ" في شباط/ فبراير 2020، وولاية "هيرشابيلي" في تشرين الثاني/ نوفمبر 2020، إضافة إلى عزمه على تنظيم الانتخابات الخاصة بصوماليلاند في مقديشو بإشراف لجنة مشكلة من حكومته، وتخصيص 13 مقعدًا لمنطقة "بنادر" التي يراهن على أصواتها، وكل هذا من شأنه أن يرجح فرص إعادة انتخابه.

2. تيار الولايات الفدرالية المعارضة

تعدُّ حكومات الأقاليم الفدرالية قوّة سياسية معارضة للحكومة المركزية الاتحادية وسياساتها؛ إذ عادة ما تعارضها في المواقف السياسية والقانونية المتعلّقة بنوعية النظام الفدرالي الذي تنتهجه الصومال، ومدى التزامها بالصلاحيات السياسية والاقتصادية والدستورية التي يكفلها الدستور لإدارة الولاية الفدرالية، وطبيعة العلاقات المنظمة للتعاون بين الحكومة المركزية والولايات الفدرالية. وأهم ولايتين معارضتين هما جوبلاند وبونتلاند. وترى هاتان الولايتان في الانتخابات الوطنية فرصة لإحباط حملة الرئيس فرماجو لإعادة انتخابه. ومن المرجح أن يصوت ممثلو الإقليمين في البرلمان لأحد منافسي فرماجو، لكن غياب اسم متفق عليه بينهما يقلل من حظوظهما في الإطاحة به.

3. تيار الأحزاب السياسية

تأسست أحزاب سياسية كثيرة في الصومال، عقب انتهاء فترة الحكومات الصومالية الانتقالية التي تعاقبت على إدارة البلاد، في الفترة 2000-2012. وعلى الرغم من أنها صُممت أساسًا لتكون نواة نظام بديل للمحاصصة العشائرية في اقتسام السلطة، فإن كثيرًا من المراقبين يؤكدون أنها لم تتحرر كليًا من إملاءات الانتماءات العشائرية وتعقيداتها. ثمّ إن الأحزاب السياسية المعارضة في الصومال متفاوتة في مستويات حظوظها، لكن أقوى تلك الأحزاب: حزب الاتحاد من أجل السلام ومرشحه الرئيس السابق حسن الشيخ محمود (2012-2016)؛ وحزب "هميلو قرن" ويتزعمه الرئيس الأسبق شريف الشيخ أحمد (2009-2012)؛ وحزب "وذجر" بزعامة السياسي البارز عبد الرحمن عبد الشكور.

4. تيار المستقلين

في الصومال تيار قوي من السياسيين المستقلين، لا ينتمون في الوقت الحالي إلى أي من الأحزاب السياسية الموجودة في الساحة، لكنهم في الوقت نفسه يسعون للمشاركة في السباق الانتخابي.

دور العامل الخارجي

تؤدي القوى الإقليمية والدولية دورًا محوريًا في تقرير مسار الانتخابات الصومالية. لكن مقارنةً بالانتخابات السابقة، يبدو أن هذه الانتخابات ستشهد تدخلات أقل لهذه القوى الخارجية؛ ويعود ذلك إلى النهج الجديد الذي تعاملت به الحكومة الحالية مع التدخلات الخارجية، فلم تتردد في قطع العلاقات مع بعض دول الجوار، بسبب ما تصفه بالتدخل في الشأن الداخلي[13]. ويتمثل السبب الآخر في أن نهج إدارة الرئيس الأميركي السابق، دونالد ترامب، المنكفئ على نفسه إزاء الصومال وأفريقيا عمومًا، قد أمر في العام الأخير من عهدته بسحب قواته من الصومال[14]. وعلى الرغم من أنه يُرجّح أن يعيد الرئيس الأميركي الجديد، جو بايدن، القوات التي سحبها ترامب، وأن يعود إلى نهج إدارة باراك أوباما القائم على التدخل المحدود، لمحاربة نفوذ حركة الشباب وتنظيم الدولة الإسلامية "داعش" المتنامي في الصومال، ولا سيما في ظل الأوضاع غير المستقرة التي تمر بها إثيوبيا، فإنه من غير المرجّح أن تؤدي واشنطن دورًا فاعلًا في الانتخابات، كما كان عليه الحال في السابق.

