بدون عنوان

صدر عن المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات ومعهد الدوحة للدراسات العليا العدد السادس والخمسون (ربيع 2026) من دورية عمران للعلوم الاجتماعية. وتضمّن خمس دراسات تناولت موضوعات متنوّعة، من بينها مسارات الحركة الاحتجاجية في الجزائر بعد الاستقلال، والاحتجاجات الطلابية في تونس ومصر، وتمثّلات المغاربة للمهاجرين المنحدرين من أفريقيا جنوب الصحراء في ضوء ثنائية الدين والنفعية، واستعمالات التاريخ في مشروع خلدون النقيب حول مجتمعات الخليج والجزيرة العربية، إضافةً إلى دراسة عن مأزق إعادة إعمار غزة عقب الإبادة. واشتمل العدد أيضًا على مناقشة حول صورة المدرّس في سوسيولوجيات التربية الجديدة، وترجمة لدراسة كليفورد غيرتز عن أنماط الريّ التقليدي في بالي والمغرب، إلى جانب مراجعتين لكتابين في الفكر الإيكولوجي والتحولات الرقمية، واختُتم بعروضٍ لخمسة كتب صدرت حديثًا.

استُهِلّ العدد بدراسة لناصر جابي عنوانها "الحركة الاحتجاجية الجزائرية بعد الاستقلال: مسارات القطيعة والاستمرارية"، تبحث في تطوّر الاحتجاجات في الجزائر منذ موجات منتصف ثمانينيات القرن العشرين وصولًا إلى حراك 22 فبراير/ شباط 2019، من خلال مقاربة نوعية تستند إلى الملاحظة بالمشاركة ومقابلات مع فاعلين سياسيين، فضلًا عن تحليل أدبيات الحركات الاجتماعية والكتابات حول النظام السياسي الجزائري. وتجادل الدراسة بأن حراك 2019 شكّل لحظة احتجاجية مغايرة اتسمت بسلميّتها واتساع قاعدتها الاجتماعية وطول مدتها، وبطرح مطالب نوعية تتصل بإصلاح النظام السياسي ومدنية الدولة، في مقابل استمرار عجزه عن التحول إلى تنظيم سياسي ذي قيادة ممثلة. وتبيّن النتائج أن هذه المفارقة تعكس تحولات سوسيولوجية عميقة، ودورًا بارزًا للهجرة، وطابعًا حضريًا متعدّدًا أتاح بلورة وحدة مطلبية عامة من دون أن تتحول إلى مشروع سياسي منظم.

أمّا دراسة عدنان الأمين، "الجامعة حقل نزاع: الاحتجاجات الطلابية في تونس ومصر (1968-1973)"، فتبحث في موجات الاحتجاج الطلابي التي شهدها البلدان خلال تلك الفترة، متتبعةً انتفاضتَين في تونس وأربعًا في مصر بوصفها حلقات متعاقبة ضمن دورة احتجاجية واحدة ذات بداية ونهاية. ويُظهر التحليل، من منظور نظرية الحركات الاجتماعية، أن هذه الاحتجاجات عبّرت عن أزمات سياسية عامة عاشها البلدان، وإن ظلّ هذا التعبير محصورًا إلى حدّ كبير في الأوساط الطلابية. ويبيّن أيضًا أن محور هذه الانتفاضات دار حول قضيتين أساسيتين: علاقة النظام السياسي بحوكمة التعليم العالي في البلدين، والقضية الوطنية في مصر المرتبطة بتداعيات حرب حزيران/ يونيو 1967 والثورة الفلسطينية. وتخلص الدراسة إلى أن زخم هذه التحركات ارتبط بدينامية الجامعة بوصفها مؤسسة للتنشئة الاجتماعية ومنصة محتملة للتمرّد، بما يجعلها حقلًا للنزاع الاجتماعي تتكثف فيه توترات المجال السياسي الأوسع.

وقدّمت دراسة عزيز مشواط ومهدي جعفر، "الوعي بالغيرية بين الدين والنفعية: تمثّلات المغاربة للمهاجرين الأفارقة المنحدرين من جنوب الصحراء الأفريقية"، تحليلًا لكيفية تشكّل تصوّرات عيّنة من المغاربة تجاه المهاجرين القادمين من أفريقيا جنوب الصحراء، مع التركيز على دور الانتماء الديني في بناء هذه التمثّلات. وتعتمد الدراسة إطارًا نظريًا فيبريًا يستلهم مفاهيم العلمنة والعقلنة واستراتيجيات الفعل النفعي، وتحلل أربع عشرة مقابلة نصف موجهة أُنجزت ضمن بحث ميداني كيفي في ست مدن مغربية لرصد أنماط التفاعل مع هؤلاء المهاجرين. وتخلص الدراسة إلى أن المحدد الأبرز في تشكيل التمثّلات لا يتمثّل في الانتماء الديني بقدر ما يرتبط بالاستراتيجيات النفعية للمشاركين وبطبيعة الأنشطة الاقتصادية والاجتماعية التي يمارسها المهاجرون، في حين يظل الدين إطارًا تفسيريًا يُستدعى لتبرير مواقف متشكّلة أساسًا على اعتبارات مصلحية.

