يصدر الكتاب السنوي استشراف 2025 في موضوع "مستقبلات الطاقة النووية" في وقتٍ عادت فيه الطاقة النووية لتتبوّأ صدارة النقاش الدولي، ليس بوصفها خيارًا تقنيًا لتوليد الكهرباء فحسب، بل باعتبارها، أيضًا، مسألةً استراتيجيةً تتقاطع فيها سياسات المناخ، وأمن الطاقة، والتغير التكنولوجي، والجغرافيا السياسية، والسلامة العامة، وإدارة المخاطر طويلة الأجل، وتوسع الأنظمة الرقمية والذكاء الاصطناعي، والقلق بشأن مرونة أنظمة الطاقة الوطنية، إضافة إلى الأزمات الجيوسياسية المتجددة. ومع ذلك، لا تزال المشاريع النووية تتطلب استثمارات رأسمالية ضخمة، ومتطلبات مؤسسية معقدة، وحساسية سياسية، فضلًا عن تعرضها للتأخير، وارتفاع التكاليف، والتهديدات الأمنية، وتحديات إدارة النفايات، وضعف ثقة الجمهور بها. وفي الشرق الأوسط والعالم العربي، تتفاقم هذه المعضلات بسبب ندرة المياه، والاعتماد على تحلية المياه، وتفاوت القدرات التنظيمية، والتنافسات الإقليمية، والتوترات العسكرية، والتفاوت في الجاهزية العلمية والتكنولوجية.
يتناول هذا العدد الخاص القضايا النووية من منظور استشرافي، من خلال دراسات مستقبلية متميزة، فهو لا يُشيد بالتكنولوجيا النووية دونما تمحيص، ولا يُنكرها عبر سرديات حتمية للمخاطر، بل يُمعن النظر في الظروف التي قد تتوسع فيها الطاقة النووية، أو تتجمد، أو تتجزأ، أو تتراجع؛ والبيئات التي قد يبقى فيها الردع مستقرًا أو يصبح أكثر هشاشة؛ وعواقب الحوادث، أو الهجمات، أو الانتشار النووي؛ والخيارات المؤسسية التي يُمكن أن تُوسّع آفاق المستقبل المنشودة مع تقليل التعرض للكوارث. ويجمع هذا العدد بين تخطيط السيناريوهات، والتحليل المقارن، وتقييم المخاطر، وتقييم السياسات، والتفاعل النقدي مع الدراسات الدولية، وذلك من خلال سبع دراسات، وترجمة، ومراجعتين.
تتناول الدراسة الافتتاحية، التي أعدتها موزة بنت محمد الربان، "استشراف الطاقة النووية المدنية في الدول العربية في أفق 2040: الجاهزية، والمفاضلات، وآفاق التكامل الإقليمي"، إمكانية أن تصبح الطاقة النووية المدنية عنصرًا أساسيًا في أنظمة الطاقة العربية خلال السنوات الخمس عشرة القادمة، بوصفها مصدرًا منخفض الكربون لتوليد الكهرباء، مع الإشارة إلى أن "العودة العالمية للطاقة النووية" لا تجعلها مناسبةً لكل دولة عربية. ومن خلال الجمع بين تحليل الاتجاهات، والعوامل المحركة، وعوامل عدم اليقين، وبناء السيناريوهات، تُنظّم الدراسة المستقبل حول محورين: الجاهزية الوطنية، واستقرار البيئة الإقليمية والجيوسياسية. وتقارن بين تطوير الطاقة النووية والطاقة المتجددة، وتخزين الطاقة، وتحديث الشبكة، وكفاءة الطاقة، والربط الإقليمي، والغاز منخفض الانبعاثات عند الضرورة. وتُحوّل مصفوفة القرار المكونة من عشرة أسئلة النقاش من التفضيل التكنولوجي المجرد إلى الظروف المؤسسية والمالية والتنظيمية والأمنية والبنية التحتية القابلة للقياس. وتخلص الدراسة إلى أن الطاقة النووية ستظل خيارًا مشروطًا ومُعتمدًا على نحوٍ انتقائي حتى عام 2040، وهي الخيار الأكثر جدوى في الدول ذات الحوكمة الرشيدة، وأنظمة الكهرباء الكبيرة، والقدرة المالية المستدامة، والاستقرار التنظيمي، أو في تطبيقات متخصصة مثل تحلية المياه والتدفئة الصناعية. وتُقدّم الدراسة الجاهزية المؤسسية، والقدرة على الاستجابة للطوارئ، والتعاون الإقليمي باعتبارها استثمارات "لا ندم عليها"، حتى في حال تأجيل الإنشاء.
