دراسات 14 نوفمبر ، 2011

النّظام السّياسيّ في العراق: بين الإصلاح والشّرعيّة

الكلمات المفتاحية

خضر عباس عطوان

حاصل على دكتوراه فلسفة سياسة دولية من كلية العلوم السياسية بجامعة النهرين- بغداد عام 2003 ، عن فلسفة علاقات الصراع والتوازن الدوليين. وحاصل على ماجستير سياسة دولية من الجامعة نفسها عام 1999، بأطروحة عن العلاقة الصينية الأميركية. يعمل أستاذا مساعدا (مساوٍ لمرتبة أستاذ مشارك في بعض التصنيفات العلمية العربية)، منذ 18 أيار/ مارس 2007 في كلية العلوم السياسية، جامعة النهرين، بغداد – العراق، ومنتسب لقسم النّظم والسياسات العامّة (منذ تشرين الأول 2008). مؤلف لـ 7 كتب، أبرزها: توازن القوى العالمية والمنطقة العربية. عمان. دار أسامة للنشر. 2010، وكذلك: مستقبل العلاقة الأميركية الصينية: أبو ظبي. مركز الإمارات للدراسات الإستراتيجية 2004 ومشارك في 4 كتب، وكتَب (58) بحثًا ودراسة في مجلات علمية محكمة، و(42) بحثًا في مجلات غير محكمة علميّا، وشارك في (21) مؤتمرا علميًّا داخل العراق، و(9) مؤتمرات علميّة خارج العراق، و(13) ندوة علميّة، و(25) محاضرة علميّة، فضلا عن عشرات مقالات الرأي في صحفٍ عراقية وعربية مختلفة.

شهدت المنطقة العربيّة موجة تظاهرات انتهت إلى مآلات متباينة، وكانت مسبّباتها تقترب في نقاط عدّة وتختلف أيضًا. وشهد العراق بعضًا من التّظاهرات خلال شهريْ شباط/فبراير وآذار/مارس 2011. واستمرّت بشكل متقطّع بعدها، مستمدّة إلهامها من التّظاهرات التّونسيّة والمصريّة؛ بيد أنّ أهدافها كانت محدّدة في طلب الخدمات، والحدّ من الفساد، وتعزيز مستويات المعيشة. ولم تكن تطالب بإحداث تغيير شامل في النّظام السّياسيّ. ومرجع طلباتها القصور في الأداء الحكوميّ وفي أداء الأجهزة التّنفيذيّة، ووجود قصور حتّى في أداء السّلطة التّشريعيّة لأسباب عديدة، أهمّها الفساد والمحاصصة السّياسيّة. وزاد هذا القصور من معاناة المواطنين اليوميّة، وتسبّب في رفع معدّلات التّذمّر من السّياسات الحكوميّة عامّة. وانتهت تلك التّظاهرات إلى تبنّي الحكومة عدّة خطوات وإجراءات للتّعامل مع المطالب، إلّا أنّها لم تحقّق استجابات تامّة لها. واليوم، إذا لم تستطع الحكومة والجهاز التّنفيذيّ استيعاب العوامل الاجتماعيّة والاقتصاديّة والسّياسيّة الجديدة، فإنّه لا يتوقّع أن يستمرّ المجتمع في إعطاء المشروعيّة لاعتبارات فئويّة (طائفيّة وقوميّة ومناطقيّة) تشكّل الأساس الذي قام عليه النّظام السّياسيّ، ويتحمّل في المقابل قصور الخدمات والأداء الإداريّ الضّعيف.

ومن خلال هذا البحث، انتهينا إلى أنّ معدّلات الوعي المجتمعيّ لتغيير الواقع السّياسيّ والاقتصاديّ والخدميّ لاتزال محدودة ومحدّدة في قوى المجتمع المدنيّ، وهذه القوى تعاني الضّعف وعدم القدرة على تحريك الشّارع بزخْمٍ قادرٍ على تغيير الواقع. كما أنّ قوى السّلطة تلجأ إلى تبرير القمع والقسر بمكافحة الإرهاب، وتجد شرائح مجتمعيّة داعمة لهذا الخطاب، كما تدعم مرجعيّات عديدة العمليّة السّياسيّة بوصفها بيئة حاضنة تتناغم وما تطمح إليه من تأثير في الشّارع العراقيّ. أمّا العالم الغربيّ، ومن ضمنه الولايات المتّحدة، فهو مشغول بضبط إيقاعات التّغيير الكلّية في المنطقة العربيّة أكثر ممّا هو مشغول بما يجري في العراق.


مقدّمة

شهد العراق في نيسان/أبريل 2003 تغييرًا للنّظام السّياسيّ بفعل التّدخّل العسكريّ للولايات المتّحدة، ودخلت معه البلاد مرحلة فوضى سياسيّة وأمنيّة وإداريّة استمرّت حتّى منتصف تشرين الأوّل/أكتوبر 2005 عندما استُفتي العراقيّون على شكل نظامهم السّياسيّ ومضمونه في إطار دستورٍ دائم، وقبلوا بنظام فيدراليّ برلمانيّ.