وفي مقاربةٍ تاريخية لاشتغال سوسيولوجي، تناولت دراسة عبد الرحمن الإبراهيم، "حين يرتدي عالم الاجتماع عباءة المؤرخ: استعمالات التاريخ في مشروع خلدون النقيب عن مجتمعات الخليج والجزيرة العربية"، كيفية توظيف خلدون النقيب المادة التاريخية في قراءته لتشكّل الدولة والبنى الطبقية ومسارات التحول الاقتصادي والسياسي في الخليج والجزيرة العربية. ولا تتعامل الدراسة مع هذا التوظيف بوصفه سردًا تاريخيًا قائمًا بذاته، بل باعتباره تشغيلًا للوقائع والروايات والمراجع ضمن إطار تفسيري يسعى لفهم تحولات المنطقة. وفي هذا السياق، تناقش الدراسة نقد النقيب للمؤرخين، وتحلل آليات استخدامه للتاريخ، لا سيّما في التحقيب الذي غلب عليه المنظور الاقتصادي، وفي تحليله الطبقي الذي يميل إلى تقديم المحددات الاقتصادية على حساب النسب والانتماءات القبلية. وتخلص إلى أن مشروع النقيب قدّم إسهامًا بارزًا في دراسات الخليج والجزيرة العربية، مع بقائه في حاجة إلى مزيد من إحكام أدوات القراءة التاريخية للسياقات التي تناولها.

ويُختتم باب "دراسات" في هذا العدد بدراسة وديع العرابيد، "حرب بطريقةٍ أخرى: مأزق إعادة إعمار غزة بعد الإبادة"، التي تتناول إعادة إعمار قطاع غزة بوصفها عملية تجري ضمن بنية الإفقار التنموي المرتبطة بالحكم الاستعماري الاستيطاني، القائم على تقويض مقومات التنمية وتدمير الاقتصاد واستهداف الوجود السكاني على المدى البعيد. وتجادل الدراسة بأن استدعاء مقاربات إعادة الإعمار التقليدية في سياق الإبادة ينطوي على مجازفة قد تُفضي إلى استمرار الحرب بوسائل أخرى، مبرزةً جملة من التحديات البنيوية التي ستواجه أيّ عملية إعمار مستقبلية، من بينها الأزمة الإنسانية العميقة، واستمرار الحصار، وغياب جهة مسؤولة موحّدة برؤى محلية، فضلًا عن إشكاليات التمويل وعدم استقرار المساعدات الدولية. وتخلص الدراسة إلى أن إعادة إعمار مستدامة تظل رهينة بإنهاء الحصار وتفكيك بنية الإفقار التنموي، وارتباطها بمسار أوسع نحو تقرير المصير والتحرر ضمن مشروع وطني فلسطيني موحّد.

أمّا باب "مناقشات"، فتضمّن دراسة لمحمد الإدريسي بعنوان "المدرّس في منظور سوسيولوجيات التربية الجديدة"، سعت لإبراز التحوّل الإبستيمولوجي الذي أحدثته السوسيولوجيات الجديدة في مقاربة العلاقة بين المسألة التربوية والمسألة الاجتماعية، من خلال إعادة توجيه الاهتمام إلى المدرسة بوصفها فضاءً لإنتاج التفاوتات التعليمية والاجتماعية. وفي هذا الإطار، تركّز الدراسة على فئة المدرّسين باعتبارهم الفاعلين الرئيسين في أي مشروع إصلاحي، وركيزة التغيّر التربوي المنشود. وتبيّن أن سوسيولوجيات التربية الجديدة أولت أهمية خاصة لفهم أدوار المدرّسين وممارساتهم داخل الفصل، بما يعزّز انعكاسيتهم النقدية ويتيح لهم الإسهام في تفكيك آليات البناء المدرسي للتفاوتات التعليمية وتحليلها، ودفعهم إلى المشاركة الفاعلة في إعادة تشكيل الفعل التربوي.

وفي باب "ترجمات"، نقرأ ترجمة فؤاد أعراب لدراسة كليفورد غيرتز "الرطب والجاف: الريّ التقليدي في بالي والمغرب"، التي تبرز أهمية المنظور المقارن في الإيكولوجيا البشرية من خلال تحليل نظامَي ريّ تقليديَين في سياقَين متباينَين: شرق المغرب الأوسط وجنوب شرق بالي. وتُظهر الدراسة أن وفرة المياه في بالي أفرزت تنظيمًا جماعيًا واضحًا لمنشآت الري وتوزيعها، في حين أفضت الندرة النسبية للمياه في المغرب إلى أنماط أكثر فردية قائمة على الملكية. وتُتابع الدراسة البنية الداخلية لهذين النظامين وصلتهما بعوامل ثقافية وإيكولوجية أوسع، مبيّنة أن أنماط التكيّف مع البيئة يمكن تحليلها ضمن الأطر نفسها التي تُفهم بها بقية جوانب الحياة الاجتماعية، وأن التباين بين المقاربتين يمتد ليعكس اختلافات أعم في التنظيم الاجتماعي في كلٍّ من المجتمعين.

أخيرًا، اشتمل باب "مراجعات الكتب" على مراجعة محمد هلال الحسني لكتاب "التيارات الإيكولوجية الراهنة: تمرين في التصنيف والنمذجة" لخالد شهبار، ومراجعة ياسين عتنا لكتاب "الإنسان الرقمي والحضارة القادمة" لدانييل كوهين. واختُتم العدد بعروضٍ لخمسة كتب صدرت حديثًا أعدّتها هيئة التحرير، وهي تتناول موضوعات مختلفة عن تحوّلات المجال العمومي في المجتمعات الغربية الحديثة، والأنثروبولوجيا البصرية، والحرية الأكاديمية في المنطقة العربية، ومجتمع صنعة الذكاء الاصطناعي، وموقع فلسطين في الأكاديميا الغربية. أمّا لوحات العدد، فجاءت من أعمال الفنّانة التشكيلية الأردنية مرام علي.


** تجدون في موقع دورية "عمران"  جميع محتويات الأعداد مفتوحة ومتاحة للتنزيل.