وينتقل عثمان البهالي ومحمد حسن الحجي، في دراستهما "سيناريوهات التسرب النووي في منطقة الخليج العربي: المخاطر وسبل الوقاية والتعامل معها"، بالنقاش من الخيار الاستراتيجي إلى الهشاشة العابرة للحدود. ويتناولان الخليج العربي بوصفه فضاءً بحريًا يتسم بضيقه الجغرافي، وهشاشته البيئية، وأهميته الاقتصادية، وتعقيداته السياسية. فمن الممكن انتشار التلوث الإشعاعي عبر مياه البحر، والرواسب، والكائنات البحرية، والسلاسل الغذائية، والبنية التحتية الساحلية؛ بسبب مياهه الضحلة وشبه المغلقة، وبطء تجددها. ثم إن الاعتماد على المياه المحلّاة، ومصائد الأسماك، والموانئ، والهيدروكربونات، والساحل المكتظ بالمباني، يُضاعف من العواقب المحتملة. وبمراجعة البرامج النووية في الإمارات العربية المتحدة، والمملكة العربية السعودية، وإيران، تتناول الدراسة مسارات الحوادث، بما في ذلك الأعطال الفنية، والكوارث الطبيعية، والهجمات العسكرية، والتخريب، والهجمات الإلكترونية. واستنادًا إلى كارثة فوكوشيما، تناقش الدراسة نظائر السيزيوم واليود، وتطرح سيناريوهات افتراضية للتلوث النووي تركز على محطتي براكة وبوشهر. ويُظهر التحليل أن أيّ حادثٍ نووي قد يتحول إلى حالة طوارئ إقليمية في مجالات المياه والغذاء والصحة والبيئة والاقتصاد والأمن. ولذلك، من الضروري إنشاء شبكات متكاملة لرصد الإشعاع، وأنظمة إنذار مبكر قابلة للتشغيل البيني، وإجراء تدريبات إقليمية على حالات الطوارئ، ووضع بروتوكولات للتواصل مع الجمهور، وتوفير تدريب متخصص، وتعزيز التنسيق التنظيمي، والالتزام بحماية المنشآت النووية من أي هجوم.
وأما دراسة عبد الصمد فاضل، "الذكاء الاصطناعي ومستقبل الحروب: هل انتهى عصر الردع النووي؟"، فتتناول أثر التقنيات الناشئة في إعادة تشكيل الأسس المعلوماتية والزمنية التي يرتكز عليها الاستقرار الاستراتيجي. وبإعادة النظر في قدرة الضربة الثانية، وتوازن الإرهاب، والردّ الموثوق، تتساءل الدراسة عمّا إذا كان الذكاء الاصطناعي، من خلال الاستخبارات والمراقبة ومعالجة البيانات والاستهداف ودعم القرار، يُمكن أن يجعل الردع التقليدي عتيقًا. وتقدم إجابة دقيقة؛ فالذكاء الاصطناعي لا يُلغي الردع، بل يُغير الظروف التي يعمل فيها. ومن خلال تقليل عدم اليقين في بعض المجالات مع تسريع عملية اتخاذ القرارات في الأزمات، قد يُحدِث الذكاء الاصطناعي مفارقةً حيث يمتلك الفاعلون معلومات أكثر، ولكن وقتًا أقل لتفسيرها. وهذا يُمكن أن يُفاقم سوء الفهم، والتحيز الآلي، والثقة الزائفة، والحوافز لاستراتيجيات القوة المضادة. وتكون المخاطر أكبر في العلاقات غير المتكافئة تكنولوجيًا، حيث تبدو الترسانات الأقل حداثة أو تنوعًا عرضة للهجوم الاستباقي. ومع وجود قوى عظمى متقاربة تقنيًا، لا تزال عوامل التكيف المتبادل، والتكرار، والقيود البنيوية تحدّ من إمكانية القضاء على قدرة الخصم على شنّ ضربة ثانية. ولذلك، تدعو الدراسة إلى ردع متعدد المجالات، ومرونة سيبرانية، وبنية تحتية معلوماتية متينة، وسلطة بشرية مستدامة على قرارات استخدام القوة.
