العنوان هنا
تقييم حالة 23 يوليو ، 2019

مسألة السجناء السياسيين في مصر: حجم الانتهاكات ونطاق المسؤولية

علاء بيومي

كاتب وباحث مهتمّ بالشّؤون الأميركيّة، حاصل على شهادة الماجستير في السّياسة العامّة ودراسات السّلام من جامعة دوكين الأميركيّة، صدر له كتابان عن السّياسة الخارجيّة الأميركيّة تجاه الشّرق الأوسط، له العديد من المقالات المنشورة في الدوريّات والصّحف والمواقع العربيّة.

مقدمة

أعادت وفاة الرئيس المصري المنتخب، محمد مرسي، في محبسه في 17 حزيران/ يونيو 2019، إلى الواجهة ملف أوضاع المعتقلين والسجناء السياسيين في مصر - الذين تقدّر أعدادهم بعشرات الآلاف - والانتهاكات الجسيمة التي يتعرضون لها، والتي ربما أدت إلى وفاة الرئيس مرسي وعشرات من السجناء السياسيين قبله، وربما مئات، "وفاةً مبكرة" وفقًا لتقارير حقوقية[1]. كما تهدد الانتهاكات نفسها حياة عدد من كبار السياسيين المصريين المعتقلين، وصحة وسلامة آلاف المعتقلين الأقل شهرة سياسية.

ردًا على وفاة الرئيس مرسي، طالبت مفوضية الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان بإجراء "تحقيق شامل ومستقل في ظروف وفاة الرئيس المصري السابق، بما في ذلك ظروف احتجازه"[2]. كما طالبت مجموعة من منظمات حقوق الإنسان المصرية بالسماح للجنة الدولية للصليب الأحمر بالدخول إلى السجون المصرية، وإصدار تقرير يتضمن توصيات لتحسين أوضاعها. وهي توصية أرسلتها مجموعة من أهم منظمات حقوق الإنسان ومراكز البحث الأميركية والدولية المعنية بمصر، مثل منظمة "هيومان رايتس ووتش" ومركزي بيروكينغز وكارنيغي للأبحاث، في خطاب إلى وزير الخارجية الأميركي، مايك بومبيو، في 25 حزيران/ يونيو 2019[3].

ملابسات وفاة الرئيس المنتخب

لعل أكثر ما أثار حفيظة تلك الهيئات ظروف الاعتقال القاسية وغير الإنسانية التي تعرض لها الرئيس مرسي من ناحية، وتحذيرها من أن تلك الظروف يمكن أن تقود إلى وفاته مبكرًا من ناحية أخرى؛ فقد ذكرت منظمة "هيومان رايتس ووتش" أن "الحكومة المصرية لم تمنح مرسي طوال ست سنوات حقوقه الأساسية كمحتجز، بما فيها الرعاية الطبية الكافية والزيارات العائلية، رغم تدهور حالته الجسدية كما كان ظاهرًا، وطلباته المتكررة من القضاء بالحصول على العلاج الطبي"[4].

فعلى مدى ست سنوات من الاعتقال، لم تسمح السلطات المصرية لأسرة مرسي بزيارته إلا ثلاث مرات فقط. وفي الزيارة الأخيرة، في أيلول/ سبتمبر 2018، حضر ثلاثة من رجال الأمن اللقاء، حيث قام أحدهم بتدوين ملاحظات عما دار من نقاش بين مرسي وأسرته. وخلال الزيارة اشتكى مرسي من عدم وجود سرير في زنزانته بسجن طرة، ومن أنه يعاني آلامًا في الظهر والرقبة بسبب النوم على أرض الزنزانة العارية، وضعف الرؤية بعينه اليسرى، وأنه في حاجة إلى رعاية صحية. هذا فضلًا عن معاناته مرض السكري، وتعرّضه للإغماء أكثر من مرة بسبب غياب الأدوية المناسبة، ومعاناته أمراضًا في الكلى والكبد، واعتقاله في حبس انفرادي مدة ست سنوات، وفي "عزلة كاملة"؛ حيث لم يسمح له بالتواصل مع السجناء الآخرين، حتى خلال الساعة الوحيدة التي يقضيها خارج زنزانته لممارسة الرياضة.