أما مجموعة شركاء الصومال (وتتألف من بعثة الاتحاد الأفريقي في الصومال "أميصوم"، وبلجيكا، والدنمارك، وإثيوبيا، والاتحاد الأوروبي، وفنلندا، وفرنسا، وألمانيا، والهيئة الحكومية للتنمية لدول شرق أفريقيا "إيغاد"، وأيرلندا، وإيطاليا، واليابان، وكينيا، والنرويج، والسويد، والمملكة المتحدة، والولايات المتحدة، ومنظمة الأمم المتحدة)، فإنها تموّل الانتخابات، وتتولى دفع 36 مليون دولار من أصل 40 مليونًا من ميزانية الانتخابات، وكذلك رواتب قوات "أميصوم" التي تؤدي أدوارًا أمنية في البلاد، في ظل ضعف الجيش الوطني. وتسعى هذه المجموعة إلى دفع الصومال للتحرك نحو الاقتراع العام. وأبدت عدم ارتياحها لنظام الانتخابات غير المباشرة، وهو نموذج تراه أقل توافقًا مع المعايير الديمقراطية.

وفي هذا الإطار، من المرجَّح أن تتغير سياسة الصومال الخارجية، إن وصلت المعارضة إلى الحكم، ولا سيما العلاقة مع إثيوبيا وكينيا وجيبوتي[15]، إضافة إلى أن تراجع الأزمة الخليجية سيمكّن أي حكومة صومالية مقبلة من تفادي الاستقطاب الإقليمي الحاد الذي كان قائمًا في السنوات الثلاث الأخيرة. ويُرجَّح كذلك أن تستمر الشراكة الإستراتيجية التركية مع الصومال.

التحديات الأمنية

يخيم التهديد باستخدام العنف على أجواء انتخابات 2021، سواء من حركة الشباب، أم تنظيم داعش، أم كليهما[16]. ويمثل تأمين هذه الانتخابات تحديًا كبيرًا بالنسبة إلى الحكومة، ولا سيما مع تأثيرات الصراع في شمال إثيوبيا الذي دفع أديس أبابا إلى سحب ثلاثة آلاف من قواتها من جنوب ووسط الصومال، فضلًا عن سحب ترامب القوات الأميركية من البلاد، ويعني ذلك كله أن على السلطات الأمنية الصومالية تحمّل المزيد من المسؤولية لتأمين هذه الانتخابات[17].

ويمكن القول إن أفضل طريقة لمجابهة تهديدات حركة الشباب، أو تنظيم داعش، على المدى الطويل، هي الحد من قدرة الجماعتين على الاستفادة من الانقسامات السياسية والعشائرية لتحقيق أهدافهما. وتتمثل الخطوة الأولى في هذا الاتجاه في إجراء انتخابات نزيهة وتوافقية. وأكثر من هذا، يتعين على الشركاء السياسيين إصلاح الانقسامات التي أعاقت تطور المؤسسات الأمنية؛ فقد تعهّد الرئيس فرماجو، عند توليه منصبه، بهزيمة حركة الشباب في غضون سنتين[18]، وهو هدف لم يُحقَّق. فالتجاذبات المستمرة بين المركز والولايات تقف عائقًا في طريق إنشاء جيش وطني قوي وموّحد، وهو قرار توافق عليه قادة الصومال، بموجب خطة الأمن القومي التي أقروها في مؤتمر لندن في عام 2017، ولم يتم تنفيذها.

احتمالات المواجهة والحل

مع انتهاء ولاية الرئيس فرماجو الدستورية، يبدو المناخ السياسي الصومالي اليوم مشحون، وهو ما يوجب على الشركاء السياسيين ضرورة التوافق السياسي؛ إذ يُرجّح أن تتلاشى مخاوف المعارضة من التمديد، إذا ما اتضح أن الحكومة تعمل بصفة مؤقتة للوصول إلى الانتخابات. وفي حال تحقق ذلك، واتفقت الأطراف السياسية على تمديدٍ قصير الأجل، فعلى الشركاء الدوليين المساعدة في تحقيق أقصى استفادة منه. فإلى جانب تقديم الدعم الفني والمادي للعملية الانتخابية، يتعين الضغط على السلطات الفدرالية وسلطات الولايات لوضع آليات واضحة لتسوية الخلافات المحتملة.

