اختتم المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، اليوم الإثنين، 5 تشرين الأول/ أكتوبر 2026، أعمال الدورة الخامسة من مؤتمر طلبة الدكتوراه العرب في الجامعات الغربية، الذي عُقد في مقر المركز في الدوحة خلال الفترة 3-5 تشرين الأول/ أكتوبر 2026، وقدّم خلاله 54 باحثًا وباحثة ينتمون إلى نحو 50 جامعة غربية أوراقهم المستمدة من أطروحاتهم في تخصصات متنوعة ضمن العلوم الاجتماعية والإنسانية، وعقّب عليها أكاديميون متخصصون في موضوعاتها. واستكمالًا لأعمال اليومين الأول والثاني، عُقدت في اليوم الثالث جلستان بحثيتان، توزّعت أوراقهما على أربعة من مسارات المؤتمر، وقدّم خلالهما عشرة من الباحثين والباحثات أوراقهم، تلتهما جلسة تعريفية بمشروع الموسوعة العربية "أرابيكا"، وكلمتان ختاميتان.
السياسة والعلاقات الدولية
في هذا المسار، بحث خالد سيد علي، في ورقته "التنمية الاقتصادية في ظل الأنظمة العسكرية: دراسة مقارنة بين عهدي عبد الناصر والسيسي في مصر"، مسارات التنمية في مصر في ظل الحكم العسكري منذ عام 1952، وطوّر مفهوم "التنمية المقيّدة" إطارًا لفهم أزمتها. وجادل بأن هذه المسارات أفضت إلى نموذج يتسم بتجذّر التبعية واستمرار التفاوت الطبقي، وبأن التحول النيوليبرالي الذي تعمّق في عهد السيسي أسهم في ترسيخ الفوارق الاجتماعية. وتناول يوسف شرف، في ورقته "دولة ذات سرعتين: إعادة تشكيل النخبة الإدارية في مصر خلال حقبة الإصلاح الاقتصادي في عهد مبارك (1991-2011)"، إعادة تشكيل هذه النخبة منذ برنامج التكيّف الهيكلي عام 1991. وجادل، خلافًا للسرديات التي تختزل هذه المرحلة في "رأسمالية المحاسيب"، بأن التحرير الاقتصادي لم يُضعف الدولة بقدر ما أعاد تشكيلها من الداخل، عبر وحدات تكنوقراطية مدعومة من المانحين داخل بعض الوزارات تعايشت مع الجهاز الإداري القائم، وأنتجت بنية إدارية هجينة راكمت توترات داخلية ظهرت في كانون الثاني/ يناير 2011.
الاقتصاد والسياسات العامة والطاقة والدراسات الحضرية
في هذا المسار، شارك بلال أبو جعفر عن بُعد، بورقته "التصدير في ظل التقلبات: استجابات الشركات الفلسطينية الصغيرة والمتوسطة في اقتصاد متأثر بالصراع"، وفيها تناول التحديات التي تواجهها هذه الشركات في الوصول إلى الأسواق الدولية، استنادًا إلى مقابلات مع أصحابها ومديريها. وكشف عن عوائق أبرزها قيود الحركة وعدم اليقين اللوجستي والقيود المالية والتنظيمية، وأبرز دور الخبرة الإدارية وشبكات الأعمال والقدرة على التكيف في التخفيف من أثرها. وقارن ممدوح عبد القادر، في ورقته "السياسة المالية والتحول إلى الطاقة المتجددة: أدلة تجريبية من قطاع توليد الكهرباء الصناعي في الولايات المتحدة الأميركية"، بين ثلاث أدوات، هي ضرائب الوقود الأحفوري، والحوافز الضريبية للطاقة النظيفة، والدعم الحكومي لبحوث الطاقة، اعتمادًا على بيانات تشمل الفترة 2000-2015. وخلص إلى أن السياسات التي تؤثّر مباشرة في الأسعار هي الأسرع والأقوى أثرًا في زيادة استخدام الطاقة المتجددة، وأن أثر دعم البحث أضعف وأبطأ ظهورًا.