وقد حذر عدد من النواب البريطانيين في تقرير أصدروه، في نيسان/ أبريل 2018، عن حالة الرئيس مرسي الصحية وظروف اعتقاله، من وجود خطر على حياته، فقد ذكر التقرير: "إذا لم يحصل مرسي على رعاية صحية مناسبة قريبًا، فقد يترتب على ذلك موته المبكر"[5]. لذا، وصفت مديرة قسم الشرق الأوسط بـ "هيومان رايتس ووتش" وفاة مرسي بأنها "نتيجة متوقعة لإهمال الحكومة الإجرامي"، كما ذكر بهي الدين حسن، مدير مركز القاهرة لدراسات حقوق الإنسان، أن مرسي تعرض "للموت البطيء" على مدى ست سنوات، مشيرًا إلى وجود "طابور طويل من سجناء السيسي، وضحايا الإهمال الطبي في غرف انتظار الموت"[6].

ضحايا الموت بالإهمال الطبي

أشارت المنظمات الحقوقية والبحثية الدولية المعنية بمصر، في خطابها إلى وزير الخارجية الأميركي، إلى أن تقرير الخارجية الأميركية عن حقوق الإنسان لعام 2018 عن مصر ذكر أن "الرعاية الصحية في السجون غير كافية، ما قد يقود إلى عدد كبير من الوفيات بين السجناء لأسباب طبيعية كان يمكن علاجها". كما أشار الخطاب نفسه إلى تقارير لمنظمات حقوقية مصرية أفادت بوفاة 245 معتقلًا في السجون المصرية خلال عام 2018، ووفاة 650 معتقلًا آخرين منذ عام 2013[7]. ومن أشهر المعتقلين الذي توفوا في السجن: مهدي عاكف، مرشد الإخوان المسلمين السابق، والذي توفي في عام 2017 عن عمر يناهز 89 عامًا. وجمال سرور، الناشط النوبي، الذي يحمل الجنسيتين المصرية والفرنسية، والذي توفي في تشرين الثاني/ نوفمبر 2017 بعد تعرّضه لنوبة إغماء بسبب مرض السكري، وعدم حصوله على العلاج الكافي.

كما حذرت تلك المنظمات من الأوضاع الصحية لعدد من المعتقلين والسجناء السياسيين، وعلى رأسهم سامي عنان، رئيس أركان الجيش المصري السابق، والذي اعتقل بعد محاولته منافسة السيسي في انتخابات 2018 الرئاسية. والمرشح الرئاسي السابق عبد المنعم أبو الفتوح، مؤسس حزب مصر القوية، والذي تعرض لأكثر من ذبحة صدرية منذ اعتقاله في شباط/ فبراير 2018، كان آخرها في 29 حزيران/ يونيو 2019، وفقًا لأسرته. والقيادي في جماعة الإخوان المسلمين، محمد البلتاجي، والذي تعرّض لجلطة دماغية وفشل كلوي وأعراض أخرى خطيرة منذ القبض عليه في عام 2013. إضافة إلى شخصيات معروفة أخرى كهشام جنينة والمحامية هدى عبد المنعم، وعلا القرضاوي، ابنة الشيخ يوسف القرضاوي، وزوجها حسام خلف، اللذين يقبعان في حبس انفرادي منذ أكثر من عامين. ويُذكر أن علا القرضاوي اعتُقلت في عام 2017، ولما أمرت محكمة مصرية بالإفراج عنها في نهاية حزيران/ يونيو 2019، فوجئت بتوجيه اتهامات جديدة لها بتسهيل دعم منظمة إرهابية خلال وجودها قيد الاعتقال؛ الأمر الذي دفعها إلى الإعلان عن دخولها في إضراب مفتوح عن الطعام[8]. وهناك مئات، وربما آلاف السجناء السياسيين الآخرين الأقل شهرة، الذين قد يتعرضون لأمراض مختلفة بسبب ظروف سجنهم غير المناسبة ولا يسمع بهم أحد.

