العنوان هنا
مقالات 19 يونيو ، 2011

دور المؤسسات الفكرية العربية في دعم الثورات

الكلمات المفتاحية

عمر إبراهيم الترابي

عمر إبراهيم الترابي. سوداني وسويسري الجنسية ومقيم في سويسرا. حاصل على دكتوراه في القانون الدولي والدستوري- من جامعة بيرن سويسرا بدرجة الشرف الأولى و ماجستير في العلاقات الدولية من المعهد الدولي للإدارة العامّة بباريس فرنسا، ودراسات عليا في العلوم السياسية من جامعة لوزان سويسرا و بكالوريوس في القانون من الخرطوم. دبلوماسي مهني سابق في وزارة الخارجيّة السودانية حتى نهاية الثمانينيات وقنصل سابق للسودان في جنيف وكذلك مستشار سابق في منظمة الأمم المتّحدة ومنظّمة الوحدة الأفريقية ويعمل الآن في مجال الاستشارات القانونيّة وتدريس القانون. له بعض المؤلّفات بالعربيّة والإنجليزية والفرنسية في السياسة وحقوق الإنسان وأعمال أكاديمية أهمّها مرجع قانوني عن حماية الحقوق الأساسيّة في النّظام القانوني الدولي وعدد من المقالات المتنوّعة في وسائل الإعلام والبحث.

بعد العهود الطويلة التي عاشتها الأمة العربية خلف الأبواب الموصَدة تحت حكم العائلات والأيديولوجيّات والنّظم العسكرية وما أنتجته من احتقان في المجتمع وتحجّر في الفكر وركود في الاقتصاد واختفاء للمبدعين في المجالات كافّة لم يكن انفجار الثورات العربيّة مدهشًا بل المدهش هو كيف أنها تأخّرت كلّ هذا الوقت.

وأملُ كلّ الجماهير العربيّة العريضة هو أن تصبح الثّورات العربية الحاليّة القِيمةَ التي تجمع الأمّة العربيّة والإسلامية، والفخر الذي يمنحها الثقة بنفسها، والسّبب الذي يحفزها واللبنة التي تبني منها مستقبلها، كما هي الحال بالنسبة إلى الفرنسيّين والثورة الفرنسية والأمريكان وحرب الاستقلال. ولكن كلّ ذلك رهين بمدى نجاح هذه الثورات في الوصول إلى أنفع الوسائل والحجج في مواجهة الاختبارات والتحدّيات، ما يعود على كافّة المواطنين نفعه، لأنّ الثورات رغم قوّتها ومعانيها ليست مسألة حقّ ولا مؤسّسة عدل وصورتها الزّاهية لابدّ أن تنتهي إلى وضع سياسي يعقبها وحماستها الرومانسية لابدّ أن ترسو على جبل الواقع.

ولن تكون الثّوراتُ العربيّة في ذلك بدعًا من الثّورات العفويّة التي تقوم على شعارات مجملة، وترسم بريشة فنّانين عَرفوا الفقر والقهر والمهانة، صورة زاهية لمستقبل فيه يغاث الناس وفيه يعمرون أرضهم وينعمون بخيراتهم واختياراتهم وفيه يَأمنون على أنفسهم ألاّ تُهدر كرامتهم و دماؤهم وتُنهب أموالهم و تُهتك أعراضُهم. بل أنها كسائر الثورات تحلم بالحريّة والعدل والرفاهية وتقدّم التضحيات، ولكنها حينما تنتصر تضع الثّائر كما يقول القصّاص الرّوسي تشيخوف بين ما في مخيّلته من صورة زاهية للمستقبل وهو يحلم بانتصار ثورته و ما يراه أمامه من سدٍّ منيع من التحدّيات يسدّ عليه الأفق، حتى لا يدري إلى أين يسير بثورته أو ماذا يفعل بها أو كيف يحقّ بها الحقّ بعد أن أبطل بها الباطل. وبذلك إذا كانت المشاركة الفعلية في الثورات فرض كفاية يقوم به الشباب دون غيرهم فإنّ إعانة الثورات العربية على تجاوز حالة الدوار الحالية حتّى لا تخرج عن مقاصدها و حتّى لا تضطرب فتتذبذب وترتبك هو فرض عين على كلّ من آتاه الله بسطة في العلم والتّجارب.

خاصّةً بعد المخاوف التي بدأت تساور الكثيرين على مصير ثورتيْ تونس ومصر اللّتيْن نجحت فيهما الثّورة العفويّة في إزاحة الأنظمة المستبدّة، ولكنها دخلت بعد ذلك في حلقات غير متناهية من المناورات السياسيّة والعنف والأعمال الفوضويّة تقود كلّ منها إلى الأخرى، وتحوّلت الحياة السياسيّة في البلدين إلى فورمولا عبثيّة وحركة في دائرة مفرغة لاتصل أبدًا إلى نهاية، وهو ما يسمّيه أدموند بروك رياضة المزاج الشّعبي التحكّمي. وهذا ما ينذر بتبديد طاقات الثّورات وإهدار مواردها البشريّة والفكريّة وإضعاف ثقة الشّعب بنفسه وبثوراته. كما يعطي الانطباع لدى المراقب بأنّ الثورات العربيّة الحاليّة تطالب بتحقيق إصلاح لا تدرك تحديدًا ماهيّته ولا تسبر غوره ولا تتحكّم في نتائجه وآثاره ولا تقوَى على حماية نفسها ولا أوطانها من الاختطاف من قبل الأجانب أو صائدي الفرص السياسيّة من الانتهازيّين. وهذا ما يستوجب أن تستفرغ كافّة الأقلام و المؤسّسات الفكريّة العربيّة وسْعها في إعانة الثوّار في ضبط هذه الحرية التي مهروها بالعرق والدّماء والتضحيات العظام وتنظيمها لأنّ هذه الثّورات إذا سقطت فلربّما تأخّرت نهضة الأمّة إلى ألفيّة تالية.

ولأنّ أهل الفكر في كلّ مجتمع ولا سيّما في مجتمعنا العربي هم النّجوم التي يسير على هداها مقبل الأجيال في صحارَى الشّكّ، وهم العمد التي تؤسّس عليها الهياكل السياسيّة والنظم، وهم الغيْث الذى يهزّ المجتمع فيحيي الأفكار والنّماذج وينبت الرّؤى الأصيلة، وهم النّور الذي يخرج الأمم من ظلمات التخلّف والقهر والعصبيّات البغيضة إلى نور الحريّة والقيم الإنسانيّة ومجتمعات النّهضة والكفاية والفضيلة.