وتركز دراسة الدانة العماري، "الردع النووي الرمزي في الشرق الأوسط: السيناريوهات الاستراتيجية والتوازنات الإقليمية بحلول عام 2035"، على البيئة الأمنية المتغيرة في الشرق الأوسط والخليج العربي. وانطلاقًا من تصاعد حدة المواجهة، وسياسات الدول المعادية، واستمرار المخاوف بشأن التسلح النووي، تجادل بأن التصعيد النووي لم يعد في الإمكان التعامل معه بوصفه مسألة نظرية بحتة. وتستقصي الدراسة الردع الإقليمي خلال الفترة 2025-2035 من خلال دراسات حالة لإيران والسعودية، في سياق الموقف النووي الإسرائيلي الأوسع نطاقًا والتحالفات الإقليمية المتغيرة. وتستكشف، من خلال أربعة سيناريوهات، أثر التحولات في القدرات، والإشارات، والعقائد، والتحالفات السياسية في إعادة تشكيل التوازنات الإقليمية. وتكمن المساهمة المميزة للدراسة في مفهوم "الردع النووي الرمزي": استخدام الكمون النووي، والقدرة التكنولوجية، والإشارات السياسية، والغموض، أو وضع العتبة للتأثير في حسابات الخصم، من دون اللجوء بالضرورة إلى التسلح المعلن. فقد يُتيح هذا الموقف للدول وسيلةً لمواجهة التهديدات مع تجنُّب المخاطر الكاملة لسباق تسلح علني، إلا أنه قد يُؤدي أيضًا إلى سوء فهم وتصعيد. ومن خلال تقديم الردع النووي الرمزي باعتباره حلًا وسطًا مُحتملًا، بدلًا من حلٍ مضمون، تُوسِّع هذه الدراسة النقاش بشأن السبل التي تسعى من خلالها الجهات الفاعلة الإقليمية إلى تحقيق الأمن مع تجنُّب الحرب النووية و"الشتاء النووي".
وتُقدّم دراسة هيئة التحرير، "استشراف مستقبلات الطاقة النووية: أربعة مشاهد مستقبلية، عالميًا وعربيًا"، الإطار التكاملي الأوسع نطاقًا لهذا العدد. وتجادل بأن فهم الطاقة النووية لا يمكن تحقيقه من خلال الاستقراء الخطي؛ لأن مستقبلها سينبثق من تفاعلات بين الاختراقات التكنولوجية، وسياسات المناخ، والتشرذم الجيوسياسي، والقبول الشعبي، وأداء السلامة، وإدارة النفايات، والتمويل، والتعاون الدولي. وتُحدّد الدراسة أوجه عدم اليقين الحاسمة المحيطة بالمفاعلات المتقدمة والصغيرة، والعمليات المدعومة بالذكاء الاصطناعي، والالتزامات المناخية الصارمة، وصدمات أمن الطاقة، وإدارة النفايات، والموافقة العامة. وانطلاقًا من هذه الشكوك، ترسم أربعة مسارات محتملة حتى عام 2050: الابتكار التدريجي والانتشار المتخصص، أو نهضة نووية عالمية مدفوعة بالأزمات، أو تراجع ما بعد الكوارث، أو مستقبل نووي متشرذم جيوسياسيًا. ويجري تفسير كل سيناريو في سياق العالم العربي، ولا سيما ترابط الطاقة والمياه، وتحلية المياه، وأنظمة الكهرباء الإقليمية، والاعتماد التكنولوجي، والأمن. فضلًا عن تبيان أن مستقبل الطاقة النووية لن يتحدد بالتكنولوجيا وحدها، بل سيجري تمكينه أو تقييده، أيضًا، من خلال صدقية السياسة، والقدرة المؤسسية، والثقة الدولية، وسجلات السلامة، والتعاون عبر الحدود.