انتهاكات على نطاق واسع

على الرغم من شدة الإهمال الصحي الذي يصل إلى حد الوفاة المبكرة في السجون والمعتقلات المصرية، فإن هذا جزءًا صغيرًا من خريطة انتهاكات أكبر وأوسع في حق آلاف المعتقلين والسجناء السياسيين في مصر. تشير التقارير الحقوقية إلى أن السلطات الحاكمة اعتقلت 60 ألف معتقل وسجين سياسي على الأقل منذ تموز/ يوليو 2013، وغالبية هؤلاء هم من أنصار جماعة الإخوان المسلمين. فخلال الفترة تموز/ يوليو 2013 - أيار/ مايو 2014، تم اعتقال 41 ألف شخص على الأقل وفقًا لشبكة "ويكي ثورة"[9]. كما تم القبض على 26 ألف شخص آخرين خلال عامَي 2015 و2016[10]؛ ما يعني أن أعداد السجناء والمعتقلين السياسيين المصريين تقدر حاليًا بعشرات الآلاف. ولا توفّر الحكومة المصرية تقارير دقيقة عن الأعداد الحقيقية للسجناء، بل لا تعترف بوجود "سجناء سياسيين" أصلًا[11].

وخلال الفترة تشرين الأول/ أكتوبر 2014 - أيلول/ سبتمبر 2017، تمت محاكمة 15500 مدني على الأقل أمام المحاكم العسكرية، بما في ذلك أكثر من 150 طفلًا، وفقًا لـ "هيومان رايتس ووتش"[12]. كما تعرّض 2800 شخص على الأقل للاختفاء القسري خلال السنوات الثلاث الأولى من حكم السيسي، وفقًا لمصادر تحدّثت لصحيفة لوموند الفرنسية[13]. كما تعرّض 1700 شخص للاختفاء القسري منذ عام 2015، وفقًا لتقرير صادر عن منظمة العفو الدولية في عام 2017[14]؛ وهذا يعني انتشار الاختفاء القسري وتعرُّض المئات من الأفراد له كل عام.

ويشير تقرير استقصائي لوكالة رويترز إلى أن السلطات المصرية قتلت أكثر من 450 سجينًا سياسيًا بدم بارد منذ عام 2015، بعد أن قامت بإخراجهم سرًا من السجون وتصفيتهم وتصويرهم على أنهم خلايا "إرهابية" تم قتلها في اشتباكات مع قوات الأمن[15].

وتضم السجون المصرية سجناء بأكثر من طاقتها الاستيعابية بنسبة 160 في المئة. كما ضمت أقسام الشرطة المصرية معتقلين بنسبة 300 في المئة أكثر من طاقتها الاستيعابية في الشهور التالية لعزل الرئيس مرسي، وذلك وفقًا لتقرير صدر في أيار/ مايو 2015 للمجلس القومي لحقوق الإنسان في مصر، المدعوم حكوميًا[16]. ولعل اكتظاظ السجون والمعتقلات يؤدي إلى مزيد من التدهور في الخدمات والحقوق الأساسية التي يتم توفيرها لكل معتقل أو سجين. وفي أيار/ مايو 2018، أصدرت منظمة العفو الدولية تقريرًا يفيد بوجود 36 سجينًا في الحبس الانفرادي، من بينهم 6 سجناء منذ الانقلاب العسكري، وهذا يعني بقاءهم في زنازينهم 23 ساعة يوميًا، وما يترتب على ذلك من ضغوط نفسية شديدة، وكان على رأس هؤلاء المعتقلين الرئيس المصري الراحل محمد مرسى[17].

