عنوان الكتاب: تجليات المحتجب: اللاهوت السلبي وفلسفة الدين.
تأليف: علي رضا.
الناشر: بغداد: دار نينوى للدراسات والنشر.
سنة النشر: 2024.
عدد الصفحات: 558.
مقدمة
يقدّم على رضا في كتابه
تجليات المحتجب: اللاهوت السلبي وفلسفة الدين قراءةً شاملة لأهم الأسئلة التي طرحتها الفلسفات والأديان، وهي أسئلة شكلت عالمنا، وأعادت تشكيله: لماذا هناك شيء بدلًا من لا شيء؟ أمطلقةٌ هي الأخلاق أم نسبية؟ وهل يمكن أن تُعبّر اللغة عن كل ما نختبره؟ وغيرها من الأسئلة التي حاول العديد من الفلاسفة ورجال الدين الإجابة عنها على مر الزمن.
ينطلق رضا في طرح هذه الأسئلة ومحاولة الإجابة عنها من نقطة مركزية، وهي اللاهوت السلبي Apophatic Theology؛ وهو تقليد فلسفي قديم يمكن تتبع أثره من فلاسفة اليونان والهند، مرورًا بالعصور الوسيطة سواء مع آباء الكنيسة المسيحية أو مع تقاليد الغنوصية اليهودية، وحتى مع التصوّف وعلم الكلام الإسلاميين. وفي الفلسفة الحديثة، يمكننا أن نجد له حضورًا لدى إيمانويل كانط Immanuel Kant (1724-1804) وآرثر شوبنهاور Arthur Schopenhauer (1788-1860) وفريدريك شلايرماخر Friedrich Schleiermacher (1768-1834)، وصولًا إلى فريدريك نيتشه Friedrich Nietzsche (1844-1900) ومارتن هايدغر Martin Heidegger (1889-1976)، وحتى الفلسفات ما بعد الحداثية.
تنحدر كلمة Apophatic الإنكليزية من الجذر اليوناني Apophasis وتعني الإنكار أو السلبية؛ فبينما تتجه علوم الأديان واللاهوت التقليدي إلى وصف "الإله" بكونه مطلق الخيرية، ومطلق الحكمة، ومطلق الرحمة، يقول اللاهوت السلبي إن الإله ليس خيّرًا (كما يفهم البشر الخير)، وليس حكيمًا (كما يفهم البشر الحكمة)، وليس رحيمًا (كما يفهم البشر الرحمة)، وإنما هو يتفلّت من جميع التصنيفات. وبذلك تصبح اللغة أقل من أن تصف لا نهائيته، أو تمسك هويته الحقيقية، وإنما أقصى ما تستطيع أن تقوله ما هو ليس عليه.
يردّ المؤلّف أهم التساؤلات التي طرحها الفلاسفة على مر التاريخ إلى ثلاثة حقول: حقل "الوجود" الذي يتضمن معضلة العلّة الأولى، وحقل "المعرفة" حيث تُعتبر الحقيقة ضرورةً منطقية، وحقل "القيمة" الذي يتضمّن الطبيعة المفارقة للتطبيقات الاجتماعية والتاريخية المحدودة. وتتشارك هذه الحقول الثلاثة في منطقة ذات نقطة مركزية واحدة، لا يمكن سبر أغوارها بالكلام، وعلى الرغم من أنها تبرر سواها وتمنحه صفته الوجودية، فإنها تنغلق على نفسها مرة بعد مرة.
يقول لودفيغ فيتغنشتاين (1889–1951): "ما يُمكن قوله على الإطلاق، يُمكن قوله بوضوح؛ وأما ما لا يُمكننا التحدث عنه، فيجب أن نتجاوزه بصمت". وفي السياق ذاته، يستخدم المؤلف مفهوم "الصمت" لوصف الطبيعة الوجودية لذلك الجدار الذي يفصل بيننا وبين الحقيقة المطلقة، ويمنعنا من إدراك الإجابة النهائية الشافية لكل أسئلتنا. ويسميه "المحتجب" ذا الغيرية التامة الذي لا يمكن التعبير عنه سوى بالصمت، فاللغة يمكنها التعبير فقط عن حدود وجودنا لكنها تفشل في سبر أغوار ما ورائه؛ لذلك ما إن نصل إلى هذا المحتجب كي يفصح لنا عما نريد، حتى ترتبك أسئلتنا وتتناقض لغتنا ونعود خائبين.
ينقسم الكتاب إلى قسمين؛ يطرح القسم الأول ثلاثةَ أسئلة في ثلاثة فصول: السؤال المعرفي والسؤال الجمالي والسؤال الديني. ويستعرض القسم الثاني التطور التاريخي في الاصطدام بالمحتجب والتعبير الميتافيزيقي والجمالي والأخلاقي عنه، وكيف تشابهت الإجابات دينيًا وفلسفيًا، ويحاول تحليلها عقلانيًا وموضوعيًا مُنحِّيًا أيّ تحيّز أو اختيارات ثقافية ذاتية. ويستعرض، على امتداد أربعة فصول، أديان الشرق الأقصى: الهلنستية وجذورها، والمسيحية، والإسلام. ويبحث خلالها عن اللاهوت السلبي، حيث يَلجَأ الإنسان إلى الصمت من ضيق الكلام الذي يحتويه اللاهوت الإيجابي الثبوتي.
* هذه المراجعة منشورة في العدد 56 من دورية "تبيّن" (ربيع 2026)، وهي
دورية فصلية محكّمة يصدرها المركز العربيّ للأبحاث ودراسة السياسات ومعهد الدوحة للدراسات العليا وتُعنى بالدراسات الفلسفية والنظريات النقدية.
** تجدون في موقع دورية "تبيّن" جميع محتويات الأعداد مفتوحة ومتاحة للتنزيل.