دراسات 29 مايو ، 2012

دولة ما بعد الاستعمار والتحولات الاجتماعية في ليبيا

الكلمات المفتاحية

علي عبد اللطيف احميدة

أستاذ ورئيس قسم في دائرة العلوم السياسيّة في جامعة نيو انكلند في مدينة بدفورد في ولاية ماين الأميركية. وتخص أبحاثه مجالات العلوم السياسية النظرية، والسياسة المقارنة وعلم الاجتماع التاريخي، ويركّز أساسا على مواضيع تاريخ التطوّر السياسي في المغرب العربي، خاصّةً في ليبيا. والدكتور علي عبد اللطيف احميدة من مواليد مدينة ودان الليبية، ودرس في جامعة القاهرة وجامعة واشنطن—فرع مدينة سياتل. ونشرت له دار جامعة نيو يورك للنشر كتابًا عن تكوين دولة ليبيا الحديثة عام 1994 (أعيد طبعه عام 2009)، وقد نشر مركز دراسات الوحدة العربية ترجمة عربية للكتاب في عام 1998. وصدر له أيضا كتاب عن "السلطة والاستقلال في القرار في ليبيا أثناء الاستعمار الإيطالي وبعده" (Routledge 2005)، وقد تُرجم الكتاب إلى العربيّة عام 2009 تحت عنوان: "الأصوات المهمّشة: الخضوع والعصيان في ليبيا أثناء الاستعمار وبعده"، وصدرت أيضًا نسخة إيطاليّة من ذات الكتاب. أحرز علي عبد اللطيف احميدة عددًا من الجوائز الأكاديميّة والفكرية، على مستوى جامعته وعلى مستوى الولايات المتّحدة. وقد منح منصب Ludcke في العلوم الطبيعيّة والآداب لامتيازه في التعليم والبحث العلمي في جامعة نيو انكلند للعام الدراسي 2010-2011.

مدخل

إنّ هدفي من هذه الورقة، هو تفحّص موضوع الدّولة والتحوّلات الاجتماعية عقب استقلال ليبيا سنة 1951؛ وذك من خلال التّركيز على النّظاميْن السّياسييْن اللّيبيّيْن، وهما: الملكية السنوسيّة (1951-1969) والثّورة العسكريّة بعد 1969 وحتى الوقت الحاضر. وستتناول هذه الورقة النّظام السياسي الأوّل من خلال طرح القضايا التّالية: لماذا كانت ليبيا أوّل دولة في المغرب تنال استقلالها من الحكم الاستعماري في 24 كانون الأوّل / ديسمبر1951؛ وذلك قبل المغرب وتونس والجزائر وموريتانيا؟ ولماذا أصبحت مملكةً اتّحاديةً ثمّ دولةً موحّدةً في 1963؟ وكيف يمكن تقييم قاعدتها الاجتماعيّة، وسياستها وبرنامج التّحديث السّياسي فيها؟ وأخيرا، لماذا انهارت المَلَكيّة في 1 أيلول / سبتمبر 1969، بعد ثماني عشرة سنةً فقط من إقامتها؟

أمّا النّظام الثاني، فسيقع النّظر فيه من خلال طرح الأسئلة التّالية: كيف نظر المجتمع في ليبيا المستقلة إلى حقبتيْ الاستعمار وما بعد الاستعمار؟ وما هي السّيرورات الاجتماعيّة والتّاريخية التي ولّدت الدّولة "الجماهيرية"؟ وأخيرًا، لماذا آلت هذه التّجربة السياسية المتعلّقة بإقامة دولةٍ متوطّنةٍ Indigenous إلى وهمٍ، وتحوّلت -مع منتصف ثمانينيات القرن الماضي- إلى ديكتاتوريّةٍ؟

ينصبّ بحثي على السّياقين الاجتماعي والوطني للتّاريخ اللّيبي وللعمليّات السّياسية. ولقد ارتكزت في هذا البحث على ما تراكم لديّ من جهدٍ تنظيريٍّ، ودراساتٍ مقارنةٍ، ووثائق، وتاريخٍ شفويٍّ خلال العقدين الأخيرين.