وثمة تقارير حقوقية أخرى توثق انتشار التعذيب في السجون والمعتقلات المصرية بصورة نظامية، وانتشار المحاكمات الجماعية التي تشمل مئات المتهمين في قضية واحدة، والمحاكمات غير العادلة، واعتقال الأطفال، وحبسهم أحيانًا في حبس انفرادي شهورًا، والاستخدام الواسع لعقوبات الإعدام وتطبيقها أحيانًا في قضايا يصعب وصفها بالعدالة واستيفاء المتطلبات القانونية. وكذلك استهداف السلطات المصرية للمدافعين عن حقوق السجناء والمعتقلين أنفسهم بالسجن والاعتقال والملاحقة، إلى درجة اعتقال محامين وناشطين حقوقيين يعملون في مجال الدفاع عن حقوق المعتقلين وأسرهم، كالمحامية هدى عبد المنعم، والإخفاء القسري لمحامين يعملون في مجال الدفاع عن المختفين قسرًا، وذلك وفقًا لتقرير منظمة العفو الدولية السنوي عن مصر لعام 2018[18].

حقوق ومواثيق دولية منتهكة

تشير التقارير السابقة إلى انتشار انتهاكات جسيمة في حق المعتقلين والسجناء السياسيين في السجون المصرية، وعلى رأس تلك الانتهاكات ظروف السجن القاسية، وغياب الرعاية الصحية، والاستخدام المنظم للتعذيب، بما في ذلك الانتهاكات الجنسية، والاختفاء القسري، والاعتقال التعسفي، والمحاكمات غير العادلة، والرقابة المشددة لسنوات بعد الإفراج عنهم. وتنتهك تلك الممارسات ثلاثة مواثيق حقوقية دولية على الأقل، وهي العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، وقواعد الأمم المتحدة النموذجية الدنيا لمعاملة السجناء، واتفاقية الأمم المتحدة لمناهضة التعذيب، إضافة إلى انتهاكها الدستور المصري نفسه. ويمكن توضيح ذلك بالآتي:

أولًا، يضمن العهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية عددًا كبيرًا من الحقوق الأساسية، مثل عدم جواز الاعتقال التعسفي، والحق في المحاكمة خلال فترة معقولة، وحق الأفراد في التجمع السلمي، وتكوين الجمعيات، وحظر التمييز ضد الأفراد أمام القانون لأسباب سياسية[19].

ثانيًا، تحتوي قواعد الأمم المتحدة النموذجية الدنيا لمعاملة السجناء على عدد من القواعد المتعلقة بإدارة المؤسسات الجزائية كتوفير سبل النظافة الشخصية، وطعام ذي قيمة غذائية كافية، والخدمات الطبية، وتنص على أن "السجناء الذين يتطلبون عناية متخصصة ينقلون إلى سجون متخصصة أو إلى مستشفيات مدنية. ومن الواجب، حين تتوفر في السجن خدمات العلاج التي تقدمها المستشفيات، أن تكون معداتها وأدواتها والمنتجات الصيدلانية التي تزود بها وافية بغرض توفير الرعاية والمعالجة الطبية اللازمة". كما تحمي أيضًا حق السجين في الاتصال بالعالم الخارجي، بنصها: "يسمح للسجين في ظل الرقابة الضرورية، بالاتصال بأسرته وبذوي السمعة الحسنة من أصدقائه، على فترات منتظمة، بالمراسلة وبتلقّي الزيارات على السواء". كما تحظر الحبس الانفرادي إلى أجل غير مسمى، والحبس الانفرادي المطول[20].

ثالثًا، ينص الدستور المصري نفسه، بما في ذلك دستور 2014، الذي تم إقراره بعد الانقلاب العسكري في تموز/ يوليو 2013، والذي تنتهكه ممارسات السلطات المصرية، على أن "التعذيب بجميع صوره وأشكاله، جريمة لا تسقط بالتقادم" (المادة 52)، وأن "كل من يقبض عليه، أو يحبس، أو تقيد حريته تجب معاملته بما يحفظ عليه كرامته، ولا يجوز تعذيبه، ولا ترهيبه، ولا إكراهه، ولا إيذاؤه بدنيًا أو معنويًا، ولا يكون حجزه، أو حبسه إلا في أماكن مخصصة لذلك لائقة إنسانيًا وصحيًا [...] ومخالفة شيء من ذلك جريمة يُعاقَب مرتكبها وفقًا للقانون" (المادة 55)[21].

