افتُتحت في الدوحة، اليوم السبت، 3 تشرين الأول/ أكتوبر 2026، أعمال الدورة الخامسة من مؤتمر طلبة الدكتوراه العرب في الجامعات الغربية، الذي ينظمه المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، وتستمر أعماله ثلاثة أيام، بمشاركة 54 باحثًا وباحثة ينتمون إلى نحو 50 جامعة غربية، لعرض أوراقهم المستمدة من أطروحاتهم في تخصصات متنوعة ضمن العلوم الاجتماعية والإنسانية.
وقد افتُتحت أعمال المؤتمر بكلمة للدكتورة آيات حمدان، الباحثة في المركز العربي ورئيسة لجنة المؤتمر، عرّفت فيها بالمؤتمر وأهدافه. وأشارت إلى أنه استقطب منذ انطلاقه عام 2018 حتى دورته الحالية 287 طالبًا وطالبة من أكثر من 140 جامعة في أوروبا والولايات المتحدة الأميركية وأميركا اللاتينية وكندا وأستراليا. وأوضحت أنه يمثّل جسرًا معرفيًا بين طلبة الدكتوراه العرب في الجامعات الغربية والعالم العربي، ويتيح لهم عرض مشروعاتهم البحثية ومناقشتها مع أكاديميين متخصصين، والتعرّف إلى الأجندات البحثية السائدة عربيًا، وتأسيس علاقات بحثية ومهنية مع المجتمع الأكاديمي العربي.
ثم عرّف الدكتور حارث حسن، المدير الأكاديمي للمركز العربي، بالمركز ووحداته وبرامجه البحثية، ومنها وحدات الدراسات السياسية، ودراسات الخليج والجزيرة العربية، ودراسات الدولة والنظم السياسية، والدراسات الإيرانية، والدراسات الاستراتيجية، والدراسات الاقتصادية، ودراسة المجال الاجتماعي الرقمي العربي، وترجمان، وبرنامج المؤشر العربي لقياس الرأي العام، ومشروع توثيق الذاكرة الفلسطينية. وتناول نشاط المركز في مجال النشر، مشيرًا إلى امتلاكه دار نشر تشارك في معارض الكتب الدولية، وإلى بلوغ إصداراتها نحو 925 عنوانًا. وعرّف بدوريات المركز العلمية المحكّمة الست، وهي: سياسات عربية، وعمران، وتبيّن، وأسطور، وحِكامة، والمنتقى الصادرة باللغة الإنكليزية، إضافة إلى الكتاب السنوي استشراف للدراسات المستقبلية. وقد بلغ مجموع ما صدر من هذه الدوريات والكتاب السنوي 264 عددًا حتى الآن.
وتحدثت الدكتورة أمل غزال، نائبة رئيس معهد الدوحة للدراسات العليا للشؤون الأكاديمية، عن المعهد الذي تأسس عام 2015 بوصفه مؤسسةً مستقلة للدراسات العليا، تعتمد اللغة العربية لغةً أساسية للدراسة والبحث. وعرّفت بكليتيه: كلية العلوم الاجتماعية والإنسانية، وكلية الاقتصاد والإدارة والسياسات العامة، وببرامجه الأكاديمية التي تشمل 14 برنامج ماجستير في الكلية الأولى وأربعة برامج في الثانية، إضافة إلى ثمانية برامج دكتوراه. وأكدت أن المعهد يولي طلبته أهمية خاصة، ويعمل على إنتاج معرفة عربية رصينة تتناول قضايا المنطقة، وتتفاعل نقديًا مع المعرفة الإنسانية المنتجة في مختلف السياقات، بما فيها المعرفة الغربية.
واختُتمت الجلسة بنقاش مفتوح، طرح خلاله طلبة الدكتوراه أسئلةً حول المركز العربي ومعهد الدوحة وبرامجهما البحثية والأكاديمية وفرص النشر والتعاون العلمي المتاحة فيهما.
وعقب الجلسة الافتتاحية، انطلقت الجلسات البحثية لليوم الأول، فعُقدت أربع جلسات متعاقبة بالتوازي ضمن ستة مسارات، هي: السياسة والعلاقات الدولية، والاقتصاد والسياسات العامة والطاقة والدراسات الحضرية، ودراسات النزاع والاستعمار الاستيطاني، وعلم الاجتماع وعلم النفس، ودراسات الهجرة واللاجئين، والتاريخ والفلسفة والأدب واللسانيات والدراسات الثقافية، قدّم خلالها 24 باحثًا وباحثة أوراقهم، وعقّب عليها أكاديميون متخصصون في موضوعاتها.