ويتناول الحسين شكراني ومحمد جواد مالزي، في دراستهما "مستقبل الطاقة النووية والسياسات المناخية: قراءة في السرديات المتنافسة"، الجدل الدائر بشأن دور الطاقة النووية في خفض انبعاثات الكربون. وتقارن الدراسة بين سردية "النهضة النووية"، التي تُصوّر الطاقة النووية عنصرًا لا غنى عنه لتوفير كهرباء موثوقة ومنخفضة الكربون، وسردية مضادة تُركّز على التكاليف الباهظة، وفترات الإنشاء الطويلة، وعدم المرونة، والهدر، وتكاليف الفرصة البديلة لتحويل رؤوس الأموال من مصادر الطاقة المتجددة، والتخزين، وشبكات الكهرباء، وكفاءة الطاقة. واستنادًا إلى تجارب عربية مختارة، تُقيّم الدراسة هذه السرديات في ضوء سرعة مسارات التحول الطاقي، وتكلفتها، ومرونتها، وجدواها السياسية. ولا يقتصر جوهر المسألة على إذا ما كانت الطاقة النووية تدعم العمل المناخي أم تعرقله، بل يتعداه إلى كيفية أداء البدائل التكنولوجية في الظروف المؤسسية والاقتصادية المختلفة. مع التشديد على صعوبة الاعتماد على تقنية نووية واحدة أو مسار نووي واحد. وعند السعي للاستثمار في الطاقة النووية، ينبغي أن يترافق ذلك مع تمويل الابتكار، ولوائح تنظيمية موثوقة، وتطوير التكنولوجيا، وتخطيط موثوق للطاقة الكهربائية، وقبول شعبي. ويشجع منظور الدراسة الاستشرافي صانعي السياسات على تحقيق التوازن بين أمن الطاقة، والكفاءة الاقتصادية، والاستدامة البيئية، والشرعية الاجتماعية، بدلًا من السماح لسردية واحدة بالهيمنة.
وأخيرًا، تُعيد دراسة عبد اللطيف المتدين، "آفاق منطقة خالية من الأسلحة النووية في الشرق الأوسط: العقبات وسبل المضي قدمًا"، النظر في أحد أقدم تطلعات المنطقة في مجال الحد من التسلح، ولكنه الأقل تحقيقًا. وتبدأ الدراسة بمبادرة إيران-مصر عام 1974، وقرار معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية بشأن الشرق الأوسط عام 1995، موضحةً أسباب عدم إقرار معاهدة فعّالة رغم التأييد المتكرر لها. وتُظهر الدروس المستفادة من معاهدة تلاتيلولكو في أميركا اللاتينية ومعاهدة بيليندابا في أفريقيا أن المناطق الخالية من الأسلحة النووية تتطلب الثقة والتحقق والضمانات الأمنية وتسلسلًا عمليًا. وتُحدد الدراسة أربع عقبات رئيسة: غموض إسرائيل النووي وتجاهلها القيود القانونية الدولية، والتنافسات التي تتمحور حول إيران وتفاوت مستويات التهديد، وانعدام الثقة العميق المتجذر في الصراع ومخاوف الامتثال، وعدم التكافؤ في القدرات التقليدية وغير التقليدية. فهذه الظروف تُعوّق التوصل إلى اتفاق بشأن النطاق الإقليمي، وسلطة التحقق، ودخول الاتفاق حيز التنفيذ، وإنفاذه، والعلاقة بين نزع السلاح النووي والأمن الإقليمي. وتراوح السيناريوهات للفترة 2025-2035 بين استمرار حالة الجمود وتزايد ضغوط الانتشار النووي، وترتيبات محدودة للحد من المخاطر، في ظل ظروف بالغة الصعوبة، واحتمال التوصل إلى اتفاق شامل. وتوصي الدراسة بتدابير بناء الثقة، وأعمال التحقق التحضيرية، وتصميم المعاهدات بمرونة، وترتيبات تدريجية تحافظ على الأفق المعياري مع الحد من دوافع التصعيد.