هل من سبيل لوقف الانتهاكات؟

تتحدث تقارير دولية عن تراجع الديمقراطية حول العالم منذ عام 2005 لأسباب مختلفة، يأتي على رأسها تراجع القطبية الدولية الأحادية وتنامي نفوذ قوى دولية غير ديمقراطية (الصين وروسيا) منافسة للنفوذ الغربي (أميركا وأوروبا)، ولا تهتم بنشر قيم الديمقراطية وحقوق الإنسان، إن لم تعاديها؛ ما قلل من الضغط الدولي من أجل الالتزام بتلك القيم[22]. وهناك تحديات تواجهها الديمقراطية داخل الغرب نفسه؛ وعلى رأسها صعود الشعبوية وقوى اليمين المتطرف، مستفيدة من غضب فئات جماهيرية واسعة من التأثير السلبي لظاهرة العولمة في أوضاعها الاقتصادية.

وتقود تلك العوامل إلى إعلاء قيم الواقعية في العلاقات الدولية، والتراجع عن فكرة ممارسة ضغوط على البلدان الأقل التزامًا بمعايير الديمقراطية وحقوق الإنسان. ونتاج لما سبق، بدأ البعض يتحدث عن "نهاية عصر حقوق الإنسان" بسبب تراجع الضغط الدولي على الدول المنتهكة للحقوق والحريات[23].

ويظهر هذا جليًا في الحالة المصرية؛ فالانقلاب العسكري في تموز/ يوليو 2013 على الحكم الديمقراطي لم يواجه بضغوط دولية تذكر، ما عدا بعض الإدانات الدولية والحقوقية. ومع أن الكونغرس الأميركي يضع منذ عام 2012 شروطًا على المساعدات المقدمة لمصر، منها التزام الحكومة المصرية بمعايير حقوق الإنسان، فإنه يعطي الإدارة الأميركية حق إعفاء الحكومة المصرية من تلك الشروط لاعتبارات الأمن القومي الأميركي. لذا جمّدت الإدارة الأميركية بعض المساعدات المقدمة لمصر بعد الانقلاب العسكري عدة شهور، ولكنها سرعان ما استأنفتها[24].

ومنذ صعود الرئيس الأميركي الحالي، دونالد ترامب، سدة الحكم في كانون الثاني/ يناير 2017، والنظام المصري يحظى بدعم سياسي كبير من الإدارة الأميركية، حيث استقبل ترامب الرئيسَ المصري، عبد الفتاح السيسي، في البيت الأبيض أكثر من مرة، كان آخرها في نيسان/ أبريل 2019، وذلك قبل أقل من أسبوعين من تنظيم مصر استفتاءً على الدستور يمنح السيسي سلطات واسعة ويمدد فترة حكمه، ما اعتُبر دعمًا ضمنيًا من ترامب للسيسي رغم سجله المشين ديمقراطيًا وحقوقيًا[25].

وفي نهاية كانون الثاني/ يناير 2019، وخلال زيارة قام بها الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون إلى القاهرة، التقى بعدد من ناشطي حقوق الإنسان المصريين، ووجّه انتقادات علنية لسجل مصر الحقوقي خلال مؤتمر صحفي عقده مع السيسي، ما أدى إلى انفجار جدل علني بين الرئيسين خلال المؤتمر[26]. وكان ماكرون قد وجه مثل هذه الانتقادات قبل الزيارة أيضًا. ولكن في نهاية شباط/ فبراير 2019، زار عدد من قادة الدول الأوروبية مصر لحضور القمة العربية - الأوربية، والتي مرت من دون أي إشارة تذكر إلى أوضاع حقوق الإنسان في مصر؛ ما ترك انطباعًا سلبيًا بتراجع اهتمام الدول الأوربية بقضايا الديمقراطية وحقوق الإنسان في مصر، والوطن العربي عمومًا، بسبب انشغال تلك الدول بمصالحها ومشاكلها الداخلية وإحجامها عن ممارسة أي ضغوط حقيقية للدفاع عن حقوق الإنسان في مصر[27].

