صدور كتاب "هكذا خسروا اسطنبول: العرب العثمانيون ونهاية العهد العثماني"

صدر عن المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات كتاب هكذا خسروا اسطنبول: العرب العثمانيون ونهاية العهد العثماني Losing Istanbul: Arab Ottoman Imperialists and the End of Empire، ضمن سلسلة ترجمان، من تأليف المؤرخ مصطفى الميناوي، وترجمة مصطفى قاسم.

ماذا يحدث حين ينهار العالم الذي صنع مجدك، وتغدو العاصمة التي احتضنت طموحك مدينة تفصلك عنها حدود سياسية مستجدة؟ وكيف يتحول رجال أمضوا حياتهم في خدمة الإمبراطورية، وصنعوا مكانتهم في قلب مؤسساتها، إلى ضحايا لانهيارها؟ يأخذنا الميناوي في كتابه هذا إلى العقود الأخيرة من عمر الدولة العثمانية، ليس عبر قصور السلاطين ومعارك الجيوش وحدها، بل من خلال حكاية عائلة عربية صعد أبناؤها إلى دوائر النفوذ في اسطنبول، ثم وجدوا أنفسهم في مواجهة عالم يتداعى من حولهم. إنها حكاية طموح وامتيازات وولاء، لكنها أيضًا حكاية خسارة لا تقتصر على السلطة والثروة، بل تمتد إلى الهوية والأسرة والمكان الذي اعتقدوا أنهم ينتمون إليه.

في قلب هذه الحكاية، يقف شفيق المؤيد عظم زاده وابن أخيه صادق، اللذان غادرا دمشق إلى اسطنبول، المدينة التي فتحت لهما أبواب الصعود في دولة متعددة الأعراق والأقاليم. بدأ صادق مسيرته ياورًا في ياوران الحضرة العلية السلطانية، ثم كُلّف بعدد من المهمات الدبلوماسية البالغة الحساسية لصالح دولته وسلطانه، امتدت من روسيا وأوروبا والبلقان إلى أفريقيا وشبه الجزيرة العربية. أما شفيق، فقد تدرّج في المناصب، بدءًا من قلم الترجمة في المابين السلطاني، مرورًا بشركة الدخان، وصولًا إلى العمل البرلماني ممثلًا لولاية سوريا. ولم تكن اسطنبول بالنسبة إليهما محطة وظيفية عابرة، بل كانت موطن الطموح ومركز النفوذ، والفضاء الذي تشكّلت فيه حياة الأسرة وتطلعاتها. لكن ما بدا عالمًا رحبًا يتيح الصعود والاستقرار كان يحمل في داخله تناقضات ستظهر بحدّة كلما اقتربت الإمبراطورية من نهايتها.

في كواليس الإمبراطورية: امتيازات ومظالم وهويات متحولة

يفتح الميناوي أبواب هذا العالم على تفاصيل قلّما تتصدر الروايات الكبرى عن التاريخ العثماني. فخلف الوجاهة والمناصب، كانت شبكات القرابة والمحسوبية تتيح فرصًا للترقي وتراكم الثروة، وتخلط خدمة الدولة بالمصلحة الشخصية. وخلف صورة العاصمة الإمبراطورية، تتكشف فوارق اجتماعية ومعيشية حادة، تظهر حتى في تجربة تفشّي الكوليرا. ولا يغفل الكتاب أيضًا الوجه الأكثر عنفًا في تاريخ السلطنة، متوقفًا عند صلة صادق بالأحداث المرتبطة بالمجازر التي تعرّض لها الأرمن في تسعينيات القرن التاسع عشر. وهكذا، لا يستعيد المؤلّف إمبراطورية مثالية تتداعى بفعل قوى خارجية فحسب، ولا يختزلها في حكاية انحطاط محتوم، بل يكشف التناقضات التي عاشها أبناؤها، وكيف أمكن أن تتعايش الامتيازات والظلم والطموح داخل مؤسساتها.

ومن خلال حياة الرجلين، يتتبّع الكتاب سؤالًا أكثر تعقيدًا: ماذا كان يعني أن تكون عربيًا وعثمانيًا في آن واحد؟ لم تكن الهويتان متعارضتَين بالضرورة، لكنهما لم تكونا ثابتتَين أيضًا. ففي عالم أخذت فيه التصنيفات القومية والإثنية تكتسب وزنًا متزايدًا، سعى بعض أفراد النخبة العربية إلى تأكيد خصوصيتهم وموقعهم داخل الإمبراطورية. وتكشف تجربة صادق، بما انطوت عليه من رحلات ومشاهدات وتمثيلات للمجتمعات التي زارها، عن محاولات رسم الحدود بين الجماعات وتحديد الموقع الذي ينبغي أن تحتله النخبة العربية في ذلك العالم. أما شفيق، فحاول من داخل المؤسسات العثمانية الدفاع عن مصالح العرب، في وقت كانت فيه مسألة التحيّز ضدهم والانتماء القومي تزداد حضورًا في النقاش السياسي. ولم تكن الهوية، في هذه التجربة، إجابة جاهزة عن سؤال الانتماء، بل كانت موضع تفاوضٍ وصراعٍ يتغير معناهما بتغير الظروف.

حين خسروا اسطنبول

ثم جاءت اللحظة التي لم يعُد فيها ممكنًا فصل مصائر الأفراد عن مصير الإمبراطورية. فقد أعادت الثورة الدستورية تشكيل الحياة السياسية، قبل أن تدفع الحرب العالمية الأولى السلطنة نحو انهيارها. وتعثَّر مسار صادق الدبلوماسي، في حين انتهت حياة شفيق بالإعدام عام 1916، بعد اتهامه بالخيانة. وتعرّض أفراد الأسرة للاعتقال والتشتت، ثم أخذت الحدود الجديدة توزّعهم بين تركيا وسورية ومصر وغيرها من الأقاليم. ولم تكن خسارتهم، بهذا المعنى، مقتصرة على فقدان مناصب أو مغادرة عاصمة، بل كان انهيار الدولة يعني أيضًا انهيار الإطار الذي منحهم مكانتهم، وربط ماضيهم بمستقبلٍ تخيّلوه لأنفسهم ولأبنائهم.

وفي هذا الإطار، تتجاوز الحكاية تاريخ عائلة بعينها لتصبح مدخلًا إلى فهم نهاية عالم كامل. فمن خلال الجمع بين الوثائق الأرشيفية والمصادر العائلية وسرديات الرحلات وغيرها من الشواهد، يربط الميناوي التفاصيل الحميمة للحياة اليومية بالتغيرات السياسية والإمبراطورية الأوسع. ويمنح التاريخ الكبير وجوهًا وأصواتًا وتجارب إنسانية، من دون أن يفقد رؤيته للصراعات التي صنعت نهايته.

فهذا الكتاب ليس كتابًا عن سقوط السلطنة العثمانية فحسب، بل عن الذين بنوا حياتهم داخلها، وعن صعوبة الانتماء إلى إمبراطورية حين تبدأ في التفكك، وعن الهويات التي يعاد تشكيلها عندما تتغير الدول والحدود. ومن خلال استعادة تجربة عربٍ كانوا فاعلين في قلب الدولة العثمانية، يفتح الكتاب أمام القارئ العربي زاوية مختلفة للنظر إلى التاريخ المشترك بين العرب والعثمانيين؛ زاوية لا تكتفي بالسؤال عن الكيفية التي انتهت بها الإمبراطورية، بل تسأل أيضًا: من خسرها؟ وماذا خسر حين انتهت؟

​​​​​

اقــرأ أيضًــا

فعاليات