وسعت علياء ناصر المعاضيد، في ورقتها "العوامل التنبّئِية لنيات ترك العمل والسلوكيات السلبية في بيئة العمل لدى موظفي الخدمات الاجتماعية في دولة قطر"، إلى تحديد الخصائص الديموغرافية والمهنية الأقدر على التنبؤ بهذين السلوكين، من خلال استبيان شارك فيه 415 موظفًا في القطاعات الحكومية وغير الحكومية وقطاع الصحة. وأظهرت أن العمر والجنسية والقطاع والجنس عوامل تنبُّئِية مهمة، وأن نيات ترك العمل تتأثر تحديدًا بالقطاع والجنسية والمستوى التعليمي. واستكشفت بكينام حسن، في ورقتها "تصورات نحو تحسين التخطيط العمراني التشاركي في مدينة الإسكندرية"، كيفية إشراك السكان بفاعلية في قرارات التخطيط، استنادًا إلى مقابلات مع خبراء وأكاديميين واستبيانات موجهة إلى السكان. وكشفت عن تحديات تعوق المشاركة المجتمعية؛ منها ضعف الحوكمة المحلية، وانخفاض الثقة، ومركزية اتخاذ القرار، وخلصت إلى أن نجاح المشاركة يعتمد على المعرفة المشتركة والمسؤولية التشاركية بين أصحاب المصلحة.
دراسات الهجرة واللاجئين
في هذا المسار، طرح حسن مرتضى، في ورقته "الذات المختزلة: الإمبراطورية وأسبقية المهاجر في علم المكتبات والمعلومات"، ثلاث فرضيات مفادها أن فئة "المهاجر" سابقة لفعل الانتقال، وأن التصنيف يعمل بوصفه اختزالًا استباقيًا، وأن هذه العملية تُنتج "المهاجرية" حالةً معرفية مستدامة تتجاوز فعل الانتقال. وجادل بأن علم المكتبات والمعلومات يؤدي دورًا بنيويًّا في ضمان الاستمرار التاريخي لهذه الفئة.
التاريخ والفلسفة والأدب واللسانيات والدراسات الثقافية
في هذا المسار، قارنت لطيفة الرديعان، في ورقتها "بين الحقيقة والخيال: النساء السعوديات في أعمال الكاتبتين جين ساسون وزوي فيرارس"، تمثيل المرأة السعودية في الأدب الأميركي الروائي وغير الروائي الصادر في الفترة 1990-2019، وتتبّعت تحولاته في ضوء النظرية النسوية وما بعد الاستعمارية والنقاشات حول الاستشراق وسلطة السرد. وجادل سيف الدين الجميل، في ورقته "من فاعلية الجماعة إلى الفاعلية التعددية: مقاربات جمهورية للفاعلية الجماعية بين حنة أرندت وفيليب بيتيت"، بأن الجمهورانية الجديدة، إذا أرادت تحقيق الحرية بوصفها تحررًا من الهيمنة، فإنها تحتاج إلى الاستفادة من تصور أرندت للممارسة الجماعية للسياسة، وبأن تصوُّر بيتيت للجماعة يفتقر إلى بُعد ظاهراتي علائقي حاضر عندها. وجادل منير صايفي، في ورقته "نحو معرفة ملتزمة مناهضة للاستشراق: ويكيبيديا وإعادة إنتاج الإجحاف المعرفي الاستشراقي"، بأن تمثيلات المسلمين والإسلام في ويكيبيديا لا تزال تخضع لهيمنة سلطة معرفية خارجية، غربية في أغلب الأحيان، وأنها تهمّش الأصوات المحلية، ودعا إلى تطوير معرفة نقدية تسعى إلى تحقيق العدالة المعرفية واستعادة الحق في تمثيل الذات في العصر الرقمي.
جلسة تعريفية بالموسوعة العربية "أرابيكا"
في عقب الجلسات البحثية، عُقدت جلسة تعريفية بمشروع الموسوعة العربية "أرابيكا"، الذي أطلقه المركز العربي من أجل إنتاج موسوعة رقمية عامة باللغة العربية، تكون متاحةً مجانًا لكل من يبحث عن معارف موثوقة بهذه اللغة، وتكون بنصوص موثّقة يوقّعها متخصصون في مجالاتها. وفي الجلسة التي أدارتها داليا يونس، تحدث الدكتور طارق حمود، المنسق العام للموسوعة، عن أهمية المشروع، موضحًا أن عملية إنتاج المداخل تمرُّ بمراحل من التحكيم والتحرير تنعكس في جودتها ودقتها العلمية، وأن الموسوعة تمثّل مصدرًا غنيًّا لحفظ الثقافة العربية وتوثيقها، وأكّد أنه توجد حاجة ملحّة إليها في عصر الذكاء الاصطناعي؛ بالنظر إلى ما يمكن أن توفره من محتوى عربي موثوق يسهم في تغذية تطبيقاته ونماذجه اللغوية. وعرض أنس أبو سمحان مراحل العمل الموسوعي التي يمرُّ بها المدخل من التأليف إلى النشر، وهي التقييم الأولي، وفحص الأصالة، والتحكيم، والتحرير العلمي، والتدقيق اللغوي، والتحرير الموسوعي، والوسائط المتعددة. وأشار إلى أن "حصاد الموسوعة" حتى بداية أيلول/ سبتمبر 2026 تجاوز 12137 مدخلًا؛ وهي مداخل تضم أكثر من 28 مليون كلمة، منها 6666 مدخلًا في الحقول المعرفية و5471 مدخلًا في هيئة البلدان.
