بدون عنوان

صدر عن المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات ومعهد الدوحة للدراسات العليا العدد السادس والخمسون (ربيع 2026) من دورية "تبيُّن​" للدراسات الفلسفية والنظريات النقدية. وتضمّن مجموعة من الدراسات الفلسفية، تناولت مفهوم التسامح في الفلسفة الأفريقية، والمقاربات النقدية الديكولونيالية للفضاء العمومي، وجدلية الأسلوب والمضمون في الخطاب الفلسفي، فضلًا عن تباين الرؤى في فلسفة المشاعر في الفكر اليوناني القديم. واشتمل العدد على ترجمة تتناول العلاقة التي قد تجمع النصوص الفلسفية بالسيرة الذاتية للفلاسفة، إلى جانب ثلاث مراجعات نقدية وعروض لأربعة كتب صدرت حديثًا.

استهلّ محمد زكاري، أستاذ الفلسفة في جامعة الحسن الثاني في الدار البيضاء، هذا العدد بدراسة "التسامح في الفلسفة الأفريقية: الأبونتو نموذجًا"، التي تستكشف مفهوم التسامح من منظور الفلسفة الأفريقية، منطلقةً من الخصائص الأربع التي حددها الفيلسوف ليوبولد سيدار سينغور Léopold Sédar Senghor، والمتمثلة في المعرفة الحدسية، والحوارية، والممارسة، والإنسانية الكونية. وتركز الدراسة على فلسفة الأبونتو Ubuntu، وهي فلسفة جماعية لها جذرٌ في التراث الديني والثقافي الأفريقي، تقوم على مبدأ أن إنسانية الفرد لا تتحقق إلا من خلال تفاعله وارتباطه بالآخرين. وتجادل الدراسة بأن هذه الفلسفة تُعلي من قيم التعاطف، والكرامة، والتعاون، وتدافع عن القيم الكونية انطلاقًا من رؤية ترى الفرد جزءًا لا يتجزأ من النسيج المجتمعي. ولتوضيح الجانب العملي لهذه الفلسفة، تناقش الدراسة تجربة الزعيم الجنوب أفريقي نيلسون مانديلا في مساعي المصالحة والصفح بوصفها تجسيدًا حيًا للأبونتو. وتعقد مقارنة نقدية بين التسامح الليبرالي الغربي، الذي يتأسس على النزعة الفردانية، والتسامح الأفريقي المبني على المشاركة الفاعلة والتضامن، لتخلص إلى أن الأبونتو تقدم نموذجًا إيجابيًا وفاعلًا للتسامح يمكن استلهامه وتطبيقه خارج حدود القارة الأفريقية.

وفي سياق الفلسفة السياسية، تبحث دراسة "نقد نانسي فريزر للفضاء العمومي البرجوازي عند هابرماس والتحدي الديكولونيالي"، لعماد الجميعي، في حدود تصور يورغن هابرماس الكلاسيكي للفضاء العمومي. وتختبر هذه الحدود من خلال استدعاء نقد الفيلسوفة نانسي فريزر للجوهر البرجوازي لهذا الفضاء، ومساءلة مسلّماته المتعلقة بالحياد الأخلاقي والنقاش الإجرائي، مبرزةً ما تمخّض عن هذا التصور من عمليات إقصاء ممنهجة على أسس جندرية وطبقية وعنصرية. وتتساءل الدراسة عن مدى ملاءمة تصور هابرماس لتحديات التعددية الثقافية والديمقراطية الجماهيرية المعاصرة، وتعيد النظر في الحلول التي طرحتها فريزر، مثل مفهوم "المشاركة المتكافئة" وتشكل الفضاءات العمومية المنافسة والمضادة. ولا تكتفي بعرض هذا السجال فحسب، بل تتبنى أيضًا منهجية نقدية تتجاوز نقد فريزر، سعيًا لإعادة تشكيل نموذج الفضاء العمومي عبر عدسة تفكيكية، تنتقد بوضوح هيمنة إبستيمولوجيا الشمال الاستعماري، وذلك من دون التخلي التام عن الأهمية المعيارية والسياسية لفكرة الفضاء العمومي ذاتها.