لذلك، مرّت وفاة الرئيس محمد مرسي بسجنه السياسي من دون أي إدانات دولية تُذكر، على الرغم مما تعرّض له من ظلم وسوء معاملة، وإدانة أكبر منظمات حقوق الإنسان الدولية ومفوضية الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان لظروف اعتقاله ومطالبتها بالتحقيق في أسباب وفاته.

ولا يعني تراجُع الضغوط الدولية على النظام المصري في مجال حقوق الإنسان انعدامَ الجهود الحقوقية لمواجهته؛ فالواضح أن تراجع الضغط الدولي عليه في مجال حقوق الإنسان، ارتبط بوعي ونشاط متزايد لكشف انتهاكاته لحقوق الإنسان بين المنظمات الحقوقية الدولية بالتعاون مع المنظمات المصرية في الداخل والخارج. فمفوضية الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان تنشر بيانات وتقارير على نحو منتظم عن أوضاع حقوق الإنسان في مصر، بما في ذلك حقوق المعتقلين والسجناء السياسيين. كما يناقش مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة تقارير عن تلك الأوضاع على نحو دوري. كما تُصدر منظمات حقوق الإنسان الدولية، وعلى رأسها "هيومان رايتس ووتش" والعفو الدولية، تقارير حقوقية مستمرة عن مصر.

وخلال زيارة السيسي الأخيرة إلى واشنطن، عقد مركز أبحاث معروف بواشنطن، وهو "مشروع الديمقراطية في الشرق الأوسط" ندوة شارك فيها عدد من أعضاء الكونغرس الأميركي، ومنظمة حقوقية مصرية جديدة، وهي "المنبر المصري لحقوق الإنسان"، للتنديد بانتهاكات السيسي الحقوقية والمطالبة بموقف أميركي أكثر جدية في التعامل مع قضايا حقوق الإنسان في مصر. وقد أعلن بعض أعضاء الكونغرس المشاركين في الندوة عن عزمهم تشديد الشروط التي تقرن تقديم مساعدات لمصر بمدى التزام النظام بحقوق الإنسان[28].

ولعل تلك التحركات تمثّل وسيلة مهمة للضغط على النظام المصري، ولو جزئيًا، وخاصة أنها تقترن بكمٍ متزايدٍ من الإدانات الصادرة عن أكبر منظمات حقوق الإنسان الدولية. كما أن قضية المعتقلين باتت تمثل إحدى أهم أولويات المعارضة المصرية في الوقت الراهن، وخاصة أنها تشمل مختلف القوى السياسية. ولعل ترسّخ وعي المصريين بأهمية الدفاع عن حقوقهم السياسية والمدنية، ورفض ما يتعرّض له المعتقلون والسجناء السياسيون من انتهاكات جسيمة، من أهم مكاسب خبرة السنوات الأخيرة الصعبة.


[1] Crispin Blunt, Edward Faulks & Paul Williams, “If Mohamed Morsi's Treatment in Egypt's Tora Prison doesn't Improve Soon, he could Face A Premature Death,” The Independent, 4/4/2018, accessed on 22/7/2019, at https://bit.ly/2M0KMdU

[2] Rupert Colville, “Comment on the Treatment and Death in Custody of Former Egyptian President Mohammed Morsi,” The Office of the United Nations High Commissioner for Human Rights, 18/6/2019, accessed on 22/7/2019, at: https://bit.ly/2NYpvDZ

[3] Michele Dunne et al., “The Working Group on Egypt’s Letter to Secretary of State Pompeo,” Human Rights Watch, 20/6/2019, accessed on 22/7/2019, at: https://bit.ly/2GjOhbH

[4] “Egypt: Independently Investigate Morsy’s Death,” Human Rights Watch, 17/6/2019, accessed on 227/9/2019, at: https://bit.ly/2Xinnup

[5] Blunt, Faulks & Williams.

[6] Simon Allison, “The Slow-motion Assassination of Mohamed Morsi,” Mail & Guardian, 18/6/2019, accessed on 227/9/2019, at: http://bit.ly/2JVmv6m

[7] Dunne et al.

