صدر عن المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات ومعهد الدوحة للدراسات العليا العدد الخامس والعشرون، تموز/ يوليو 2026، من الدورية نصف السنوية العلمية المحكّمة "أسطور" للدراسات التاريخية. ويتضمن العدد الجزء الأول من ملف خاص بتاريخ النساء، على أن تُستكمل مواده في الأعداد التالية من الدورية، إلى جانب دراسات في المقاومة والاستعمار، والكتابة التاريخية، وبناء السرديات الوطنية، فضلًا عن ترجمة وأربع مراجعات كتب.
في باب "دراسات" تستهل لطيفة البوحسيني أستاذة التاريخ في كلية علوم التربية بجامعة محمد الخامس في الرباط، العدد بدراسة "أوضاع النساء الاجتماعية بالمغرب خلال المرحلة الوسيطية (القرون 11-14م)". وتبحث فيها أوضاع النساء داخل الأسرة والعلاقات بين المرأة والرجل، اعتمادًا على كتب النوازل الفقهية ونصوص الرحلات لتجاوز شُحِّ المعلومات في الكتب الإخبارية. وتتخذ الدراسة من مفهوم "القوامة" إطارًا لتحليل ممارسات الزواج وأعرافه، وأساليب تفاوض الأسر للتخفيف من آثار هذه السلطة، وتهتمّ بمدى تأثُّر ذلك بالتفاوت بين الفئات الاجتماعية وانعكاسه على الاستقرار الأسري.
وفي دراسة "العُمانيون ومقاومة الاستعمار: جدل المحو والتأريخ (1868-1975)"، يبحث سعيد بن سلطان الهاشمي، الأكاديمي العُماني والباحث في وحدة دراسات الخليج والجزيرة العربية بالمركز العربي، في وجود مدرسة تاريخية عُمانية أرَّخت للثورة ومقاومة الاستعمار. وتقارن الدراسة، من خلال منهج استردادي تحليلي، بين تمثلات الكتابة الكولونيالية للمقاومة والثورات في عُمان، والكيفية التي عبّرت بها الكتابة العُمانية عن تاريخها الثوري. وتخلص الدراسة إلى وجود مدرسة تاريخية عُمانية وثَّقت المقاومة، وربطت مفهوم الثورة بجذور المجتمع والدولة، لكنّ صوتها ظل محجوبًا بسبب هيمنة السردية الكولونيالية؛ ما يستدعي مزيدًا من البحث وإعادة القراءة والتنقيب التاريخي.
ويتناول فارس الأتاسي، وهو مهندس معماري وباحث وكاتب في التاريخ السوري العثماني والمعاصر، في دراسة "ثورة هادئة: تعليم البنات في سورية أواخر العهد العثماني (1880-1918)"، نمو تعليم البنات في أواخر القرن التاسع عشر بالنظر إلى الإصلاحات الرسمية والمبادرات الأهلية، حتى من دون تمويل حكومي مباشر. وتُبيّن الدراسة أن هذه الجهود أسهمت في تعلُّم نحو رُبع البنات المسلمات في المدارس الحديثة، في سياق الاستجابة للحداثة الأوروبية ومحاولة "عثمنة" مظاهرها بعد ظهور المدارس التبشيرية في ولايتَي سورية وحلب. وتبحث، أيضًا، استنادًا إلى الأرشيف العثماني والحوليات الرسمية والمصادر المحلية، في أثر العوامل الدينية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية؛ ولا سيما تسييس التعليم في عهد حزب الاتحاد والترقي، وما ترتَّب عليه من عزوف عن المؤسسات الرسمية.
وفي دراسة "الحركة النسوية المصرية: تاريخ من النضال والتفاوض"، تراجع هدى الصدة، أستاذة الأدب الإنكليزي والمقارن في جامعة القاهرة، السردية التي تصف الحركة النسوية العربية بأنها مأزومة وغير قادرة على إحداث تغييرات جذرية. وتبرز نجاح النسويات في تحقيق أهداف عديدة، على الرغم من عراقيل دول ما بعد الاستقلال ومحاولاتها توظيف الحركة سياسيًّا. وتعرض الدراسة حالات نازعت فيها النسويات السلطة وتفاوضن معها، فخسرن أحيانًا ونجحن أحيانًا أخرى، مع استمرارهن في النضال، وتُبيّن كذلك تقاطع التجربة المصرية مع تجارب نسوية عربية أخرى، على الرغم من الاختلاف بينها.
أما دراسة "سياسات التحديث الاجتماعي في تونس قبل الاستقلال وبعده: الرهانات والتحديات" لصلاح الدين بن فرج، الأستاذ في كلية العلوم الإنسانية والاجتماعية بجامعة تونس، فتتناول مشروع التحديث الاجتماعي بين ثلاثينيات القرن العشرين ومنتصف الخمسينيات من خلال كتاب "امرأتنا في الشريعة والمجتمع" للطاهر الحداد، و"لائحة مجلة الأحكام الشرعية" لمحمد عبد العزيز جعيّط، و"مجلة الأحوال الشخصية" الصادرة سنة 1956. وتدرس هذه الوثائق بوصفها تعبيرًا عن الصراع الاجتماعي والسياسي بشأن الأسرة، في ضوء رهانات الفاعلين وتعريف ماكس فيبر للفعل الاجتماعي. وتخلص إلى أن تحديث الأسرة التونسية كان مسارًا إشكاليًّا تجاذبه المتمسكون بالنموذج التقليدي والداعون إلى الإصلاح باسم الحداثة، بما يفسر ظروف التأسيس المبكر لحقوق الأسرة والمرأة.