وتناول محمد زيدان عملية النشر في الموسوعة وطبيعة نشر مداخلها، وبيّن أنها تمثّل الفضاء الثقافي العربي، وقارنها بموسوعات عربية وعالمية، وأوضح أنها تسهم في تأسيس تقليد عربي في الكتابة الموسوعية. وعرض عبد الهادي بعيش مشروع كتابة مداخل موسوعية في موضوع اليمين المتطرف، وبيّن أن طلبة الدكتوراه العرب في الجامعات الغربية يمكنهم أن يسهموا في تقريب هذه المعرفة إلى القارئ العربي. وانتهت الجلسة بنقاش مفتوح، طرح خلاله طلبة الدكتوراه المشاركون أسئلةً متعلّقة بالموسوعة ومنهجية العمل فيها وسُبل المساهمة في كتابة مداخلها.
انطباعات بعض المشاركين
أشاد طلبة الدكتوراه المشاركون بتجربة المؤتمر، وبما أتاحته من نقاش علمي. فشكرت لطيفة الرديعان القائمين على تنظيمه، وأشارت إلى فرادته في العالم العربي من حيث الفكرة والتنظيم، وإلى أن ما تلقّته من ملاحظات المعقّب والمشاركين كان بمنزلة تمهيد لمناقشة أطروحتها المرتقبة. وأعرب هشام بوهدي عن سعادته بما أتاحه المؤتمر من تبادلٍ للأفكار مع الباحثين العرب وبناء شبكات بحثية، مؤكدًا أنه أفاد من ملاحظات المعقّب على ورقته، وأن النقاش فتح له آفاقًا بحثية جديدة. وبيَّن علي الرفاعي أن المؤتمر أتاح للباحثين مناقشة أفكارهم بلغتهم الأم مع متخصصين يدركون سياقات الظواهر التي يدرسونها، وأتاح لهم أيضًا تلقّي أسئلة دقيقة يتعذّر الحصول عليها في الجامعات الغربية.
ووصف محمد المساعيد مشاركته بأنها تجربة فريدة، مشيرًا إلى أن ملاحظات الأساتذة المعقّبين كانت من أبرز ثمرات المؤتمر، وأنها ساعدته في تجويد أفكاره، وأن المؤتمر أتاح التفاعل بين الباحثين والتعرّف إلى المؤسسات البحثية المعنية بالشأن العربي في المركز العربي ومعهد الدوحة للدراسات العليا. ورأت بكينام حسن أن ما يميّز المؤتمر هو تعدّدُ تخصصاته، وهو أمرٌ يتيح فرصًا للتعاون وبناء شراكات مع باحثين وباحثات قد تثمر مشاريع بحثية مقبلة، وأشارت إلى أن تعليقات المعقّب فتحت آفاقًا من شأنها أن تساعدها في تطوير أفكارها وإعدادها للنشر.
ختام المؤتمر
اختُتم المؤتمر بكلمة الدكتورة آيات حمدان، الباحثة في المركز العربي ورئيسة لجنة المؤتمر، وفيها شكرت الطلبة المشاركين، وأشادت بالنقاشات التي شهدتها جلسات المؤتمر، مؤكدةً أنها تمثّل إضافة معرفية قيِّمة بالنسبة إلى الطلبة المشاركين، وشكرت اللجنة المنظمة على جهودها. وقد تلت هذه الكلمةَ كلمةٌ للدكتور حارث حسن، المدير الأكاديمي للمركز العربي، وفيها شكر طلبة الدكتوراه المشاركين واللجنة المنظمة، ودعا الطلبة إلى أن يكون المؤتمر بدايةً للتعاون والتنسيق مع المركز.
وتجدر الإشارة إلى أن المؤتمر استقطب، منذ انطلاقه عام 2018 حتى دورته الحالية، 287 طالبًا وطالبة من أكثر من 140 جامعة في أوروبا والولايات المتحدة الأميركية وأميركا اللاتينية وكندا وأستراليا.