صدر عن المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات كتاب المسألة النوبية في مصر: الماضي والحاضر والمستقبل، من تأليف أحمد عبد الموجود الشناوي، في 536 صفحة. ويتناول الكتاب المسألة النوبية في مصر، والمتمثّلة في مطالبة أبناء الجماعة النوبية الراغبين في العودة إلى موطنهم القديم الأصلي في النوبة، على ضفاف بحيرة ناصر، باستعادة حقّهم فيه. ويهدف إلى تقديم صورة واضحة للمسألة في وضعها الراهن؛ بالنظر إلى أهميتها لأبناء الجماعة من جهة، وللمجتمع المصري من جهة أخرى.
ومن أجل فهم المسألة النوبية فهمًا واضحًا وعميقًا، يركّز الكتاب على رصد عوامل تشكّلها ودوافعها وفهم أبعادها، واستكشاف إمكانية تحقيقها على أرض الواقع، وتحديد الصعوبات التي تعترضها، استنادًا إلى رؤية الراغبين في العودة. ويهدف ذلك إلى الإسهام في وضع تصور لمجتمع العودة المنشود، بما لا يتعارض مع ما يمكن أن تقدّمه الدولة.
وتتمثل أهمية الكتاب في تقديم فهمٍ عميقٍ للمسألة، استنادًا إلى رصدٍ ميداني يعكس المواقف الفعلية للشباب النوبيين من قضية العودة، ومحاولة تحديد أوجه الاختلاف والاتفاق بين أبناء الجماعات النوبية المتنوّعة حيالها، وصولًا إلى تكوين صورة أقرب إلى الواقع، قدر الإمكان، عن مختلف جوانب هذه القضية في المجتمع المصري. ويسعى الكتاب إلى إزالة كثير من الالتباس في الخطاب المتداول حول المسألة النوبية، بما يتيح توضيح حقيقتها، ويقتضي ذلك تفنيد عدد من "الأساطير" المرتبطة بها، التي تعوق فهمها لدى بعض الناس، وتحول دون التوصل إلى حلول "توفيقية" لمختلف المشكلات المتصلة بها.
سعى الباحث من خلال الدراسة الميدانية الأنثروبولوجية، إلى تقديم إضافة علمية لقضيةٍ تحتاج إلى مزيد من الدراسات المركزة، ومحاولة الوصول إلى توصيف موضوعي دقيق لها، بعيدًا عن التهوين أو التهويل أو المزايدة، وذلك من خلال تناول المطالبات النوبية في إطارها الموضوعي وحجمها الواقعي، بهدف الوصول إلى عمق المشكلة وتحليل مسبباتها، وصولًا إلى سبل تجاوزها عبر طرح حلول قابلة للتنفيذ في إطار الواقع الاجتماعي المصري العام، وبما يتناسب مع حجم الجماعة النوبية الجادّة في العودة.
ينقسم الكتاب إلى قسمَين رئيسَين؛ يعرّف القسم الأول، "النوبة المصرية: نظرة موجزة"، بالمجتمع النوبي وقضيتَي التهجير والعودة. ويتكوّن من أربعة فصول تتناول "جغرافية النوبة المصرية وتاريخها وسكانها"، و"الهجرة والتهجير في المجتمع النوبي: تحليل تاريخي"، و"عملية التهجير بين الأمل والواقع"، و"مسألة العودة: نظرة تاريخية". أما القسم الثاني، بعنوان "مسألة العودة: دراسة أنثروبولوجية مقارنة بين الشباب النوبيين"، فيعرض نتائج دراسة ميدانية، ويتكون من خمسة فصول، تتناول "العوامل المشكّلة لموقف الشباب النوبيين تجاه قضية العودة"، و"الشباب النوبيون بين الاندماج والعودة"، و"المعرفة بأبعاد المسألة النوبية"، و"قضية العودة: رؤية تحليلية"، و"مجتمع العودة بين الآمال والواقع"، إضافة إلى خاتمة تحليلية تفنّد عددًا من الأساطير المتعلقة بهذه القضية.
ويُختتَم بمجموعة من التوصيات، أهمها ضرورة النظر إلى النوبيين باعتبارهم نقطةَ قوة وإضافة إلى المجتمع المصري بما يتميزون به من خصوصية ثقافية، وبما يمثّلونه من عامل مهمّ للثراء والإثراء. ويؤكد أن الملف النوبي في مصر يحتاج إلى إدارة تراعي الحفاظ على وحدة المجتمع المصري وانسجامه في إطار قيم العيش المشترك، وفي مقدمتها احترام التنوع والتعدد الثقافي والثقافات الفرعية في المجتمع. ويوصي بأن تتم العودة وفقًا لاستراتيجيا تضعها الدولة بمشاركة جميع الأطراف، بما يحقق التطلعات المنشودة، ويحافظ في الوقت نفسه على المصالح الوطنية. ختامًا، يُظهر الواقع أن الخلاف حول المسألة النوبية يجب ألّا ينصبّ على توصيف ما حدث في الماضي، بل على كيفية التعامل مع آثاره. فالمسألة لا تفتقر إلى الحلول أو الإمكانات أو الموارد الكفيلة بتجاوزها.