أما إذا استمرت الأزمة، ولم تنجح الحكومة والمعارضة في التوصل إلى اتفاق سياسي، فقد يواجه البلادَ فراغٌ دستوري، ومن ثم لن يكون مستعبدًا أن تنفجر الأوضاع في الداخل؛ الأمر الذي يقوض الإنجازات المحرزة خلال الأعوام الماضية، في المجالات السياسية والأمنية والاقتصادية. وتوجد بالفعل أكثر من بؤرة توتر قائمة، تحمل مؤشرات على إمكانية تفجّر صراع داخلي في أي لحظة؛ ففي الأيام الأخيرة خاضت قوات الحكومة، المعروفة بـ "Gorgor"، وقوات من جوبلاند، وتسميها الحكومة ميليشيات مدعومة من كينيا، قتالًا عنيفًا في بلدة "بلد حاوا" الحدودية مع كينيا[19]، وقد تستمر هذه المعارك، وتتسع رقعتها، ما لم تتوصل الحكومة الاتحادية وإقليم جوبلاند إلى حل سياسي في شأن مقاعد إقليم غدو.

وفي السنوات الأخيرة، تزايد الاستياء من إدارة الرئيس فرماجو في العاصمة، وبحسب تحقيقات ميدانية أجرتها مجموعة الأزمات الدولية[20]، فإن بعض العشائر في العاصمة تسلح نفسها، استعدادًا لسيناريو تصاعد الخلافات في الانتخابات إلى أعمال عنف؛ وهذا ينذر بالعودة إلى الحرب العشائرية. وقد عقدت المجموعات العشائرية الرئيسة في المدينة، مثل "مودولود" - وهي جزء من عشيرة "هوية" المهيمنة سياسيًا في الصومال - مؤتمرات حاشدة، حذرت فيها من حدوث تأخير في الجدول الانتخابي الرئاسي[21]. وهو الأمر الذي يحتّم على الحكومة التعامل معه بحذر؛ فبسبب الحرب الأهلية الطويلة ما زالت فئات كثيرة من المجتمع والعشائر تمتلك أسلحتها الخاصة، وتهدد باستخدامها في أي صراع محتمل.

خاتمة

عقد الرئيس محمد عبد الله فرماجو اجتماعًا في مدينة دوسمريب، عاصمة ولاية غالمودوغ، مع رؤساء الولايات في الأول من شباط/ فبراير 2021، لكن الاجتماع فشل، ولم يصدر عنه أي بيان رسمي[22]، وحمّل فرماجو مسؤولية الإخفاق بشأن الانتخابات - في خطاب له أمام البرلمان بعد عودته من دوسمريب - لقادة ولايتي بونتلاند وجوبالاند، بينما ألقى رئيس ولاية جوبالاند أحمد مادوبي من جانبه مسؤولية الفشل على الرئيس الصومالي. ومن المرجح أن فرماجو يسعى إلى طلب التمديد من البرلمان المنتهية ولايته هو الآخر، في حين أعلنت قوى المعارضة، وبعض ولايات الفدرالية عدم اعترافها بفرماجو رئيسًا للبلاد بعد تاريخ 8 شباط/ فبراير 2021[23].

ومع انتهاء فترة الرئيس فرماجو، بات يتعيّن على الحكومة والمعارضة والشركاء الدوليين إيلاء التوافق السياسي أهمية كبيرة في هذه المرحلة الحرجة، والعمل للتوصل إلى حل عاجل لمشكلة المقاعد المتنازع عليها في إقليم غدو من ولاية جوبلاند، والاتفاق على طريقة اختيار ممثلي صوماليلاند، ووضع جدول انتخابي جديد، يمكن من خلاله إجراء انتخابات توافقية في وقت قصير، حتى لا تغرق البلاد في فوضى قد تذهب بالإنجازات المحرزة في السنوات الأخيرة.