[8] “Ola Qaradawi, Facing New Charges in Egypt Launched Hunger Strike,” The Middle East Eye, 4/7/2019, accessed on 22/7/2019, at: https://bit.ly/30GB2ti

[9] "حصر المقبوض عليهم والملاحقين قضائيًا خلال عهد السيسي/ عدلي منصور، مُحَدَّث حتى 15 مايو 2014"، ويكي ثورة، 9/1/2014، شوهد في 22/7/2019، في: http://bit.ly/2GpvxYb

[10] “Little Truth in Al-Sisi's ‘60 Minutes’ Responses,” Human Rights Watch, 7/1/2019, accessed on 22/7/2019, at: https://bit.ly/2VAuxGK

[11] Ibid.

[12] “Egypt: Events of 2017,” Human Rights Watch, accessed on 22/7/2019, at: https://bit.ly/2JoRQMB

[13] Lara Marlowe, “Macron Pivots Towards Focus on Human Rights Abuses in Egypt,” The Irish Times, 29/1/2019, accessed on 22/7/2019, at: https://bit.ly/2Tm4JwD

[14] “Egypt 2018 Human Rights Report,” U.S. Department of State (March 2019), p. 4, accessed on 22/7/2019, at: https://bit.ly/2xWRTf0

[15] Dunne et al.

[16] “Little Truth in Al-Sisi's '60 Minutes' Responses.”

[17] Samy Magdy, “Rights Group: Egypt Used Solitary Confinement as ‘Torture’,” The Associated Press, 7/5/2018, accessed on 22/7/2019, at: https://bit.ly/30yCnSW

[18] “Human Rights in the Middle East and North Africa: Review of 2018: Egypt,” Amnesty International, 26/2/2019, pp. 2-3, accessed on 22/7/2019, at: https://bit.ly/30MIzGO

[19] "العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية"، مفوضية الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان، شوهد في 22/7/2019، في: https://bit.ly/32Eiiwa

[20] "قواعد الأمم المتحدة النموذجية الدنيا لمعاملة السجناء (قواعد نيلسون مانديلا)"، مكتب الأمم المتحدة المعني بالمخدرات والجريمة، ص 8-18، شوهد في 222/7/2019، في: https://bit.ly/2udFNfz

[21] "دستور جمهورية مصر العربية 2014"، الهيئة العامة للاستعلامات بمصر (كانون الثاني/ يناير 2014)، ص 20، شوهد في 22/7/2019، في: https://bit.ly/1tUEdrG

[22]The Global State of Democracy: Exploring Democracy’s Resilience (Stockholm: The International Institute for Democracy and Electoral Assistance, 2017), p. 12, accessed on 22/7/2019, at: https://bit.ly/2Ago9vY

[23] Doutje Lettinga & Lars van Troost (eds.), “Debating The Endtimes of Human Rights: Activism and Institutions in a Neo-Westphalian World,” Amnesty International Netherlands, The Strategic Studies Project (December 2016), accessed on 22/7/2019, at: https://bit.ly/2xVWs9u

[24] “Egypt: Background and U.S. Relations,” Congressional Research Service, 12/3/2019, p. 19, accessed on 22/7/2019, at: https://bit.ly/2TZDM5c

[25] Anne Gearan, “Trump Calls Egypt’s Sissi a ‘Great President’ as U.S. Plays down Human Rights Concerns,” The Washington Post, 9/4/2019, accessed on 22/7/2019, at: https://wapo.st/32BUTM0

[26] علاء بيومي، "تبعات النقد الفرنسي للنظام المصري"، العربي الجديد، 3/2/2019، شوهد في 22/7/2019، في: https://bit.ly/2XWd8xb

[27] Rhys Davies, “Egypt Executed 15 People in February: Why is the UK Staying Silent?,” The Guardian, 13/3/2019, accessed on 22/7/2019, at: https://bit.ly/2u57aIQ

[28] علاء بيومي، "في أزمة العلاقات المصرية الأميركية"، العربي الجديد، 14/4/2019، شوهد في 22/7/2019، في: https://bit.ly/2SD5cuR