غلاف كتاب "التيارات الإيكولوجية الراهنة: تمرين في التصنيف والنمذجة"
مراجعات 07 يوليو ، 2026

مراجعة كتاب "التيارات الإيكولوجية الراهنة: تمرين في التصنيف والنمذجة"

محمد هلال الحسني

​باحث دكتوراه في علم الاجتماع، كلية الآداب والعلوم الإنسانية، جامعة مولاي إسماعيل، مكناس، المغرب​

​عنوان الكتابالتيارات الإيكولوجية الراهنة: تمرين في التصنيف والنمذجة.

المؤلّف: خالد شهبار.

النّاشر: الرباط: دار القلم للطباعة والنّشر.

سنة النشر: 2024.

عدد الصفحات: 192.

​مقدمة

يتناول كتاب التيارات الإيكولوجية الراهنة: تمرين في التصنيف والنمذجة الإيكولوجيا في حدود الزمن الراهن، وبصيغة الجمع لا المفرد، وباعتبار ذلك التصنيف مسألة ذهنية خالصة. ويفصح حضورُ عناصر الزّمن والتعدّد والاختلاف على نحو متزامن في العنوان عن حالة التعقيد التي يوجد عليها زمن ما بعد الحداثة الموسوم بالفوضى والتسارع واللايقين، من جهة، ويعكس هول المخاطر التي أصابت كوكب الأرض خلال حقبة الأنثروبوسين Anthropocene، من جهة أخرى؛ ذلك أن وضع الكوكب الراهن هو نتاج صراع غير متكافئ بين أنظمة شمولية نزعت نحو تغيير وجه العالم بالقوة خلال القرن العشرين، ولا تزال تواصل نزوعها ذاك إلى اليوم عبر المزيد من تقنيات التدمير من جهة، ومجتمعات محلية، وحركات اجتماعية لا تكفّ عن مقاومة ضروب الهدم الجارية في ميادين الصراع المختلفة، الزراعية والصناعية والثقافية والسياسية وغيرها، من جهة أخرى. ففي حين يقدّم الطرف الأول وعودًا بتغيير واقعنا الراهن إلى الأفضل، سواء بالتصنيع المفرط، أو بتحويل الإنسان إلى كائن هجين Cyborg، يناضل الطرف الآخر لحفظ التوازنات الإيكولوجية، ولتجذير الإنسان في الطبيعة.

هذا هو السياق العام الذي يتناول فيه المؤلّف بالتفكير النقدي سياقات انبثاق الوعي الإيكولوجي بالأزمة البيئية، وعناصر الاختلاف والائتلاف الكامنة بين التيارات الإيكولوجية المعاصرة في تصورها، حيث يفحص جدوى تمسّك بعضها بالنظام الرأسمالي ودعوى استغناء بعضها الآخر عنه، فضلًا عن أهمية استرجاعنا لعلاقة الاستقلاب القائمة بين الإنسان والطبيعة. وتمثّل الأزمة البيئية محور التفكير في مقدّمة الكتاب، وتحضر ضمنيًا في ثنايا شبكة مفاهيمه الرئيسة (نمط إنتاج رأس المال، ومركزية الإنسان، والطبيعة ... إلخ)، وفي قلب إشكاليته المركزية كذلك، حيث يحاول الإجابة عن سؤالين: أيجدر الاكتفاء بإصلاح نمط الإنتاج الرأسمالي أم يتعين تغييره والاستعاضة عنه بنمط إنتاجي بديل؟ وأينبغي الاعتراف بالشخصية القانونية للطبيعة على غرار الإنسان أم يلزم اعتبارها مجرد موضوع للقانون؟

وإذا ما بدت الأزمة البيئية اليوم موضوع جدل على صعيد الفكر والتمثل، فإنها على مستوى الواقع أقرب إلى المسلّمات. ذلك ما أبرزه المؤلّف منذ البداية بتطرقه إلى تجليات الأزمة، وأوجه التباين القائمة في تصوّرها لدى الإيكولوجيا السطحية والإيكولوجيا العميقة. فإذا كان الاتجاه الأول يتبنّى خيار إصلاح الآثار المترتبة على النظام الرأسمالي، ويسلّم بمركزية الإنسان وبتبعية الطبيعة له، فإن الاتجاه الثاني ينطلق من موقف راديكالي يعزو دمار البيئة إلى طبيعة النظام الرأسمالي، ويجزم باستحالة وقف الأزمة الإيكولوجية الرّاهنة ما لم يقوّض هذا النظام، وما لم يتنازل الإنسان عن مركزيته التي يزعمها لنفسه في الكون، ليتساوى مع بقية الكائنات.

ولمّا كانت المشكلات البيئية كونية في أبعادها، وعلى صلة بمصير البشر قاطبةً، فقد جعل المؤلّف من بيانها، ومن إطْلاع القارئ العربي على تعددية التفكير الإيكولوجي الناشئ حولها، وعلى حدود تصنيفات الفيلسوف الفرنسي لوك فيري ونقده لها، أحد أهدافه الصريحة في هذا الكتاب، آملًا أن يساهم كل ذلك في ظهور إيكولوجيا عربية وجنوبية تمتح من حضاراتها وتواريخها ومن شروط وجودها المختلفة (ص 16-17).




* هذه المراجعة منشورة في العدد 56 (ربيع 2026​) من دورية "عمران"  وهي دورية فصلية محكمة متخصّصة في العلوم الاجتماعيّة، يصدرها المركز العربيّ للأبحاث ودراسة السياسات ومعهد الدوحة للدراسات العليا.

** تجدون في موقع دورية "عمران"  جميع محتويات الأعداد مفتوحة ومتاحة للتنزيل.