السياسة والعلاقات الدولية
في مسار السياسة والعلاقات الدولية، ناقش رمضان الأطرش، في ورقته بعنوان "الدولة بين الهيمنة والمؤسسة والمعنى: دراسة مقارنة في منطقها المفهومي عند أرسطو وابن خلدون وهيغل"، تشكّل مفهوم الدولة عند تقاطع السلطة والتنظيم المؤسسي والمعنى المعياري، وقارن بين تصوّر أرسطو للمدينة بوصفها جماعة أخلاقية غايتها الخير المشترك، وتفسير ابن خلدون لنشوء الدولة من خلال العصبية والهيمنة، وفهم هيغل لها بوصفها تجسيدًا مؤسسيًا للحرية. وبحث مصطفى الشرقاوي، في ورقته بعنوان "رجال الدين والاحتجاج في الكويت"، التعبير السياسي لدى رجال الدين، مستندًا إلى تحليل نحو 235 ألف تغريدة لثمانية وخمسين إمامًا كويتيًا بين عامَي 2010 و2024، وخلص إلى أن خطابهم السياسي يتكثف في أوقات الأزمات، وأنهم يستخدمون لغة دينية في تأييد الدولة، ولغة مدنية أو غير دينية في انتقادها، مع تباين بين منشوراتهم الشخصية وخطب الجمعة الرسمية.
وتناول مصطفى حته، في ورقته بعنوان "مأسسة الانتماء السياسي غير المتكافئ: الكرامة والأمننة والسياسات الإثنية القومية في إيران"، الكيفية التي تُنتج بها إدارة الدولة للتنوع الإثني تفاوتًا في الانتماء، على الرغم من المواطنة القانونية المشتركة، واقترح قراءة مطالب الجماعات المهمشة من منظور الكرامة والاعتراف وإعادة التوزيع. وجادلت دعاء حسن، في ورقتها بعنوان "الحرية الأكاديمية في ظل الدستورية السلطوية في السودان: إفراغ استقلال الجامعات من مضمونه كضمان مؤسسي"، بأن الإقرار الدستوري باستقلال الجامعات قد يقترن ببنية قانونية تعيد توظيفه لضبط مؤسسات التعليم العالي وتقييد حريتها. وبحثت آمنة الأشقر، في ورقتها بعنوان "ما قبل الأمن: بناء مفهوم الأمن من خلال الحياة اليومية للمسلمين السنّة المنفيين في إسطنبول"، تصورات الحماية والنظام والهوية لدى المثقفين والناشطين المنفيين، وكيفية تشكّلها من خلال الممارسات الدينية، وتجارب المنفى، والقمع، والتنميط.
الاقتصاد والسياسات العامة والطاقة والدراسات الحضرية
وفي مسار الاقتصاد والسياسات العامة والطاقة والدراسات الحضرية، ناقش محمد الجوهري، في ورقته بعنوان "من الحكم بالقانون إلى السيطرة الخوارزمية: القانون والذكاء الاصطناعي وإعادة تشكيل الحوكمة السلطوية في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا"، إعادة هندسة الأطر القانونية لاستيعاب أدوات القمع الرقمي، وحاجّ بأن القانون يؤدي دورًا في تأسيس هذه الممارسات وتبريرها. وتساءل محمد هاشم كريّم، في ورقته بعنوان "التحرير المالي والنمو الاقتصادي في ظل الاقتصاد غير الرسمي"، عن الشروط التي تجعل الانفتاح المالي محفّزًا للنمو، من خلال عينة شملت 153 دولة خلال الفترة 1990-2018، وخلص إلى تراجع عوائد التحرير المالي مع اتساع الاقتصاد غير الرسمي، ولا سيما في البلدان ذات الدين العام المرتفع. وقدّم أيمن الطيبي، في ورقته بعنوان "سياسة تجارية مشروطة من أجل السلام؟ الآثار الاقتصادية للمناطق الصناعية المؤهلة في الشرق الأوسط"، البرنامج المصري حالةً لدراسة أثر اشتراط المدخلات الإسرائيلية مقابل النفاذ المُعفى من الرسوم إلى السوق الأميركية، وخلص إلى أن مكاسب الصادرات والإنتاجية والتوظيف والأجور ترتبط أساسًا بإتاحة الوصول إلى تلك السوق.
