صدر عن المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات ومعهد الدوحة للدراسات العليا العدد الثاني والثمانون من الدورية العلمية المحكّمة "سياسات عربية"، التي تُعنى بالعلوم السياسية والعلاقات الدولية، وتصدر كل شهرين.
افتُتح العدد بمقالةٍ لعزمي بشارة، عنوانها "من لا-أخلاقية السياسة إلى السياسة غير الأخلاقية في ظل إدارة ترمب وأثرها"، تبحث في أثر التعرّض المتواصل لخطاب إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب وممارساتها في القيم والأعراف الأخلاقية السائدة في المجال العمومي في الولايات المتحدة الأميركية وخارجها. وينطلق بشارة أولًا من التمييز بين الاعتبارات اللا-أخلاقية الخاصة بالسياسة وتبرير الخطاب والممارسة السياسيَين غير الأخلاقيَين. وفي هذا السياق، تأتي أطروحته لتفحص، من منظور تحليلي نقدي، كيف يؤدي تكرار ممارسات الاستخفاف بالحقيقة، وتسخير السلطة والمال العام لخدمة المصالح الشخصية والحزبية، والاستخفاف بالقانون، وممارسة العنصرية، إلى تحويل ما كان يُعدّ تجاوزًا يستدعي المساءلة إلى سلوك مألوف في الحياة السياسية. ويناقش حدود الاكتفاء بالسخرية السياسية من هذه الممارسات أو تقييمها وفق حسابات المنفعة والنجاح، من دون إخضاعها لنقد أخلاقي مستقل. وتخلص المقالة إلى أن الضرر لا يقتصر على السياسات ذاتها، بل يمتد إلى احتمال تبلّد الحس الأخلاقي لدى الجمهور بفعل الاعتياد عليها، وتآكل المعايير التي تضبط ممارسة السلطة والمساءلة عنها، وهو ما يتطلب استعادة النقد الأخلاقي للسياسة، وعدم اختزال الحكم على الأفعال السياسية في نتائجها أو في موازين القوة والمصلحة.
وتضمّن العدد ملفًّا خاصًّا بعنوان "قضايا الانتقال والهوية وبناء الدولة في سورية ما بعد الأسد"، تسعى الدورية من خلاله إلى فهم بعض الأبعاد الأساسية للمرحلة الانتقالية الجارية في سورية، بعيدًا عن المتابعة الحدثية للتحولات المتسارعة أو التكهّن بمآلات سياسية لا تزال مفتوحة على احتمالات متعددة. فينطلق من الحاجة إلى تفكيك مسائل بنيوية يرجّح أن يكون لها أثر حاسم في اتجاه الانتقال ومآلاته، وفي مقدمتها الإرث الدستوري والمؤسسي الذي خلّفه النظام السابق، والتحولات التي طرأت على علاقته بقواعده الاجتماعية خلال سنوات الحرب، والتغيرات التي طرأت على تصورات السوريين للهوية الوطنية، وشروط إعادة بناء الدولة وصوغ عقد اجتماعي جديد، وصولًا إلى مساءلة طبيعة السلطة والمؤسسات الآخذة في التشكّل ومدى قدرتها على القطع مع أنماط الحكم الشخصاني والزبوني التي طبعت المرحلة السابقة. ومن ثم، يدرس العدد اللحظة السورية بوصفها نهاية مسار، وبداية مسار آخر في تشكيل الدولة والسلطة والمجتمع والعلاقة بينها.
قدّم للملف محرّره أحمد قاسم حسين. ويضمّ الدراسات الآتية: "الإرث الدستوري في سورية (1973-2024): فرص ضائعة على الطريق نحو انهيار نظام الأسد" لإبراهيم دراجي، و"بناء الدولة والعقد الاجتماعي في سورية ما بعد الأسد: مقاربة تأسيسية" لعماد العلي، و"هويات متصدعة: قراءة في تحولات الهوية الوطنية السورية اعتمادًا على نتائج المؤشر العربي في سورية 2025" لأحمد قاسم حسين ونبيل حسين، و"سوسيولوجيا انهيار نظام الأسد: الطائفة العلوية وتفكك العقد الاجتماعي (2011-2024)" لحيان دخان ورهف الدغلي، و"إعادة تشكيل السلطة في سورية ما بعد الأسد: مقاربة نيوباتريمونية" لعزام القصير.
