صدور كتاب "دور القضاء الدستوري في مسار التحول الديمقراطي: دراسة تحليلية مقارنة"

صدر عن المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات كتاب دور القضاء الدستوري في مسار التحول الديمقراطي: دراسة تحليلية مقارنة، تأليف رولا عبد المجيد بغدادي، وهو دراسة في القانون الدستوري المقارن، يتقصّى موقع القضاء الدستوري في المراحل الانتقالية، من حيث الصلاحيات التي تمنحها إياه النصوص، وقدرته الفعلية على حماية الديمقراطية في أكثر لحظاتها هشاشة، أي قبل أن تستقر قواعدها، وتترسخ مؤسساتها، ويصبح الاحتكام إليها جزءًا من الثقافة السياسية.

تتجلى أهمية الكتاب في تناوله مجالًا ظلّ محاطًا بقدرٍ كبيرٍ من الغموض، على الرغم من اتساع الأدبيات المتعلقة بالديمقراطية والعدالة الدستورية. فالدراسات الدستورية اهتمت، في الغالب، بالديمقراطيات الراسخة أو باللحظة التأسيسية التي يولد فيها الدستور، لكنها لم تولِ القدر نفسه من الاهتمام بالمرحلة الانتقالية الملتبسة التي شهدت سقوط النظام القديم، من دون أن يكون النظام الجديد قد استقر بعد. وتُعَدّ هذه المرحلة الاختبار الفعلي للدستور؛ إذ ينتقل السؤال فيها من مضمون القاعدة القانونية إلى مدى قدرتها على فرض نفسها في سياق تتنازع فيه القوى السياسية قواعد اللعبة ذاتها.

ينطلق الكتاب من أطروحة تبدو بسيطة في صياغتها، لكنها تنطوي على إشكاليات في نتائجها: إذا كان القضاء الدستوري شرطًا لازمًا للتحول الديمقراطي، فإنه لا يشكّل شرطًا كافيًا؛ فالمحكمة لا تعمل بمعزل عن التاريخ والسياسة، ولا يكفي النصّ على وجودها في الدستور لضمان قدرتها على حماية الديمقراطية؛ فهي مؤسسة قانونية تعمل في قلب السياسة، وتتأثر بموازين القوى بقدر ما تسعى إلى ضبطها. ومن ثم، تتوقّف فاعليتها على استقلالها وبنيانها المؤسسي وصلاحياتها، وكفاءة قضاتها وشجاعتهم، فضلًا عن قدرتها على قراءة السياق السياسي من دون الخضوع له. فالتأثر بالسياسة ملازم لعمل القضاء الدستوري، لكنّ الخطر الحقيقي يكمن في تسييس المحكمة أو تحويلها إلى أداة في يد السلطة.

ويناقش الكتاب دورَ القضاء الدستوري في حماية سموّ الدستور، والفصل بين السلطات، وحقوق الإنسان والأقليات. ويتناول الرقابة على التعديلات الدستورية، لا سيما حين تتحول آلية التعديل من وسيلة لتطوير النظام إلى أداة لتقويض الديمقراطية من داخلها. ويتطرق إلى مناهج تفسير الدستور، ونظرية الهيكل الأساسي، وإشكالية الاستفتاء الشعبي ومخاطر طغيان الأغلبية، وعقيدة "المسألة السياسية"، فضلًا عن علاقة المحاكم الدستورية بالانقلابات والأنظمة الاستبدادية.

ولا يكتفي ببناء حجّته على مستوى التجريد النظري، بل يختبرها من خلال تجارب الهند وكولومبيا والمجر وتركيا وتشيلي وفنزويلا ولبنان وغيرها. وتكشف المقارنة أن النتائج لا تحددها النصوص وحدها؛ فقد تتجاوز محكمةٌ حدود النص لحماية جوهر الديمقراطية، في حين تحتمي أخرى بالحياد القانوني في لحظة يصبح فيها الصمت انحيازًا فعليًّا إلى الاستبداد.

لهذا، يخاطب الكتاب القارئ العربي في لحظةٍ تبدو فيها الديمقراطية مثقَلة بالهزائم والانتكاسات، لا بوصفها وعدًا سهلًا، بل أفقًا سياسيًّا ودستوريًّا لا غنى عنه. ويقدّم مرجعًا عربيًّا متخصصًا يساعد على فهم الشروط المؤسسية الكفيلة بمنع إعادة إنتاج الاستبداد، وإعادة تأسيس السلطة على المواطنة والمساواة والحقوق والمشاركة. ويسدّ فراغًا في المكتبة العربية بربطه بين التحوّل الديمقراطي وأسئلته الدستورية والمؤسسية والسياسية.

​ ​

اقــرأ أيضًــا

فعاليات