عقد وحدة الدراسات الإيرانية في المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات مؤتمرها الخامس يومي 17 و18 أيلول/ سبتمبر 2025 بعنوان "إيران والمشهد الاستراتيجي المتغيّر في الشرق الأوسط"، بمشاركة باحثين وخبراء من مختلف لمناقشة أبعاد السياسة الخارجية والأمنية الإيرانية وعلاقتها بمحيطها المباشر وبمنطقة الشرق الأوسط.

اليوم الأول

افتتح مهران كامرافا، أستاذ الشؤون الحكومية في جامعة جورجتاون في قطر ومدير وحدة الدراسات الإيرانية، أعمال المؤتمر. ثم قدّم الدكتور سعيد خطيب زاده، نائب وزير الخارجية الإيراني ورئيس معهد الدراسات السياسية والدولية المحاضرة الرئيسة بعنوان "المنظور الإيراني حول الظروف الأمنية في المنطقة"، اتحدث فيها عن الهجوم الإسرائيلي على إيران ورد هذه الأخيرة عليه في خطوة غير مسبوقة. وشدّد على أنّ المنطقة تمرّ بمرحلة انتقالية تستدعي تحرّكًا جماعيًا. وتناول أزمة الثقة بين إيران والعالم العربي منذ الثورة الإسلامية، موضحًا أنّ الولايات المتحدة الأميركية وحلفاءها سعَوا إلى "أمننة صورة إيران وتشويهها".

عُقدت الجلسة الأولى بعنوان "نماذج الردع الإيرانية ومراجعات الأمن القومي". وقدّم فيها حميد رضا عزيزي ورقته بعنوان "انهيار ’الدفاع الأمامي‘: إعادة النظر في عقيدة الأمن القومي الإيراني بعد حرب الاثني عشر يومًا"، حيث تناول انهيار "الدفاع الأمامي" الإيراني في أعقاب التصعيد الإقليمي في المدة 2023-2025، الذي بلغ ذروته في حرب حزيران/ يونيو 2025 مع إسرائيل.

وقدّم سعيد شكوهي ورقة بعنوان "الشيفرة التشغيلية: إطار لفهم منظور طهران للاضطرابات في الشرق الأوسط"، بيّن فيها أنّ سلوك السياسة الخارجية الإيرانية ظلّ على الدوام تحديًا تحليليًا، خصوصًا في ظل الاضطرابات الإقليمية الأخيرة وما أعقب الهجوم المفاجئ الذي شنّته إسرائيل في 13 حزيران/ يونيو. وخلص إلى أنّ السياسة الخارجية الإيرانية يوجّهها مزيج من القناعات الماورائية، والمواجهة ذات الطابع الأخلاقي، والحسابات الاستراتيجية، والالتزامات الأيديولوجية.

وعرض محمد صيام الورقة الثالثة بعنوان "حدود الردع بالوكالة: الردّ الاستراتيجي الإيراني على المواجهة الإقليمية الإسرائيلية بعد 7 تشرين الأول/ أكتوبر 2023"، حيث ركّز على الموقف الاستراتيجي والنفوذ الإقليمي لإيران عقب الهجوم الذي شنّته حركة المقاومة الإسلامية "حماس" على إسرائيل، في 7 تشرين الأول/ أكتوبر 2023. وأكّد أنّ الاستراتيجية الإقليمية لطهران شهدت تراجعًا غير مسبوق في الفترة 2023-2025، نتيجة تحييد أبرز وكلائها، وتدمير أصول استراتيجية رئيسة، ما وضع قدرتها على ردع إسرائيل موضع تساؤل.

