صدور كتاب "يوسف العظمة في زمانيه العثماني والعربي"

صدر عن المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات كتاب يوسف العظمة في زمانيه العثماني والعربي، لمجموعة من الباحثين. أشرف على إعداده وحرره وقدمه عزيز العظمة. يقع الكتاب في 375 صفحة، شاملًا مقدّمةً وتسعة فصول ضمن ثلاثة أقسام.

يتحدّث الكتاب عن ترسيخ مكانة يوسف العظمة، وزير الحربية في المملكة العربية بدمشق، خلال معركة ميسلون في 24 تموز/ يوليو 1920، عقب استشهاده مقاومًا الغزو الفرنسي لسورية، بطلًا وطنيًّا ورمزًا للتضحية، حيث خلّد السوريون ذكراه بالتماثيل والطوابع البريدية وأسماء المدارس والشوارع، وتناولته قصائد عربية، وغنّت له فيروز. وقد طغت صورته الرمزية على معرفة شخصيته، فتحول إلى رمز تتبدل دلالاته سياسيًّا، في حين بقي الإنسان والضابط والسياسي في حاجة إلى دراسة دقيقة.

عادت شخصية يوسف العظمة إلى النقاش العام بعد سقوط نظام بشار الأسد في كانون الأول/ ديسمبر 2024، وسط البحث عن رموز وطنية جامعة، ومحاولات استبدال أسماء وطنية وأدبية بأسماء إسلامية. وأكدت التطورات ضرورة مراجعة التاريخ السوري المعاصر بعيدًا عن التوظيف السياسي والأيديولوجي، وهو ما يسعى الكتاب إلى تحقيقه بمنهج علمي.

تمثل مسيرة العظمة تجربة ضابط عثماني واجه، بعد انهيار الإمبراطورية، واقعًا سياسيًّا جديدًا. فقد تشرب قيم الواجب والشرف والانضباط، متأثرًا بالتحديث العسكري العثماني، لكنه واجه دولة ناشئة تفتقر إلى مؤسسات متماسكة، في حين عانى الملك فيصل محدودية القدرة على اتخاذ القرارات وتنفيذها. ويرى محرر الكتاب أن العظمة ارتقى إلى التحدي متمسكًا بواجبه وشرف مهنته، رغم اختلال موازين القوى وضآلة فرص النصر. وهكذا اجتمعت في نهايته المأسوية البطولة والتضحية، فأضحى رمزًا وطنيًّا، وظلت جوانب من حياته تستدعي التوثيق.

ويعرض الكتاب محطات حياة يوسف العظمة اعتمادًا على الوثائق العثمانية والفرنسية والبريطانية، وما بقي من الأرشيف الألماني، إضافة إلى المذكرات والشهادات والتقارير الصحافية. ولا يقدم سيرة مكتملة، بل سرديات مترابطة زمنيًّا، توضح ثغرات المصادر.

يتناول القسم الأول من الكتاب نشأته وعائلته وتعليمه العسكري العثماني، وذلك في فصل لمحمد جمال باروت يبرز صلات أسرته بالخدمة الإدارية والعسكرية. ويعرض فصل غولسوم بولاط وأوزغور شاهان مسيرته وترقياته وأوسمته ومهماته الاستخبارية خلال الحرب العالمية الأولى، استنادًا إلى الأرشيف التركي والبريطاني. ويبحث كلٌّ من تمارا شير وأليساندرو ليفيو خدمته في أوروبا الشرقية، والتنسيق بين الجيوش العثمانية والألمانية والبافارية، ودور ضباط الارتباط والأركان.

أما القسم الثاني فيتناول حياته بعد عودته إلى سورية، فيرصد باروت نشاطه في بيروت ممثلًا للجانب العربي، وعلاقته بالأمير فيصل، ثم توليه رئاسة الأركان ووزارة الحربية وسط مشهد سياسي متشابك، وعلاقاته بضباط عثمانيين سابقين شاركوا في تحرير الأراضي التركية. ويدرس آدم مستيان، بالاستناد إلى الأرشيف الفرنسي والمراسلات، محاولات العظمة التعامل مع السلطات الفرنسية ومقاومة توسع نفوذها، كاشفًا ضعف المملكة وانقساماتها وتعنّت الفرنسيين والبريطانيين.

ويتناول مايكل بروفانس الظروف السابقة لمعركة ميسلون ومجرياتها في سياق علاقات فيصل بفرنسا وبريطانيا بعد الحرب العالمية الأولى. ويعرض تردي الجيش العربي والتجاذبات في دمشق والانشقاقات وأعمال السلب والنهب. ويظهر العظمة رجلًا دفع ثمن شجاعته والتزامه بالشرف العسكري، وسط أخطاء سياسية وعسكرية وظروف قاهرة، مع مناقشة خيارات بديلة كان يمكن قادة آخرين، مثل ياسين الهاشمي، اتخاذها.

وفي القسم الثالث، يقدم عمرو الملاّح سجلًا للتقارير الصحافية العربية عن العظمة بين عامي 1919 و1920، ويراجع المذكرات وشهادات شهود العيان وتخليد ذكراه في سورية وخارجها والدراسات العربية التي تناولته. ويختتم الكتاب بوصف مجموعته الوثائقية المحفوظة في مكتبة المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات ومعهد الدوحة للدراسات العليا، وقد أعدتها نوف الخشمان وإسلام زهران، فضلًا عن ببليوغرافيا للمصادر العربية أعدها الملاّح، في حين لم تحقق قائمة مماثلة بالمصادر الأجنبية النتائج المرجوة.

يجمع كتاب يوسف العظمة في زمانيه العثماني والعربي البحث الأرشيفي والتحليل التاريخي والتوثيق الصحافي، ساعيًا إلى إعادة بناء مسيرة العظمة في سياقيها العثماني والسوري، وتجاوز الصورة الرمزية إلى دراسة الإنسان والضابط والسياسي، وفتح المجال أمام بحوث تستكمل ما تعجز المصادر المتاحة عن حسمه.


​​​​

اقــرأ أيضًــا

فعاليات