صدر عن المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، ضمن سلسلة "ترجمان"، كتاب أحداث دمشق: مجزرة عام 1860 وتشكُّل الشّرق الأوسط الحديث The Damascus Events: The 1860 Massacre and the Making of the Modern Middle East، من تأليف يوجين روغان.
في 9 تموز/ يوليو 1860، هاجمت حشودٌ من المسلمين من أهل دمشق حارة النصارى، واستمرّ الهجوم ثمانية أيام، وأسفر عن مقتل نحو خمسة آلاف مسيحي، وحرق 1500 منزلٍ، وتدمير شبه تام للحارة، فضلًا عن إحراق محالّ المسيحيين في أسواق دمشق والقنصليات الأجنبية في أنحاء المدينة. وشكّل هذا الهجوم أحدث حلقة في سلسلة من الهجمات التي استهدفت المسيحيين في سوريا وجبل لبنان. ففي أواخر أيار/ مايو ومنتصف حزيران/ يونيو، اندلعت اشتباكات ضارية بين الطائفتين الدرزية والمارونية في جبل لبنان. وسرعان ما امتد هذا الصراع إلى دمشق، حيث اندلعت الفتنة الطائفية التي عُرفت تاريخيًا بـ "أحداث دمشق".
يروي المؤرخ روغان، في تسعة فصول، قصة أحداث دمشق. ونظرًا إلى أن هذه الأحداث مثّلت تطورًا غير مسبوق في تاريخ العلاقات بين المسلمين والمسيحيين في دمشق خلال العصر العثماني، يتناول روغان العوامل التي أدّت إلى تصاعد التوترات بين الطرفين، وتحوّلها إلى فتنة عارمة، موضحًا كيف انحدرت مدينة عريقة إلى حافة الإبادة الجماعية. وعلى هذا النحو، خصّص الفصول الأربعة الأولى لتحليل شبكة معقّدة من العوامل الدينية والسياسية والاجتماعية والاقتصادية التي عدّها من الأسباب الرئيسة لهذا الحدث الجلل.
يمثّل الفصل الخامس واسطة العِقد، إذ يفصّل فيه روغان أحداث المذبحة، ويتتبّعها يومًا بعد يوم، مستعرِضًا ردود أفعال المسؤولين العثمانيين، ومسؤوليتهم عنها، ولا سيما أحمد باشا والي دمشق آنذاك. ثم يتناول عجز السلطة عن حماية المسيحيين، والدور الذي اضطلع به الأمير عبد القادر الجزائري وعدد من أعيان المسلمين في إنقاذ غالبية مسيحيي المدينة. وبعد مناقشة تحليلية مطوّلة، يخلص المؤلف إلى أنّ ما تعرّضت له حارة النصارى في دمشق يرقى إلى ما وصفه بـ "لحظة إبادة جماعية" Genocidal Moment.
ويرصد المؤلف في الفصول الأربعة الأخيرة جهود الدولة العثمانية في احتواء الأزمة والتحديات الناجمة عن الأحداث. ويبيّن أن معظم أهداف الدولة تعارضت مع الأهداف التي وضعها فؤاد باشا، والمتمثلة في امتصاص غضب القوى الاستعمارية الأوروبية الكبرى، وتحييد الجيش الذي أرسلته فرنسا إلى لبنان لحماية المسيحيين والثأر لهم، واحتواء اللجنة الدولية. ويكشف عن الجهود التي بذلها فؤاد باشا للحفاظ على سيادة الدولة العثمانية على أراضيها، موضحًا أنه استطاع تحييد الجيش الفرنسي، وتجريد اللجنة الدولية من صلاحياتها الفعلية، وإعادة بناء حارة النصارى، ودمج المسيحيين من جديد في مجتمع دمشق، في آنٍ واحد. ويحرص، في معالجته لهذه المسائل، على توضيح الفروق الجوهرية بين التجربة السورية، التي نجحت في تجاوز الإرث الطائفي، والتجربة اللبنانية، التي رسَّخ فيها الاستعمار الفرنسي نظامًا للحكم الطائفي لا يزال قائمًا حتى اليوم.
أمّا الأطروحة المحورية الجدلية التي يطرحها روغان فتتمثّل في أنّ أحداث عام 1860 لم تكن فتنة عابرة، بل شكّلت البوابة التي عبر منها "الشرق الأوسط" إلى العصر الحديث. إذ إن أحداث دمشق أفضت إلى تغييرات جوهرية شملت الإصلاحات العثمانية، وتطوّر الخطاب السياسي العثماني نحو تبنّي هوية عثمانية غير مرتبطة بالدّين، بوصفها استجابةً للتدخّل الاستعماري الغربي.
يتفرّد الكتاب باعتماده على مصدرٍ معاصرٍ جديد اكتشفه روغان، يتمثّل في التقارير والمراسلات القنصلية الدقيقة والمفصّلة والمنتظمة التي كان يرسلها ميخائيل مشاقة، نائب القنصل الأميركي في دمشق، إلى القنصل الأميركي العام في بيروت. ويوضح المؤلف تفوّق هذه التقارير، بوصفها مصدرًا تاريخيًّا، على كتاب مشاقة المعنون الجواب على اقتراح الأحباب، الذي دُوِّن بعد نحو ثلاثة عشر عامًا من وقوع الحدث؛ إذ كُتبت التقارير بالتزامن مع وقوعه. وتسهم هذه الوثائق في إلقاء الضوء على شهادة مشاقة على أحداث عصره ووضعها في سياقها التاريخي.