أمّا الجلسة الثانية فكانت بعنوان "النزعة العابرة للحدود والمسألة النووية في الاستراتيجية الأمنية الإيرانية". وقدّم عبد الرسول ديفسالار ورقته بعنوان "فشل الكمون النووي الزائد بوصفه أنموذج ردع: حالة إيران"، حيث رأى أنّ إيران، نظرًا إلى ضعف قدراتها العسكرية التقليدية، تحتاج إلى سنوات طويلة لتتجاوز التحديات المعقدة المتمثلة في دمج رأس نووي ضمن قواتها العسكرية، وتطوير عقيدة نووية متكاملة. وفي الورقة الثانية، بعنوان "إيران والهيمنة الإقليمية: دور العناصر الفكرية والمادية ومساعي تحقيقها عبر البوابة النووية والوكلاء"، تناول عادل الحواتمة دور العناصر المادية والفكرية في صياغة هويّة إيران ومصالحها الوطنية، وخلص إلى أنّ العناصر الفكرية، وفي هذه الحالة الخطاب السردي الإيراني، تمارس تأثيرًا أكبر من العوامل المادية، مثل الاعتماد على الوكلاء الإقليميين أو البرنامج النووي، في مساعي إيران لتحقيق الهيمنة في الشرق الأوسط. واختتم محمد أمين أحمدي وروح الأمين سعيدي أعمال هذه الجلسة بورقة مشتركة بعنوان "استراتيجية إيران في تحقيق التوازن بينها وبين إسرائيل بعد حرب غزة"، حيث أشارا إلى أنّ إضعاف تحالفات إيران قد أضعف موقعها الإقليمي، وتساءلا: كيف يمكن هذه الظروف أن تدفع طهران إلى استعادة التوازن عبر استثمارات كبيرة في قدراتها العسكرية الذاتية، لا سيما من خلال تطوير تقنياتها الصاروخية وإمكانية إجراء تعديلات على عقيدتها النووية؟

ثم اختُتمت أعمال اليوم الأول بجلسة ثالثة، بعنوان "العقيدة الاستراتيجية الإيرانية بعد 7 تشرين الأول/ أكتوبر 2023"، استُهلت بعرضٍ مشترك لعباس مالكي ومريم هاشمي نجاد بعنوان "الحسابات الاستراتيجية الإيرانية بعد حرب غزة عام 2023: بين الردع والتحالفات الأمنية الإقليمية"، حيث بيّن الباحثان أنّ سياسة الردع القائمة على التحالفات أصبحت محدودة باعتبارها استراتيجية للوقاية من الصراع، في حين يظلّ الردع السيادي، على الرغم من مخاطره التصعيدية، الأكثر اعتمادًا لدى طهران. وقدّم رضا اختياري أميري ورقته بعنوان "النظام الجديد لمرحلة ما بعد 7 تشرين الأول/ أكتوبر 2023 والتحوّل في السياسة الأمنية الإيرانية"، حيث أوضح أنّ الاستراتيجية الأمنية الإيرانية، بعد تراجع قوة شبكة حلفائها من غير الدول وتغيّر موازين القوى في المنطقة عقب حرب غزة، أصبحت تقوم على مزيج من استراتيجيات الموازنة الداخلية والخارجية. وفي ختام الجلسة، عرضت زكية يزدانشناس ورقتها بعنوان "استراتيجية إيران القائمة على الردع بعد أحداث 7 تشرين الأول/ أكتوبر 2023 ومركّب الأمن الإقليمي في الخليج"، وأوضحت أنّ نموذج الردع بالإنكار، القائم على استراتيجية الدفاع المتقدّم والمدعوم بمحور المقاومة، انهار نتيجة تفكك شبكة الوكلاء الإقليميين لإيران.​