يبحث إبراهيم دراجي في دراسته الفجوة بين النصوص الدستورية والواقع السياسي الممارساتي، وكيف تحوّل النص القانوني في الحالة السورية، من فترة حكم الأسد الأب إلى فترة حكم الأسد الابن، من ماهية ما يجب أن يكون، موزّعًا للسلطات الثلاث ومعبّرًا عن الإرادة العامة المشتركة، إلى أداة وظيفية صرفة تشرّع قانونية بنية حكم فردية وأمنية وحزبية. ويجادل بأن النصوص أدت دورًا في إعادة تشكيل المجال السياسي وفقًا لمتطلبات السلطة الحاكمة طوال الفترة المدروسة. وباستخدام تحليل مضمون مجموعة من المواد والوثائق الدستورية، تتناول الدراسة الدستور من خلال مقاربة لا تنظر إليه بوصفه نصًّا قانونيًّا محضًا، بل بنية سياسية تعبّر عن علاقة السلطة بالمجتمع، وتنطلق في تحليلها من ثلاث زوايا مترابطة، تتمثل في شخصنة السلطة، أي تحويل النص الدستوري إلى وثيقة تفويض دائم للرئيس؛ وعسكرة الدولة، أي إخضاع المجال السياسي لمنطق المؤسسة العسكرية والأمنية؛ وتحزيب الدستور، أي تذويب الدولة في الحزب الحاكم. وفي بلورةٍ للنتائج التي خلصت إليها الدراسة استقرائيًّا، يؤصّل دراجي مفهوم الدولة الأمنية الدستورية، لتكون دراسته بذلك شرحًا لآلية دسترة الاستبداد وتقنينه نصيًّا.
ومراعاةً للحظة الانتقال السياسي في سورية، تنشغل دراسة عماد العلي بالتفكير في فلسفة بناء الدولة، مجادلةً بأن بناء دولة جديدة يتطلب إعادة صياغة العلاقة بين الدولة والمجتمع ضمن عقد اجتماعي جديد. ويسعى العلي أوّلًا إلى بحث المحددات السياسية والسوسيولوجية والمعيارية التي تشكّل الأساس النظري السليم لفكرة بناء الدولة. ومن ثم، يشخّص البيئة السورية، فيرصد غلبة البنية السلطوية على الدولة على حساب دولة المواطنة، معتبرًا أن الدولة في سورية، بوصفها كيانًا مؤسسيًّا ومشروعًا سياسيًّا، "لم تستكمل بعد شروط التطور المؤسسي التي تمكّنها من أداء وظائف الدولة الحديثة". لذلك، يركّز الباحث، في مسعاه إلى فهم محددات بناء العقد الاجتماعي، على مسائل ومعوّقات، من قبيل الطائفية، وتفكك الهوية الجمعية، والعلاقة بين الديني والسياسي. ويؤكد ضرورة الانتقال إلى نموذج الدولة التعاقدية، من خلال صياغة نمط جديد من التفاعل السياسي بين المجتمع والدولة والسلطة. وبناءً على ذلك، تتمثل إضافته الأساسية في تقديم تصور معياري وتأسيسي لعلاقةٍ أكثر توازنًا وواقعية بين المجتمع والدولة، بما ينسجم مع خصوصية السياق السوري.
وفي السياق ذاته، المنشغل بالهوية الوطنية في سورية، تعالج دراسة أحمد قاسم حسين ونبيل حسين تحولات إدراك الهوية الوطنية خلال مرحلة ما بعد النزاع، انطلاقًا من إشكالية رئيسة تتمثل في السؤال الآتي: كيف يعيد السوريون تعريف هويتهم الوطنية في ظل إعادة تشكّل الدولة؟ ويسعى الباحثان إلى سدّ فجوة في الأدبيات من خلال الربط بين المقاربات النظرية للهوية، من جهة، والتحليل الكمّي لبيانات استطلاع المؤشر العربي في سورية لعام 2025، من جهة أخرى. ويعتمدان نموذج الانحدار اللوجستي لاختبار أثر المتغيرات الديموغرافية والسوسيو-اقتصادية والتعليمية والطائفية، والتفاعلات بينها. ويخلصان، استنادًا إلى نتائج الدراسة، إلى "أن الهوية الوطنية في سورية لا ترتبط بقوة بالخصائص الفردية التقليدية، بل تتشكّل أساسًا عبر السياق السياسي والمكاني، مع بروز أثر التعليم العالي والتفاعل بين الطائفة والإقليم". وتؤكد الدراسة أن الهوية الوطنية في سورية ليست بنية ثابتة، بل عملية مستمرة البناء، وإن بدت عناصرها المؤسسة ثابتة، وترتبط بإعادة بناء الدولة على أساسَي المواطنة والمساواة.
أما رهف الدغلي وحيان دخان، فتعتمد دراستهما مقاربة سوسيولوجية تركّز على العلاقة بين السلطة وقاعدتها الاجتماعية، لكنها لا تستخدم مفهوم العقد الاجتماعي بالمعنى الكلاسيكي، الذي يشير إلى العلاقة بين الدولة والمجتمع عمومًا، بل توظّفه بوصفه إشارة إلى ترتيب سياسي ضمني نشأ بين النظام وجماعة اجتماعية بعينها، قوامه توفير الحماية والامتيازات والتمثيل الرمزي في مقابل الولاء السياسي والعسكري، وهو ما تمثّل في اختيارهما دراسة الطائفة العلوية. ويقرّ المؤلفان، في البداية، بأن الطائفة العلوية ليست كتلة متجانسة ذات موقف واحد، بل فضاء اجتماعي شهد تمايزات داخلية على أسس طبقية ومناطقية وسياسية. ولم يهدفا إلى تقديم تفسير أحادي لسقوط النظام، أو اختزال الحرب السورية في بُعدها الطائفي، بل إلى إبراز دور التفكك التدريجي للعلاقة بين النظام وإحدى ركائزه الاجتماعية الأساسية في إضعافه من الداخل.