وتضمّن العدد ترجمة لتقرير وكالة الطاقة الدولية بعنوان "الطريق نحو عصر جديد للطاقة النووية"، إضافة إلى مراجعتين نقديتين. ويضع نص وكالة الطاقة الدولية المناقشات الإقليمية في سياق تحوّل سياسة الطاقة العالمية، مُتيحًا للقراء العرب الاطلاع على تقييمٍ مُؤثرٍ للدور المُحتمل المُتجدد للطاقة النووية، والظروف الاستثمارية والتكنولوجية والسياسية التي تُشكّل هذا القطاع. في حين تُراجع هيئة التحرير في مراجعتها "النهج النظامي المتكامل في مستقبل الطاقة النووية" كتاب الطاقة النووية: التكنولوجيا، والجغرافيا السياسية، والاقتصاد، مُؤكدةً ضرورة فهم الطاقة النووية بوصفها نظامًا مُترابطًا يشمل التكنولوجيا، والتمويل، وسلاسل التوريد، وسلطة الدولة، والتنظيم، والتبعية الجيوسياسية. أما مراجعة نجاح عبد الحليم، فتُحلّل كتاب سيناريو للحرب النووية تحليلًا نقديًا، مُوجّهةً الانتباه إلى العواقب الإنسانية والاستراتيجية والبيئية والحضارية للتصعيد. وبذلك، تربط الترجمة والمراجعات بين التنبؤ بالطاقة والتحليل النظامي، والمواجهة التخيّلية لاحتمال وقوع كارثةٍ مُتطرفة.
ويُوسّع الملحق نطاق الكتاب السنوي ليشمل مواضيع تتجاوز موضوعه الرئيس، مع الحفاظ على الالتزام بالمعرفة الاستشرافية. وفيه يتناول يوسف بن حمد البلوشي مستقبل البحث العلمي والابتكار في سلطنة عُمان في ضوء رؤية "عُمان 2040" وما بعدها، رابطًا بين الرؤية الوطنية، والإصلاح المؤسسي، وإنتاج المعرفة، وقدرات التنمية طويلة الأجل. ويُقدّم أحمد قاسم حسين رؤيةً استشرافيةً شاملة لتأثيرات الذكاء الاصطناعي بين عامَي 2025 و2040 في الاقتصاد السياسي، والأنظمة الاجتماعية والتقنية، والحوكمة الديمقراطية. أما مهدي الأورابي، فيُقدّم في مقاله "نحو عالم أكثر عدلًا في المستقبل: على الأقل جغرافيًا"، منظورًا معياريًا ومكانيًا حول عدم المساواة، متسائلًا عن كيفية إعادة توزيع الفرص والسلطة والرفاه في الجنوب الكبير من خلال التنمية المستقبلية القائمة على الإنصاف الجغرافي والرمزي. ويوسع مقال هيئة التحرير بعنوان "الطاقة النووية في الفضاء: مقال استشرافي (2025-2050)" الموضوع الرئيس للكتاب السنوي ليشمل استكشاف الفضاء، والدفع، وتوليد الطاقة، والمهمات طويلة الأمد، إلى جانب مسائل الحوكمة والسلامة والاستراتيجية والأخلاقية.
