بدون عنوان

انطلاق أعمال مؤتمر مستقبل الحوكمة وصنع السياسات التنموية في العالم العربي في بيروت
عبد الفتاح ماضي
يونس أبو أيوب
المتحدثون الرئيسيون في الجلسة الافتتاحية
الحضور والمشاركون في أعمال الجلسة الافتتاحية

​افتُتحت في بيروت، اليوم الإثنين، 2 تشرين الثاني/ نوفمبر 2026، أعمال مؤتمر "مستقبل الحوكمة وصنع السياسات التنموية في بلدان الجنوب العالمي: رؤى من المنطقة العربية"، الذي ينظمه المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، ممثلًا بدورية "حِكامة" للإدارة العامة والسياسات العامة، بالشراكة مع لجنة الأمم المتحدة الاقتصادية والاجتماعية لغربي آسيا (الإسكوا)، في بيت الأمم المتحدة. وتستمر أعمال المؤتمر يومين، بمشاركة باحثين وأكاديميين وخبراء ومتخصصين في الحوكمة والإدارة العامة والسياسات التنموية، لمناقشة التحديات التي تواجه التنمية في المنطقة العربية وبلدان الجنوب العالمي، واستكشاف مقاربات جديدة لتطوير المؤسسات العامة وصنع السياسات التنموية.

وقد افتُتحت أعمال المؤتمر بكلمة ليونس أبو أيوب، رئيس شعبة الحوكمة وبناء الدولة لغرب آسيا وأفريقيا في الأمم المتحدة، أكّد فيها أهمية بناء مؤسسات عامة ذات فاعلية وخاضعة للمساءلة، وقادرة على تحويل الأهداف التنموية إلى سياسات قابلة للتنفيذ حتى تُحدث أثرًا حقيقيًّا في حياة المواطنين. وأشار إلى ضرورة تجاوز النماذج الإصلاحية الجاهزة، وتطوير مقاربات تنطلق من خصوصية السياقات الوطنية وتحدياتها، مع تعزيز العلاقة بين إنتاج المعرفة وصنع السياسات العامة. وشدّد كذلك على أهمية التعاون بين بلدان الجنوب وتبادل الخبرات، وعلى ضرورة ربط الإصلاح المؤسسي بالعدالة الاجتماعية والمشاركة، ولا سيما في البلدان المتأثرة بالنزاعات، مؤكدًا أنّ التنمية المستدامة لا تنفصل عن بناء مؤسسات تحظى بثقة المواطنين وتستجيب لاحتياجاتهم.

ثم تحدث عبد الفتاح ماضي، رئيس تحرير دورية "حِكامة"، عن أهمية سد الفجوة بين النظرية والتطبيق في إدارة الشأن العام، وضرورة تطوير سياسات عامة فعّالة ومؤسسات مبتكرة تستجيب لواقع المجتمعات العربية واحتياجاتها، بدلًا من استنساخ نماذج تنموية وإدارية لا تراعي خصوصياتها. وأكد أهمية المؤتمر بوصفه منصة لتطوير مقاربات جديدة للحوكمة وصنع السياسات التنموية، مشيرًا إلى أن اللجنة العلمية اختارت 22 ورقة بحثية من أصل 74 ورقة مكتملة خضعت للتحكيم العلمي لعرضها ومناقشتها خلال المؤتمر.

وفي إثر الجلسة الافتتاحية، انطلقت الجلسات البحثية لليوم الأول، فعُقدت أربع جلسات متعاقبة تناولت المؤسسات وحوكمة سياسات التنمية، والحوكمة والصمود في سياقات الصراع، والمعرفة وحوكمة السياسات التعليمية، وقضايا المشاركة والمرأة والتمثيل، قدّم الباحثون خلالها أوراقًا بحثية ناقشت تجارب عربية متنوعة في إصلاح المؤسسات العامة وتنفيذ السياسات التنموية، والحوكمة في البيئات الهشة والمتأثرة بالنزاعات، وإصلاح التعليم، والمشاركة السياسية والاجتماعية.

المؤسسات وحوكمة سياسات التنمية

في الجلسة الأولى، التي ترأسها يونس أبو أيوب، ناقش أرشاد محمود، في ورقة مشتركة مع محمد سليم عنوانها "لماذا تفشل سياسات التنمية عند التنفيذ؟ أدلة من الإدارات العامة العربية"، أسبابَ تعثُّر تنفيذ سياسات التنمية في الإدارات العامة العربية، مستندًا إلى دراسة مقارنة شملت الأردن والمغرب ومصر، ومقابلات مع فاعلين في صنع السياسات وتنفيذها وتقييمها. وخلصت الورقة إلى أن فجوات التنفيذ تنشأ من ضعف التنسيق المؤسسي، وإدارة الأداء القائمة على الامتثال، ونفور البيروقراطية من المخاطرة. وأكدت أهمية إصلاح الحوافز وآليات المساءلة، وتعزيز التنسيق بين المؤسسات، وتوجيه إدارة الأداء نحو النتائج.

وبحث منظور خان أفريدي في ورقته، "قياس صمود الحوكمة بدلًا من جودة أدائها: مؤشر جديد للبلدان العربية"، إمكان تطوير مقاربة لقياس قدرة نظم الحوكمة في البلدان العربية على الصمود في مواجهة الأزمات والضغوط، بدلًا من الاقتصار على المؤشرات التقليدية التي تقيس جودة الأداء الحكومي.