دراسات النزاع والاستعمار الاستيطاني
تناول مسار دراسات النزاع والاستعمار الاستيطاني قضايا التعليم والبيانات والعمل الإنساني. واستهلته لمياء عابد بورقتها بعنوان "الحراك الأكاديمي في سورية ما بعد النزاع: هجرة الأدمغة والعوامل المؤثرة في قرارات الهجرة والعودة وتأثيرها في التعليم العالي"، وأظهرت نتائجها الأولية أن خروج الكفاءات أضعف جودة التدريس والقدرة البحثية، في حين أبدى أكاديميون عائدون ومقيمون في الخارج استعدادًا للمساهمة في نقل المعرفة وبناء القدرات، ولا سيما عبر التعاون الافتراضي. وناقشت سارة بدران، في ورقتها بعنوان "بيانات الجسد المسلوبة: المنطق الاستعماري لسلب بيانات الجسد عبر أجهزة التتبع الذاتي القابلة للارتداء"، انتقال ملكية بيانات المستخدمين إلى الشركات، وتحويل الجسد إلى مصدر للاستخراج والتسليع، ضمن ممارسات يبدو الانخراط فيها طوعيًا. وحلّل أشرف أبو موسى، في ورقته بعنوان "المرونة التنظيمية للأونروا في ظل الاستعمار الاستيطاني الرقمي"، استخدام الوكالة للتكنولوجيا في تقديم خدماتها وحفظ أرشيف اللاجئين وهويتهم، والتوتر بين ما تتيحه هذه الأدوات من قدرة على التكيف وما تفرضه بيئتها من مراقبة وقيود على الوصول والاستقلالية.
علم الاجتماع وعلم النفس
وفي مسار علم الاجتماع وعلم النفس، شارك جهاد-رۆستي عثمان عن بُعد، بورقته بعنوان "تحديد العوامل المفسرة للصحة النفسية للمهاجرين في كندا خلال جائحة كوفيد-19 عبر مراحل الهجرة"، وبحث فيها الاختلافات في نتائج الصحة النفسية تبعًا للعمر والجنس والتعليم والخلفية المهنية والأوضاع الاجتماعية والاقتصادية، مستندًا إلى مقاربات مسار الحياة والبنية والفاعلية ورأس المال البشري. وقدّمت هاجر جميعي ورقتها بعنوان "تحديد أولويات عناصر رعاية الأمومة المراعية للخصوصيات الثقافية والدينية للنساء المسلمات في أستراليا"، استندت فيها إلى تجارب نساء مسلمات ومشاركة أصحاب المصلحة لبناء إطار للرعاية التوليدية. وكشفت المقابلات عن تجارب من عدم مراعاة الخصوصيات الدينية والأذى العاطفي والإسكات، إلى جانب تجارب إيجابية قائمة على الاحترام، وبُني عليها تحديد عناصر الرعاية وترتيب أولوياتها.
وحللت فاطمة القرعان، في ورقتها بعنوان "زواج الأطفال في كندا: الانتشار، والسياسات، والتوعية العامة"، بناء مفهوم الطفولة اجتماعيًا وتفاعل قوانين الزواج مع المعايير الجندرية وخطابات الهوية الوطنية، واستعانت ببيانات الانتشار والقوانين الفدرالية والمحلية لدراسة أنماط الظاهرة والفجوات في تنفيذ السياسات، مع مقارنتها بالتجربة الأردنية. وبحثت رجاء شينون، في ورقتها بعنوان "رسم خرائط الانتماء: تجارب الطلبة المسلمين ومشاعر الانتماء والأهمية في التعليم العالي الأميركي"، أثر الهوية الدينية والمناخ الجامعي والسياقات الاجتماعية والسياسية في تجربة الطلبة المسلمين وشعورهم بأنهم أعضاء مقدَّرون داخل مؤسساتهم الجامعية.
دراسات الهجرة واللاجئين
وفي مسار دراسات الهجرة واللاجئين، طرحت مليكة صالح، في ورقتها بعنوان "ماذا يعني أن تكون إنسانًا؟ الكولونيالية والتجارب الحياتية للنساء العربيات المسلمات في مخيمات اللجوء"، سؤالًا عن تشكيل الاستعمارية لمفهوم الإنسانية. واستندت إلى بحث إثنوغرافي امتد عامًا في مخيمات اللاجئين في لبنان لتطوير مفهوم "البنية الأخلاقية للاستعمارية"، وشرح إنتاج تراتبيات القيمة الإنسانية عبر التدخل الإنساني وإدارة المخيمات والعلاقات مع المجتمع المضيف والحياة الحميمة. وانتقدت بسمة الدوخي، في ورقتها بعنوان "المحو الرمزي وواقع التنظيم الجمعياتي للمنظمات السورية والأفغانية في تركيا"، تعميم تسمية "المنظمات التي يقودها اللاجئون" على جمعيات تختلف في تاريخها وأوضاعها القانونية، وأظهرت أن الجمعيات قد ترفض هذه التسمية أو تستخدمها لأغراض عملية أو تخفيها، وأنها قد تزيد الرقابة والمخاطر السياسية بدلًا من تعزيز الاستقلالية.