ويضم الملحق أيضًا ثلاث ترجمات تُعزز دور الكتاب السنوي بوصفه جسرًا يربط بين النقاشات العالمية والدراسات العربية. وتستكشف مقالة "كيف نتشارك المستقبل: البحث عن نموذج جديد لخلق استدامة دائمة" المؤسسات والأطر اللازمة للانتقال من الاستغلال قصير الأجل إلى الاستدامة المشتركة. أما مقالة "من رهاب المستقبل إلى يوتوبيا المستقبل: منظورات الشباب حول المستقبل كمرحلة انتقالية حضارية"، فتُقدم الشباب بوصفهم مفسرين ومشاركين في ابتكار رؤى مستقبلية بديلة، وتتناول الانتقال من القلق إلى الخيال البنّاء. وتتناول مقالة "الذكاء الاصطناعي من خلال عدسات متعددة: استعادة الثقة في عصر الاستقطاب" أزمة الثقة المحيطة بالذكاء الاصطناعي من خلال منظورات متعددة وسياق اجتماعي. ويتضمّن الملحق أحد عشر عرضًا لكتب حديثة في مجال استشراف المستقبل ودراساته، تتنوع في موضوعاتها، ومنهجها؛ إذ تُقيّم الأفكار الناشئة، وتُعرّف القراء العرب بمنشورات حديثة مهمة، وتُشجع الحوار النقدي، وتُسهم في ترسيخ البنية المفاهيمية والمراجعية لهذا المجال.
يكتسب بذلك الكتاب السنوي استشراف 2025 أهميةً خاصة بتزامنه مع الاحتفال بمرور عشر سنوات على تأسيسه. فعلى مدى عقد من الزمان، أسهم في إعادة إحياء دراسات المستقبل في العالم العربي وتجديدها، من خلال توفير منصة مستدامة للبحث والترجمة والنقاش المنهجي ووضع السيناريوهات والمراجعة النقدية والتبادل بين الاختصاصات. ويكتسب هذا الكتاب أهميةً بالغة في منطقة غالبًا ما تهيمن فيها الأزمات الراهنة على النقاش العام، حيث يُنظر إلى المستقبل في كثير من الأحيان إما بوصفه امتدادًا للحاضر، أو بوصفه قوةً خارجية يتعين على المجتمعات التفاعل معها، وليس صوغها. وفي المقابل، يتعامل الكتاب السنوي مع المستقبل بوصفه مجالًا للبحث، ومجالًا للمسؤولية العامة، ومساحةً للاختيار المستنير. وقد عزز المفاهيم والأساليب التي تمكّن الباحثين وصناع القرار العرب من تحديد القضايا الناشئة، والتمييز بين الاتجاهات والشكوك، ودراسة المؤشرات الضعيفة، وبناء السيناريوهات، وتقييم المفاضلات، ومناقشة البدائل المرغوبة.
ويُجسّد هذا العدد الخاص هذه المهمة المعرفية والنهضوية، فمن خلال تناوله الطاقة النووية بوصفها خيارًا بيئيًا، وتحديًا للبنية التحتية، ومخاطرةً أمنية، وأداةً جيوسياسية، والتزامًا مجتمعيًا طويل الأمد، فهو يُبرز قيمة الاستشراف في تجاوز التحليلات المجزأة. ويُبيّن أن الاستعداد للمستقبل يتجاوز التنبؤ، فهو يتطلب مؤسسات قادرة على التعلّم والتنسيق والتنظيم والعمل في ظل عدم اليقين، وتوسيع نطاق الوصول إلى المعرفة العالمية من خلال الترجمة، ووضع سيناريوهات مُستندة إلى السياق الإقليمي، ونقاشًا مُستدامًا حول القيم والمخاطر والأولويات. وبهذا المعنى، يُرسي هذا العدد الأساس لفهم عالم سريع التغير، ويُساعد المجتمعات العربية على الاستعداد لمستقبل قد يكون ممكنًا أو مُحتملًا أو قابلًا للتجنب أو مرغوبًا فيه. ومع دخول الكتاب السنوي عقده الثاني، تبقى مهمته فكرية واستراتيجية في آنٍ واحد: تعزيز القدرة العربية على التفكير المنهجي في التغيير طويل الأمد، واستباق الاضطرابات قبل أن تُصبح قدرًا محتومًا، وتوسيع نطاق المستقبلات التي يُمكن أن تتصوّرها المنطقة بمسؤولية، والعمل على تشكيلها على نحو مقصود.
** تجدون في موقع دورية "استشراف" جميع محتويات الأعداد مفتوحة ومتاحة للتنزيل.