تستند الدراسة إلى عشر مقابلات أُجريت عن بُعد مع مشاركين من خلفيات اجتماعية ومهنية مختلفة في اللاذقية وطرطوس وجبلة، إلى جانب قراءة تحليلية للأدبيات ذات الصلة بالعلاقة بين السلطة وقاعدتها الاجتماعية في الأنظمة السلطوية. ويهدف الجمع بين المقابلات والمصادر الثانوية إلى بناء قراءة تأويلية تربط بين الخبرة المعيشة والأطر السوسيولوجية والسياسية. ويحلل المؤلفان المقابلات باستخدام التحليل الموضوعي لاستخراج الأنماط الدلالية الرئيسة التي تكررت في الشهادات. وتؤصّل الدراسة، أولًا، مفهوم العقد السلطوي الضمني بوصفه "ترتيبًا سياسيًا غير صريح نشأ بين سلطة سلطوية وقاعدة اجتماعية محددة، وقام على تبادل الحماية والتمثيل والاقتراب من مراكز الدولة في مقابل الولاء السياسي والعسكري".
ومن خلال منهج كيفي تأويلي، تتيح المقابلات للكاتبين أن يحقّبا التحولات التي جرت داخل الطائفة العلوية إلى ثلاث مراحل. تتمثل الأولى في مرحلة الحرب، 2011-2024، التي انتقلت فيها الطائفة، بناءً على العيّنة المدروسة، من الخوف الوجودي والتعبئة الأولية إلى عسكرة الطائفة وتحوّل الولاء إلى التزام قسري، ثم إلى الانقسام الاجتماعي والاقتصادي داخل البيئة العلوية، وصولًا إلى بدايات النقد الداخلي والتحوّل في الوعي الجمعي. أما المرحلة الثانية، فتتمثل في إعادة تشكيل العلاقة مع النظام، في حين سجّلت المرحلة الثالثة بروز حركات احتجاجية جديدة (2022-2024)، مهّدت للتسليم بسقوط نظام الأسد.
وفي حين تركّز الدراسات الأربع السابقة على المسائل البنيوية التي يرجَّح أن يكون لها أثر حاسم في مسار الانتقال ومآلاته، تتناول دراسة عزام القصير طبيعة السلطة والمؤسسات الآخذة في التشكّل، ومدى قدرتها على القطع مع أنماط الحكم الشخصاني والزبوني التي طبعت المرحلة السابقة. وتبحث في أوجه القطيعة والاستمرارية في السياسات والإصلاحات المؤسسية التي اعتمدتها القيادة الجديدة، ومدى ما تمثّله من قطيعة جوهرية مع الحكم الشخصاني والزبائني. وتستند الدراسة في تحليلها التجريبي إلى المراسيم الرئاسية، والخطاب الرسمي، والتعيينات في مواقع النخبة، وإعادة هيكلة المؤسسات الأمنية والإدارية والاقتصادية والدينية، خلال الفترة كانون الأول/ ديسمبر 2024 - آذار/ مارس 2026. ويجادل المؤلف بأن النظام الناشئ يجمع بين التحديث البيروقراطي والإشراف الشخصاني؛ إذ تُظهر المؤسسات الجديدة ملامح الشرعية القانونية والإصلاح والحوكمة التكنوقراطية، في حين تظلّ السلطة الفعلية متمركزة حول هيئات مرتبطة بمؤسسة الرئاسة، ووسطاء موثوق بهم، وشبكات عائلية، ونخب سابقة من هيئة تحرير الشام ومن تجربة حكم إدلب. ويخلص إلى إدراج مفهوم الاعتدال الاستراتيجي في دراسات الزبونية بوصفه آليةً لتكيّف السلطة النيوباتريمونية، بما يضفي عليها الشرعية ويرسّخها.
وفي باب "دراسة مترجمة"، تقدّم سجى طرمان ترجمةً لدراسة جوان شارب "الجيوبوليتيكا في الهوامش؟ إعادة النظر في جينيالوجيات الجيوبوليتيكا النقدية". ويعرض باب "التوثيق" أبرز "الوقائع الفلسطينية" في المدة 1 تموز/ يوليو - 31 آب/ أغسطس 2026. ويتناول سمير العبد الله، في باب "مراجعات الكتب"، كتاب "العقد الأخير في تاريخ سورية: جدلية الجمود والإصلاح"، للمؤلف محمد جمال باروت. واختُتم العدد بعروض لكتب صدرت حديثًا، أعدّتها هيئة تحرير الدورية.
** تجدون في موقع دورية "سياسات عربية" جميع محتويات الأعداد مفتوحة ومتاحة للتنزيل.