أمّا دراسة "حياد الأسلوب الفلسفي: قراءة نقدية لرأي مارثا نوسباوم" لتوفيق فائزي، الأستاذ في جامعة مولاي إسماعيل، فتتصدى لإشكالية الأسلوب في الكتابة الفلسفية، وذلك عبر مناقشة نقدية لأطروحة الفيلسوفة مارثا نوسباوم التي تنفي قطعيًا إمكانية أن يكون الأسلوب الفلسفي محايدًا. وتجادل نوسباوم بأن الجانب الأسلوبي في الخطاب الفلسفي، وتحديدًا عند أفلاطون، هو عنصر متصل عضويًا بنمط حياة فلسفية مخصوصة. وتسعى دراسة فائزي إلى تفكيك هذه الأطروحة لبيان ما إذا كان الأسلوب، في السياق الفلسفي الصارم، محض زخرف لفظي برّاني أم أنه عنصر تكويني متصل بصلب المحتوى الفلسفي. وفي هذا الصدد، يعرض المبحث الأول من الدراسة مبررات نوسباوم لربط الأسلوب بالسيرة الفلسفية الأفلاطونية في مقابل السيرة التراجيدية، في حين يقدم المبحث الثاني نقدًا رصينًا لهذه الرؤية، مستندًا في ذلك إلى ميراث أرسطو وفلاسفة الإسلام. ويبرز هذا النقد استقلال "القول البرهاني" عن القوالب اللفظية والبلاغية، مؤكدًا على الضرورة المنهجية للتمييز بين المحتوى المفهومي الفلسفي وبين الشكل الأسلوبي الذي يُصاغ فيه.

ويُختتم الباب بدراسة لنجيب طبطاب، الباحث في مختبر التربية والفلسفة والإنسانيات بالمدرسة العليا للأساتذة، جامعة مولاي إسماعيل، "فلسفة المشاعر بين أرسطو وكريسبوس". تعقد هذه الدراسة مقارنة دقيقة بين منظورين فلسفيين متعارضين: منظور الفيلسوف الرواقي كريسبوس، الذي اتخذ موقفًا جذريًا يتهم المشاعر بالسلبية، معتبرًا إياها عائقًا يضر بالفضيلة والحكمة، ويعتبرها تقييمات فاسدة تلحق الضرر بحظوظ الإنسان ورفاهيته، في مقابل منظور الإنصاف والتوازن الذي تبلور مع أرسطو، والذي دافع عن الدور العملي والاجتماعي الإيجابي للمشاعر. وتستعرض الدراسة الآراء والحجج التي تفسر تصور كلا الفيلسوفين لطبيعة المشاعر وعلاقتها بنشاط الفاعل الإنساني تجاه عالمه الخارجي.

وفي باب ترجمات، نقرأ ترجمة صلاح إسماعيل لدراسة الفيلسوف بول أوجرادي، المعنونة "الفلسفة والسيرة الذاتية". وتطرح هذه الدراسة سؤالًا جوهريًا: هل لسيرة الفيلسوف الذاتية أيّ صلة بتقييم نتاجه الفلسفي؟ وبعد أن يستعرض الكاتب ثلاث معالجات متباينة لهذا السؤال ويفنّدها، يطرح إجابة بديلة ومبتكرة؛ إذ يجادل بأنه من خلال التمييز بين "محتوى" النص الفلسفي و"مقاربته"، تصبح السيرة الذاتية ذات صلة من ثلاثة جوانب متداخلة: السياق الاجتماعي والتاريخي، والسياق الفلسفي العام، والسياق الشخصي في حياة الفيلسوف.

أخيرًا، اشتمل باب "مراجعات الكتب" على ثلاث مساهمات نقدية؛ فقد قدَّم علي الرواحي مراجعة لكتاب أزمة الحداثة المتأخرة: لماذا نحتاج إلى نظرية للمجتمع؟ لمؤلفيه أندرياس ريكفيتز وهارتموت روزا، وقدّم مايكل مدحت مراجعة لكتاب ضد الليبرالية الرمزية: دعوة إلى علم اجتماع حواري لساري حنفي، وقدَّم مصطفى هشام مراجعة لكتاب تجليات المحتجب: اللاهوت السلبي وفلسفة الدين لعلي رضا. وخُتم العدد بعروضٍ لأربعة كتب صدرت حديثًا أعدّتها هيئة تحرير الدورية، وهي تتناول مواضيع مختلفة عن فلسفة أفلاطون، والتجربة الفكرية، والفلسفة الفرنسية المعاصرة.

أمّا لوحات العدد، فهي من أعمال الفنان الفلسطيني العزيز عاطف الذي تشتبك ممارسته الفنية مع مفاهيم الهشاشة البصرية، والفلسطنة، والصمود بوصفها بنى نتجت عن تجربة العيش تحت الاحتلال.

** تجدون في موقع دورية "تبيّن" جميع محتويات الأعداد مفتوحة ومتاحة للتنزيل.