وناقش حامد التيجاني علي، في ورقة مشتركة مع فيصل المنصوري عنوانها "الحوكمة وريوع الموارد الطبيعية: أدلة من منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا"، العلاقةَ بين الحوكمة والريع المتأتي من الموارد الطبيعية في اقتصادات المنطقة، وتأثير الأطر المؤسسية في إدارة هذه الموارد وتوجيه عوائدها نحو تحقيق التنمية.

الحوكمة والصمود في سياقات الصراع

في الجلسة الثانية، التي ترأسها تامر قرموط، أستاذ السياسات العامة المشارك في معهد الدوحة للدراسات العليا، تناولت ماري قرطام في ورقتها، "الحوكمة التفاوضية في سياقات الهشاشة: دروس من شمال غرب سورية (2011-2024)"، أنماط الحوكمة التي نشأت في شمال غرب سورية خلال سنوات النزاع، وكيفية تشكّل ترتيبات الحكم وإدارة الشؤون العامة في ظل هشاشة المؤسسات وتعدد الفاعلين، وما تكشفه هذه التجربة عن إمكانات الحوكمة التفاوضية وحدودها في البيئات المتأثرة بالصراعات.

وبحثت صابرين أبو لبده في ورقتها، "من الهشاشة إلى الصمود: حوكمة المجتمع المدني والإدارة الذاتية في الضفة الغربية وقطاع غزة"، دورَ مؤسسات المجتمع المدني والمبادرات المحلية في مواجهة الهشاشة وتعزيز القدرة على الصمود في السياق الفلسطيني، مع التركيز على أشكال الإدارة الذاتية وآليات التنظيم المجتمعي في سياق القيود السياسية والمؤسسية التي يفرضها الاحتلال الإسرائيلي.

المعرفة وحوكمة السياسات التعليمية

أمّا في الجلسة الثالثة، التي ترأسها عبده موسى، الباحث في المركز العربي، فقد ناقش محمد علاء عبد المنعم في ورقته، "إصلاح من دون حوكمة: مسارات إصلاح التعليم في مصر منذ عام 2017"، مسارات إصلاح التعليم المصري، والعلاقة بين تصميم السياسات التعليمية وآليات حوكمتها وتنفيذها، وما تطرحه التجربة من تساؤلات بشأن قدرة الإصلاحات على تحقيق أهدافها في غياب ترتيبات مؤسسية تضمن التنسيق والمساءلة والمشاركة.

وقدّم هشام برقية ورقةً مشتركة مع رشيد أزمان وتوفيق الهروتي وعبد الرحيم العيادي وجلال علوك، عنوانها "من وعود اللامركزية إلى اختبار الحكامة التشاركية: الفاعلون الترابيون والسياسات التعليمية في المغرب"، تناول فيها الفجوة بين الأطر القانونية والمؤسسية التي تنظّم اللامركزية التعليمية والمشاركة الفعلية للفاعلين المحليين في صنع السياسات وتنفيذها. وناقشت هذه الورقة حدود مشاركة الفاعلين الترابيين في تشخيص المشكلات وتحديد الأولويات وتنسيق التدخلات، وخلصت إلى أن حضورهم في الهياكل التشاركية لا يعني بالضرورة امتلاكهم قدرةً على التأثير في القرارات، مؤكدةً أهمية وضوح المسؤوليات وتفعيل آليات التنسيق والتتبع والمساءلة.

قضايا المشاركة والمرأة والتمثيل

في الجلسة الرابعة، التي ترأستها جالا العاكوم، الباحثة في الإسكوا، ناقشت لطيفة المنصوري في ورقتها، "الخطاب العالمي حول تمكين المرأة وتأثيره في وضع السياسة الحكومية في دولة قطر من منظور النظرية المؤسسية"، تأثيرَ الخطابات والمعايير الدولية المتعلقة بتمكين المرأة في صياغة السياسات الحكومية القطرية، مستندةً إلى النظرية المؤسسية لفهم العلاقة بين الضغوط الخارجية والسياقات المؤسسية المحلية.

وتناولت رشا قطامي في ورقتها، "مخرجات اللجنة الملكية لتحديث المنظومة السياسية في الأردن من منظور جندري: دراسة تحليلية"، نتائج مسار التحديث السياسي في الأردن من منظور النوع الاجتماعي، مع التركيز على موقع المرأة في الإصلاحات السياسية والمؤسسية ومدى إسهامها في تعزيز المشاركة والتمثيل السياسي.

وبحث مثنى المصري في ورقته، "من التهميش إلى الفاعلية: ’البدول‘ وإعادة التفاوض حول التنمية وإدارة التراث في البتراء"، العلاقةَ بين سياسات التنمية وإدارة التراث والمجتمعات المحلية، متخذًا من تجربة مجتمع "البدول" في البتراء حالةً لدراسة أشكال التهميش وإعادة التفاوض بشأن المشاركة والتمثيل والانتفاع من التنمية السياحية وإدارة المواقع التراثية.

تجدر الإشارة إلى أن أعمال المؤتمر تستمر إلى يوم الثلاثاء، 3 تشرين الثاني/ نوفمبر 2026، حيث يناقش المشاركون أوراقًا بحثية تتناول التحول الرقمي وحوكمة الذكاء الاصطناعي، وإصلاح الإدارة والخدمات العامة، والأمن والسياسات التنموية، وقضايا بناء الدولة وإعادة الإعمار، قبل إنهاء الأعمال بجلسة ختامية.
*** للحصول على مزيد من المعلومات عن المؤتمر، يرجى الاطلاع على كتيب المؤتمر.