[1] “Hope and Fear as Somalia Marks 30 Years of Civil War,” BBC, 26/1/2021, accessed on 31/1/2021, at: http://bbc.in/3ozK4DX

[2] “‘I was Railroaded,’ Says a Female Candidate in the South West Elections,” Wardheer News, 23/10/2016, accessed on 31/1/2021, at: http://bit.ly/3iZM9I0

[3] Harun Maruf, “Somalia Elections Not Credible, Country's Auditor General Says,” VOA, 19/11/2016, accessed on 31/1/2021, at: http://bit.ly/2Yqglmm

[4] Mohamed Olad Hassan, “Somali President Signs Historic Election Bill into Law,” VOA, 21/2/2020. accessed on 31/1/2021, at: http://bit.ly/3aah0gY

[5] Mohammed Dhaysane, “Somali Leaders Agree on Revised Election Model,” Anadol Agency, 17/9/2020, accessed on 31/1/2021, at: http://bit.ly/3iZsM1X

[6] في انتخابات 2016-2017، اختير أعضاء البرلمان من عواصم الولايات الفدرالية (كيسمايو، بيدوا، جوهر، عدادو وغروي، إضافة إلى مقديشو). وفي انتخابات عام 2021، أضيفت مدينة ثانية من كل ولاية، بحيث يصوَّت أيضًا من المدن الآتية: طوسمبريب (حلّت محلّ عدادو)، بوصاصو، جالكعيو، بلد وين، براوى، وغرباهاري. ووُسّعت دائرة اختيار أعضاء مجلس النواب؛ إذ يبلغ عدد المندوبين المسؤولين عن اختيار الأعضاء الآن 27775 مندوبًا (كان العدد في السابق 14025 مندوبًا فقط). ويرجّح أن هذا من شأنه إشراك قاعدة كبيرة من المواطنين إشراكًا مباشرًا في العملية الانتخابية، ومن شأنه أيضًا المساعدة في الحدّ من ممارسات الفساد وشراء أصوات المندوبين، على الرغم من أنه لا يلغيها كليًا. ومع ذلك، يشكو بعضهم التكلفة الباهظة لتسجيل المترشحين؛ إذ تصل تكلفة تسجيل المترشح إلى مجلس النواب عشرة آلاف دولار، وعشرين ألف دولار للمترشح إلى مجلس الشيوخ. أما طريقة اختيار مجلس الشيوخ، فلم يطرأ عليها أي تغيير يذكر عن نموذج انتخابات 2016-2017، عدا أن مجلس الشيوخ سيُختار هذه المرة من المجالس البرلمانية للولايات، بخلاف ما كان متبعًا؛ إذ كانوا يُختارون من رؤساء الولايات.

[7] Mohamed Kahiye, “Somalia’s Indirect Election Delayed by Political Standoff,” VOA, 11/12/2020, accessed on 31/1/2021, at: http://bit.ly/3t9xE9b

[8] Abdulkadir Khalif, “Puntland, Jubbaland Finally Join Somalia Electoral Process,” The East African, 28/1/2021, accessed on 31/1/2021, at: http://bit.ly/2MknSR9

[9] "الحكومة الصومالية تعترض على تعيين ولايتي بونتلاند وجوبلاند لأعضاء اللجان الانتخابية"، الصومال الجديد، 28/1/2021، شوهد في 31/1/2021، في: https://bit.ly/2L1SZjM

[10] “Doorashada Soomaaliya: Dalka ma yeelan karaa dhowr madaxweyne ka dib bisha?” BBC Somali, 8/12/2020, accessed on 31/1/2021, at: http://bbc.in/3oxRF5R

[11] International Crisis Group, “Ending the Dangerous Standoff in Southern Somalia,” Briefing no. 158, Africa, 14/7/2020, accessed on 31/1/2021, at: http://bit.ly/3oAbpGf