اليوم الثاني

بدأ اليوم الثاني بالجلسة الرابعة من المؤتمر بعنوان "العلاقات بين إيران ودول مجلس التعاون لدول الخليج العربية والدبلوماسية الإقليمية. وقدّم جودت بهجت وكاثرين هولدن ورقةً بعنوان "ذوبان الجليد في العلاقات بين إيران ودول مجلس التعاون لدول الخليج العربية وتغيّر توازن القوى الإقليمي"، وبحثا في الكيفية التي غيّرت بها حربا غزة ولبنان، والضربات الإسرائيلية/ الأميركية على المنشآت النووية الإيرانية، المشهد الأمني في الشرق الأوسط على نحو واسع، ولا سيما تطور العلاقات الإيرانية – الخليجية في ظل هذه الصراعات العسكرية. وفي الورقة الثانية بعنوان "تقلّبات في الخليج: تواصل دبلوماسي متنامٍ بين إيران ودول مجلس التعاون لدول الخليج العربية في شرق أوسط متغيّر"، رأى مهران هاغريان أنّه رغم ما قد يبدو من تشابهات في سلوك دول مجلس التعاون، فإن حساباتها في اتخاذ القرار تجاه إيران تختلف اختلافًا كبيرًا، بفعل تباين تصوّرات التهديد، وهياكل الأنظمة، والمصالح الاستراتيجية. أما في الورقة الأخيرة للجلسة، بعنوان "سياسات الاتحاد الأوروبي في الخليج: تشكيل العلاقات الإيرانية - العربية من خلال الدبلوماسية وديناميات القوّة"، فقد أوضحت ركسانا نيكنامي أنّ الاتحاد الأوروبي، من خلال تعميق انخراطه مع دول الخليج العربية، يعيد تشكيل توازن القوى الإقليمي على نحو غير مباشر. ويطرح هذا التحول أمام إيران فرصًا للتعاون من جهة، وتحديات استراتيجية من جهة أخرى. وقد صاغت نيكنامي طرحها باستخدام التحليل الرباعي SWOT.

وناقشت الجلسة الخامسة "الأيديولوجيا والمقاومة في العقيدة الأمنية الإيرانية" وأدارتها ليلى عمر. ففي الورقة الأولى منها بعنوان "روح المقاومة في الثقافة الاستراتيجية الإيرانية: أسس قرآنية وشيعية ودستورية"، أوضح محمد همايون ‌وش أن "نهج المقاومة" في إيران يرتكز على عقيدة ذات أساس فكري مستمد من التعاليم القرآنية، وخاصة في رفض الخضوع، ومن اللاهوت السياسي الشيعي، والالتزامات الدستورية. أما محمد كلانتري، فجادل في الورقة الثانية بعنوان "معضلة النفوذ الأمنية: السياسة الشيعية العابرة للحدود الوطنية ومعوّقات السياسة الخارجية الإيرانية"، بأن الممارسات الدبلوماسية المكرّسة لتعزيز الهوية لم تعد تنتج انسجامًا، بل تناقضًا. وأوضح أن السرديات العابرة للحدود حول المقاومة في إيران باتت تتصادم على نحو متزايد مع الثقافات السياسية التعددية والوطنية، وهذه التناقضات لا تمثل مجرد إخفاقات سياسية، بل تكشف عن "فخ أنطولوجي" أعمق، حيث تولّد محاولات تثبيت الهوية عبر السياسة الخارجية حالة دائمة من التنافر. وعرض أحمد أبو زيد في الورقة الثالثة بعنوان "صراع العصبية: منظور خلدوني جديد للتنافس الإيراني - الإسرائيلي بعد حرب إسرائيل على غزة منذ تشرين الأول/ أكتوبر 2023" كيف أن عدسة "صراع العصبية" والقبلية السياسية تكشف عن الرؤى المتنافسة والسرديات المرتكزة على الهوية التي تغذي الصراع. كما بين أن فهم هذه "العصبيات/القبائل" لا يفسّر فقط تباين الاستجابات، بل يقدّم أيضًا تصورًا لكيفية تخيّل السلام على نحو مختلف من قبل كل طرف.