وفي دراسة "الأب المؤسس المفقود: تحولات التاريخ الديني والثقافي في بناء السردية الوطنية الكويتية"، يتناول عبد الرحمن الإبراهيم، الأستاذ المساعد في برنامج التاريخ بمعهد الدوحة للدراسات العليا، توظيف التاريخ الديني والثقافي في بناء السردية الوطنية الكويتية بعد الاستقلال. وتوضح الدراسة كيفية تحوّل الوثيقة في بعض الكتابات من مصدر للوقائع إلى أداة لإثبات أصل ثقافي وديني سابق للدولة الحديثة. وتناقش شروط وصف الكويت بأنها "دار علم"، وتقرأ النسب الجغرافية الواردة في المخطوطات بوصفها قرائن مرنة، لا هويات وطنية جاهزة، وتفحص كذلك صناعة صورة عثمان بن سند باعتباره "أبًا مؤسسًا"، مؤكدةً ضرورة استعادة القراءة النقدية للوثائق بدلًا من استخدامها لتكرار الرواية السائدة.
ويُختتم باب "دراسات" بدراسة لوليد الشرقاوي، الباحث في معهد تاريخ الزمن الراهن في فرنسا، "تاريخ النساء تحت اختبار التأمّل والأخلاق: حالة الناشطات الماركسيات - اللينينيات المغربيات". وينطلق الباحث من أن "سنوات الرصاص" في المغرب دُرست على نطاق واسع، لكنها نادرًا ما قُرئت من منظور تاريخ النساء. واعتمادًا على بحث مع معتقلات سياسيات سابقات من الحركة الماركسية اللينينية، يناقش تقاطع تاريخ النساء مع تاريخ الزمن الراهن، وينتقد مبدأ إخفاء الهوية؛ لأنه لا يضمن المجهولية بالضرورة. ويرى أنّ تسمية النساء بأسمائهن أمرٌ ضروريٌّ من أجل استعادة فرادة تجاربهن ومواجهة محوهن من السرديات التاريخية.
وفي باب "ترجمات"، نُشرت دراسة المؤرخة الفرنسية إيزابيل إيرنو "تاريخ النساء وأولى المؤرخات المهتمات به في فرنسا (القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين)"، وهي من ترجمة حنان السقاط، أستاذة الدراسات الإسلامية بجامعة سيدي محمد بن عبد الله في المغرب. وتُراجع الدراسة اعتبار سبعينيات القرن العشرين بدايةً لتاريخ النساء، متتبعةً نحو مئة مؤلَّف لنحو خمسين كاتبة منذ نهاية القرن الثامن عشر حتى أربعينيات القرن العشرين. وترصد انتقال الكتابة من قواميس التراجم والسير الجماعية إلى السير الفردية والمؤلفات الموضوعاتية، ثم بروز تاريخ النسوية والأطروحات الجامعية بين الحربين. وتصنّف الكاتبات، أيضًا، إلى أديبات وهاويات وحاصلات على شهادات أكاديمية، وتخلص إلى أن أعمالهن، على الرغم من بقائها غالبًا خارج المؤسسة الأكاديمية، مهدت لتبلور تاريخ النساء باعتباره حقلًا أكاديميًّا.
واشتمل باب مراجعات الكتب على أربع مراجعات، هي: "’نساء الصحراء‘: بين أنثروبولوجيا النساء والنساء الأنثروبولوجيات" لفوزي بوخريص وعبد الله هرهار؛ و"الحرية النسائية في تاريخ المغرب الراهن بين المرجعية الإسلامية والمواثيق الدولية: حوار مجتمعي في ضوء خطة إدماج المرأة في التنمية ومدونة الأسرة" لإبراهيم القادري بوتشيش، وهي مراجعة ليحيى بو لحية؛ و"النسوية الإسلامية وخطاب ما بعد التحرر: الانعطاف الثقافي في الجزائر" لمغنية رزق، وهي مراجعة لفاطمة الزهراء قشي؛ و"الهيستوريوغرافيا وذاكرة الحروب الصليبية في العالم العربي الحديث"، وهي مراجعة لأحمد سعيد رزق لكتاب حرّره عمار بعاج وأحمد شعير، عنوانه: The Historiography and Memory of the Crusades in the Modern Arab World.
وتتوزع الدراسات الخمس المنضوية إلى ملف "تاريخ النساء" بين بقية دراسات العدد، اتساقًا مع تقليد دورية "أسطور" في ترتيب الدراسات زمنيًّا بحسب الفترات التي تتناولها. ويضم هذا الملف دراسة مترجمة، وثلاث مراجعات كتب، من أجل تقديم صورة متعددة الأبعاد لحضور النساء في التاريخ العربي، وتطرح هذه المواد أسئلة منهجية ومعرفية عن تطور الكتابة التاريخية عنهن وإدماج تجاربهن في السرديات العامة.
ختامًا، تتوجه الدورية بجزيل الشكر والتقدير إلى الباحثة لطيفة البوحسيني، التي أعدَّت الورقة المرجعية لملف "تاريخ النساء"، وأسهمت في مراجعة دراساته، بما أغنى محتواه العلمي وعزَّز تماسكه المعرفي.
** تجدون في موقع دورية "أسطور" جميع محتويات الأعداد مفتوحة ومتاحة للتنزيل.