وحتّى بعد إقرار الدّستور ودخوله حيّز التّنفيذ، عاشت البلاد مرحلة أزمة سياسيّة بفعل عواملَ داخليّة وخارجيّة برزت مظاهرها في تصعيد المعضلة الأمنيّة وفي أزمة اقتصاديّة واجتماعيّة وانكشافٍ أمام التّدخّلات الخارجيّة. كما ووجه النّظام السّياسيّ المنشأ حديثا ببعض الرّفض القائم على أسسٍ سياسيّة-مجتمعيّة، واتّخذ هذا الرّفض في بعض الحالات مظاهر عنفٍ مسلّحٍ، فقد لجأت بعض الجهات والقوى السّياسيّة التي رفضت النّظام السّياسيّ تحت مسمّيات عدّة إلى استخدام العنف السّياسيّ المسلّح لبيان رفضها. وقد غطّى الواقع السّياسيّ السّلبيّ على مدى القصور الذي طال الأداء الحكوميّ وحتّى التّنفيذيّ، في مجالات غياب الخدمات وسلبيّة الأداء الإداريّ، واتّساع نطاق الفقر.

وإذا كان الوضع السّياسيّ قد أظهر اتّجاها نحو الاستقرار منذ مطلع العام 2008؛ زالت معه بعض التّنبّؤات التي كانت تقول إنّ العراق يتّجه نحو التّفكّك، فإنّ هذا الاتّجاه رافقه اتّجاه آخر في تحوّل الشّكل الرّافض للنّظام السّياسيّ من اعتماد العنف السّياسيّ المسلّح إلى ممارسة الرّفض السّلميّ، ورافقه أيضا اتّجاه ثالث بدأ يحوّل اهتمامه من التّركيز على إعطاء أولويّة للملفّ الأمنيّ إلى إعطاء الأولويّة للملفّات ذات التّماسّ مع حياة المواطن المعيشيّة والخدميّة. وقاد هذا التّحوّل إلى حدوث إرباكٍ في المشهد السّياسيّ الذي ساد بعد العام 2009 (انتخابات مجالس المحافظات والانتخابات البرلمانيّة)، وظهرت فيه معضلات سيادة لغة المصالح الحزبيّة وغلبة السّياسة واعتباراتها على الكفاءة، بمعنى غلبة "طلّاب السّلطة" على "رجالات الدّولة"، فبان أثر كون أغلب الكوادر السّياسيّة غير مؤهّلة لتولّي المناصب التي احتلّوها، وكذا علاوة على التّأخّر الواضح في تشكيل الحكومة، والمساومات التي طرحت من أجل تمرير مشاريع فئويّة حزبيّة أكثر ممّا هي مشاريع وطنيّة في أغلب القضايا التي تهمّ المواطنين.

وفي هذه المرحلة الحرجة من تاريخ العراق، شهدت المنطقة عمومًا -مع نهاية العام 2010- عدّة تحوّلات، عدّها البعض استكمالا لأطروحات أميركيّة سبق وأن ظهرت في العامين 2004 و2005 تحت مسمّيات "مشروع الشّرق الأوسط الكبير"، وأداته "الفوضى الخلّاقة". وطرح مشروع الشّرق الأوسط الكبير ضرورة إجراء دول المنطقة لجملة إصلاحات حتّى تكون قادرة على الاستجابة لخصوصيّات المرحلة التي تلت احتلال العراق؛ وتشمل هذه الإصلاحات اعتماد التّداول السّلميّ على السّلطة وتوسيع سقف الحرّيات. أمّا "الفوضى الخلّاقة" فهي قائمة على السّماح بحدوث حراك بين شعوب المنطقة بكلّ ما يتضمّنه ذلك من سماحٍ بحدوث صراع داخليّ أو إقليميّ، تسود من بعده قوّة واحدة في كلّ بلد تتدخّل بعدها الولايات المتّحدة لتتعامل مع تلك القوى بوصفها الأقدر على تمثيل شعوب المنطقة من خلال حكم أكثر استقرارا. وبفعل تداعيات وضع العراق خلال تلك الفترة، والخشية من اتّساع الرّفض للمشروع الأميركيّ؛ جمّدت الولايات المتّحدة أطروحاتها، لكونها غير متطابقة مع المرحلة التي طرحت فيها. أمّا اليوم، فإنّ ما طُرح وجد له استجابة لدى قوى داخليّة في كلّ بلد، لعدّة أسباب بعضها خارجيّ. وتحيط بهذا التّحليل تحفّظات إلصاق التّظاهرات والحراك الدّاخليّ بعوامل خارجيّة، ومبعث هذا القول إنّ دواعي التّغيير وإن انطلقت بفعل واقع مجتمعيّ صعب حرّك الجماهير عاطفيّا إلّا أنّ مدى التّغيير كان سطحيّا في مصر وتونس (سيطرة الخطّ الثّاني في الحكومة على السّلطة).