ودرست بيان عنوز، في ورقتها بعنوان "الشتات بوصفه قوة تحوّلية: الفاعلية والموارد وتحديات الشتات السوري في سياق التحول السياسي في سورية"، مساهمة الفاعلين السوريين في ألمانيا في جهود إعادة الإعمار، وكيفية تعبئتهم التعليم والخبرة المهنية والشبكات الاجتماعية والموارد الرمزية ضمن فضاءات عابرة للحدود. وناقشت القيود البنيوية التي تواجه هذه المبادرات وأشكال التعامل معها. وتناول بلال هشام، في ورقته بعنوان "طوبى للغرباء: إثنوغرافيا عن رحلة المنفيين المصريين نحو التقنين والمواطنة في إسطنبول"، تجارب المنفيين في التعامل مع أوضاع قانونية متغيرة، استنادًا إلى عمل ميداني بين عامَي 2021 و2024. وتتبّع انتقالهم بين تصنيفات الإقامة واستراتيجيات طلب الحماية والحصول على المواطنة، محللًا أثر الغموض القانوني والأطر الإنسانية في قدرتهم على المطالبة بالحقوق.
التاريخ والفلسفة والأدب واللسانيات والدراسات الثقافية
وأخيرًا، مسار التاريخ والفلسفة والأدب واللسانيات والدراسات الثقافية، فقد استهله أكرم الأشقر بورقته "بدون عنوان: رحلتي عبر صناعة الأفلام التسجيلية المكتبية لاكتشاف صوت فلسطين"، بحث فيها مواجهة المحو المنهجي لفلسطين في الفضاء الرقمي من خلال فيلم وثائقي يستخدم شاشة الحاسوب والأرشيفات الرقمية لكشف آليات التحكم في المعلومات، وبناء أرشيف بديل يحفظ الذاكرة الفلسطينية. وبيّن علي الرفاعي، في ورقته بعنوان "مفارقة التراخوما في سورية ولبنان في ظل الانتداب الفرنسي (1918-1940): بين الإهمال المؤسسي والأولويات الصحية الانتقائية"، كيف بقي المرض المتوطن خارج أولويات الإدارة الاستعمارية، وكيف ارتبطت مكافحته بإدارة اللاجئين والتعليم والرقابة على التنقل، وأبرز دور الممرضات والراهبات والقابلات في مواجهته، في ظل الاعتماد على شبكات صحية غير حكومية.
وقدّمت نور حريري، في ورقتها بعنوان "أزمة العلم وسؤال التقدم: نحن والحداثة وما قبلها وما بعدها"، نقدًا إبستيمولوجيًا لمفهوم التقدم الذي رسّخته عقلانية الحداثة، وناقشت حدود التيارات التي تنتقد هذه العقلانية مع بقائها ضمن مستوى التمثّل ذاته، مستندةً إلى الإبستيمولوجيا التاريخية وفلسفة الرياضيات. وعرض هشام بوهدي ورقته بعنوان "تتبع ديناميات القراءة من خلال خوارج النص: الترجمة العثمانية لردوسي زاده لكتاب وفيات الأعيان أنموذجًا"، مستعينًا بخوارج النص في نحو عشرين مخطوطًا للكشف عن شبكات القراء والسياقات الاجتماعية والثقافية لتلقي الترجمة. واختتم محمد علي زللو مداخلات هذا المسار بورقته بعنوان "طرد الموريسكيين من إسبانيا في المصادر العربية والإسبانية: دراسة مقارنة"، قارن فيها بين تشتت الشهادات العربية وغزارة الروايات الإسبانية وارتباط عدد من كتّابها بالسلطات الدينية والإدارية، مؤكدًا ضرورة إدماج المصادر العربية في التأريخ للحدث.
وقد أشاد طلبة الدكتوراه المشاركون بتجربة المؤتمر وما أتاحته من فرص للتعلّم وتبادل الخبرات. فأكدت فاطمة القرعان أهمية المؤتمر في تصحيح الصور النمطية وسوء الفهم عن المنطقة، ولا سيما في مجال التعليم مؤكدةً ما لمسته من شعور بالمساواة بين المشاركين. من جانبها وصفت لمياء عابد مشاركتها بأنها تجربة ثرية ومجزية، ودعت طلبة الدكتوراه إلى المشاركة في مثل هذه المؤتمرات والاستفادة مما تتيحه من نقاشات وإثراءات علمية.
وتجدر الإشارة إلى أن أعمال المؤتمر تستمر إلى يوم الإثنين، 5 تشرين الأول/ أكتوبر 2026، وسيناقش فيها الباحثون والباحثات أوراقهم المتوزعة على مسارات المؤتمر الستة الآنفة الذكر، وسيُختتم برنامجه بجلسة تعريفية بمشروع الموسوعة العربية "أرابيكا".
لمزيد من المعلومات، يرجى الاطلاع على
جدول أعمال وكتيب المؤتمر