وجاءت الجلسة السادسة بعنوان "العقوبات والمنافسة الأمنية والتكيّف". وقد تناولت بينار أريكان-سينكايا وبيرم سينكايا في ورقتهما المشتركة "التنافس التركي - الإيراني الناشئ على سورية الجديدة: نتائج أولية للجغرافيا السياسية في الشرق الأوسط"، وبينا أن التطورات الأخيرة في سورية كثّفت من حدة التنافس الثنائي بين تركيا وإيران، وفي الوقت ذاته جعلت من علاقتهما قوة دافعة في إعادة تشكيل المشهد الجيوسياسي للمنطقة. وفي الورقة الثانية "العقوبات والتكيّف الاستراتيجي: تقويم القوة العسكرية الإيرانية"، بحثت زينب نيكوکار في تأثير العقوبات في إيران، وأوضحت أنه على الرغم من أنها كبّلت اقتصادها وشراكاتها الدولية، فإنها حفّزت أيضًا قدرة إيران على الصمود. لكنها أشارت في المقابل إلى استمرار مواطن الضعف نتيجة خسائر الوكلاء وضعف دعم الحلفاء. أما كهلان عبد العزيز الشجاع، فقد تناول في الورقة الثالثة "النفوذ الإيراني في باب المندب: الأدوات الجيوسياسية وتداعيات التغيرات الإقليمية"، وأوضح أن إيران راهنت على نحو متزايد على باب المندب في اليمن – عبر الحوثيين والجماعات المسلحة في القرن الأفريقي – بوصفه أحد آخر أدواتها المتبقية في ميزان الصراع بعد انتكاساتها في لبنان وسورية. وأشار أيضًا إلى أنه في المستقبل قد نشهد الانهيار التدريجي لهذه الجماعات بالوكالة نتيجة الضربات العسكرية، وإغلاق طرق التهريب، والضغط الشعبي، ما قد يفتح الطريق أمام "استعادة دور الدولة الوطنية".

وتطرّقت الجلسة السابعة بعنوان "القدرات العسكرية والحدود الأمنية الناشئة"، إلى برنامج الصواريخ الباليستية الإيراني ودوره السيبراني في المنطقة. وجادلت ثوبيه خورشيد في الورقة الأولى "تداعيات برنامج الصواريخ الباليستية والمسيّرات الإيراني على منظومة الأمن الإقليمي في الشرق الأوسط"، بأن إيران طوّرت ونشرت بفاعلية صواريخ باليستية وتقنيات طائرات مسيّرة متقدمة بوصفها حجر الزاوية في استراتيجيتها الحربية في الشرق الأوسط. وقدّم كاردو راشد ورقته المشتركة مع كوثر فتاحي بعنوان "السياسة الخارجية الإيرانية في الشرق الأوسط: حكومة إقليم كردستان، دراسة حالة"، حيث تناولا سياسة إيران الخارجية، ولا سيما في كردستان العراق، وذهبا إلى أنها تعمل كجزء من عقيدتها الإقليمية الأشمل. وأكدا أن استراتيجيات طهران تعتمد كثيرًا على الحرب غير المتكافئة، بما في ذلك استخدام الميليشيات والعمليات الاستخباراتية والنفوذ الاقتصادي، لتحقيق هذه الأهداف. وفي الورقة الثالثة بعنوان "تحليل استراتيجيات إيران في الفضاء السيبراني وتأثيرها في الديناميات الإقليمية"، جادل خليفة أحمد الكواري بأن إيران تستغل الغموض القانوني في الفضاء السيبراني لتنفيذ عمليات هجومية غير متكافئة تعوّض بها نقاط الضعف في قدراتها العسكرية التقليدية.

في الجلسة الثامنة والأخيرة للمؤتمر، بعنوان "الفاعلون من غير الدول والاستراتيجية الإقليمية لإيران"، وقدّم جواد القسمي ورقة أولى بعنوان "وكلاء إيران: دراسة مقارنة لاستراتيجيات التمكين والتوظيف بين حزب الله والحوثيين"، وجادل بأن طهران تنتهج مقاربة مزدوجة؛ إذ تبني مع حزب الله "شراكة عضوية" طويلة الأمد تهدف إلى إنشاء ردع استراتيجي شامل، بينما تعتمد مع الحوثيين "تحالفًا براغماتيًا" تكتيكيًا لاستغلال الفرص الجيوسياسية و"استنزاف الخصوم الإقليميين". ومن جهته، رأى إبراهيم معراجى في الورقة الثانية بعنوان "الواقعية الكلاسيكية الجديدة واستراتيجية إيران القائمة على الوكلاء: تحليل التكلفة والفائدة" أنه مع أنّ العوامل الأيديولوجية والأمنية ترجّح استمرار دعم الوكلاء، فإن التحولات الجيوسياسية والاقتصادية المتصاعدة قد تدفع طهران إلى إعادة معايرة مقاربتها الاستراتيجية.