[12] حول الثقافة السياسية الصومالية الحديثة وتشوهاتها، ينظر: صهيب عبد الرحمن، "قراءة في استعصاء مشروع الدولة في الصومال"، مركز الجزيرة للدراسات، 6/7/2017، شوهد في 31/1/2021، في: http://bit.ly/39xIv5m

[13] Harun Maruf & Falastine Iman, “Somalia Says It Will Cut Diplomatic Ties with Kenya,” VOA, 15/12/2020, accessed on 31/1/2021, at: http://bit.ly/3ozmerM

[14] Phil Stewart & Steve Holland, “Trump to Withdraw Most Troops from Somalia as Part of Global Pullback,” Reuters, 5/12/2020, accessed on 31/1/2021, at: http://reut.rs/3r6mVuE

[15]

كما سلفت الإشارة، قطعت الصومال علاقتها بكينيا في كانون الأول/ ديسمبر 2020؛ بسبب ما وصفته بالتدخل الكيني في الشأن الداخلي، وتقدمت بشكوى إلى منظمة (إيغاد) في دورتها غير العادية التي عقدت في جيبوتي، في العشرين من الشهر نفسه، تتهم فيها كينيا بتسليح ميليشيات على الحدود الصومالية. وشكلت المنظمة لجنة خاصة تترأسها جيبوتي؛ للوقوف على المزاعم الصومالية. وأصدرت اللجنة تقريرها النهائي في 26 كانون الثاني/ يناير، أشارت فيه إلى عدم وجود تدخل كيني. لكن الحكومة الصومالية اتهمت جيبوتي بالانحياز إلى كينيا. يفيد كل ذلك وجود محورين سياسيين في منطقة القرن الأفريقي: يتشكّل الأول من الصومال وإثيوبيا وإرتيريا، مقابل محور كينيا وجيبوتي وصوماليلاند. والجدير بالذكر أن الصومال وإرتيريا أرسلتا مقاتلين للمشاركة في حرب التيغراي في شمالي إثيوبيا، ينظر:

Morris Kiruga, “Kenya/ Somalia: Tensions Rise Ahead of February Presidential Elections,” The African Report, 29/1/2020, accessed on 31/1/2021, at: http://bit.ly/3tdct6s; “Slaughtered Like Chickens': Eritrea Heavily Involved in Tigray Conflict, Say Eyewitnesses,” The Guardian, 21/12/2020, accessed on 31/1/2021, at: http://bit.ly/3agQnY1; Abdi Sheikh, “Anger in Somalia as Sons Secretly Sent to Serve in Eritrea Military Force,” Reuters, 28/1/2021, accessed on 31/1/2021, at: http://reut.rs/36HPxTh

[16] International Crisis Group, “Staving off Violence around Somalia’s Elections,” Briefing, no. 163, Africa, 10/11/2020, accessed on 31/1/2021, at: https://bit.ly/3aIkEyT

[17] Ilya Gridneff, “Al-Shabaab Strategy Shifts Towards Clans as Presidential Election Looms,” IPI Global Observatory, 27/1/2017, accessed on 31/1/2021, at: http://bit.ly/2YuOEZB

[18] Yvonne Rarieya, “Somali President Promises to Defeat Al-Shabaab in Two Years,” CGTN, 11/5/2017, accessed on 31/1/2021, at: http://bit.ly/3iZUDPy

[19] Hassan Barise, “Heavy Fighting Erupts in Somali Town near Kenyan Border,” Washington Post, 25/1/2021, accessed on 31/1/2021, at: http://wapo.st/3r3O6pR

[20] International Crisis Group, “Staving off Violence.”

[21] “Mudulood Conference: Elections Must be Held on Time without Term Extensions,” Hiiraan, 7/8/2020, accessed on 31/1/2021, at: http://bit.ly/3j12BrL

[22] "زعماء الصومال يفشلون في كسر جمود اختيار رئيس جديد" روسيا اليوم، 6/2/2021، شوهد في 6/2/2021، في: http://bit.ly/3rzXbHk

[23] “Somali Opposition Leaders Say They No Longer Recognize President,” Eyewitness News, 8/2/2021, accessed on 31/1/2021, at: http://bit.ly/3cQmWyM