يقوم طرحي للمسألة أوّلًا على فكرة أنّ الملكيّة السّنوسية كان يسيطر عليها نخبةٌ من شيوخ القبائل والأعيان الحضريّين ذوي الذّهنية الأبوية. وهذه النّخبة هي التي صاغت الدّستور،  وسيطرت على الدّولة، واستغلّ أفرادها مواقعهم في إدارة الدّولة؛ بحثًا عن الثّراء لأنفسهم، ولإفادة أتباعهم وجِهاتِهم، خصوصا بعد اكتشاف النّفط سنة 1959. ابتدأت الملَكيّة ببرنامجٍ تحديثيٍّ لأنظمة التّعليم والصحّة والضّمان الاجتماعي، غير أنّها لم تسمحْ بقيام معارضةٍ منظَّمةٍ علنيّةٍ لدى الجيل الأصغر من اللّيبيين الذين تعلّموا في مدارسها. وقد شعر موظَّفو الدّولة والعمّال والطّلبة وضبّاط الجيش الذين تحدوهم الآمال الكبيرة، والمنقادون بتصورٍ عن ليبيا يجعلها مجتمعًا وطنيًّا؛ بالاغتراب عن الملَكيّة الفاسدة الموالية للغرب، وتزايد ذلك الشّعور لديهم.

ويقوم هذا الطّرح ثانيًا، على فكرة أنّ الدّولة اللّيبية في بدايتها المبكّرة لم تكن انحرافًا؛ وإنّما كانت متجذِّرةً في التّاريخ والثّقافة اللّيبيّين. فالجماهيريّة على الرغم من أنّها دولةٌ تسلّطيةٌ Authoritarian شعبويّةٌ Populist ريعيّةٌ Rentier، إلا أنها كانت تقدّم حلولا لأبرز المشاكل السّياسية البنيويّة في ليبيا الحديثة؛ والمتمثّلة في الموروث الأليم للدّولة الاستعماريّة (1911-1943)، وضعف الدّولة الاتّحادية خلال فترة الملَكيّة السّنوسية (1951-1969)، والهويّات الجهويّة المترسّخة، وثقافة اللّادولة Statelesness. لقد قدّم صغار الضّباط العسكريّين القوميّين -الذين أطاحوا بالملكيّة السّنوسية سنة 1969- بقيادة القذّافي عدّة إصلاحاتٍ اجتماعيّة ومؤسّساتيّة مبتَكَرةٍ، كاللّجان والمؤتمرات الشّعبية. وقد زادت هذه الإصلاحات من الدّعم الاجتماعي للنّظام؛ ذاك الذي عزّز من مستوى معيشة العديد من الطّبقات الاجتماعيّة الوسطى والدّنيا في ليبيا، خصوصًا في الرّيف اللّيبي في ما بين 1969 و1975. وأيًّا كان الأمر؛ فقد أدّت الانشقاقات والانقلابات المضادّة والتّشاحن الدّاخلي ضدّ النّظام إلى التّطهير، وإلى إعدام 70 بعد اتهامهم بالتخطيط لانقلاب في سنة 1975، وهؤلاء يمثّلون نصف التّنظيم الثّوري الأصلي الذي قاد الثّورة ضدّ الملَكيّة.

وإثر ذلك، انبثق نظامٌ جديدٌ بقيادة جناح العقيد القذافي. وقد تكوّن من أعضاء مجلس قيادة الثّورة: جلود ويونس والخرّوبي والحميدي، إضافةً إلى القذّافي. وأصبح النّظام الجديد عديم الرّحمة في تركيز سلطته. واستخدم مركزيّةً مفرطةً، بتعزيز الأجهزة الأمنيّة والمخابراتيّة على حساب المؤسّسات الرّسمية وحكم القانون؛ مدمِّرًا بذلك الإصلاحات السّابقة. وقاد هذا إلى ضمور التّجربة المرتكِزة على الشّعبويّة السّياسية المتوطّنة Indigenous، وإلى نهوض المعارضة الإسلاميّة. وقد تضافر مناخ العداء الدّولي والاقتصاد المتأثِّر بانخفاض عائدات النّفط، في تشكيل أزمة النّظام. وهو الأمر الذي أدّى إلى ضعف المؤسّسات العامّة وتشوّهها؛ مثل المحاكم والجامعات والاتحادات النقابية والمستشفيات والمصارف.

وقد فاقمت السياسة الليبية الجديدة التي ابتغت التصالح مع المجتمع الدولي -والتي أدت إلى رفع العقوبات- الصّراع بين الحرس القديم (كاللّجان الثّورية، والأجهزة الأمنية) والأجنحة الإصلاحية داخل النّخبة الحاكمة، وكذلك داخل المجتمع المدني اللّيبي بوجهٍ عامٍّ.