عقدت محكمة العدل الدولية جلسات استماع علنية، في 7-10 أيلول/ سبتمبر 2026، للنظر في "الاعتراضات الأولية" Preliminary Objections التي تقدّمت بها ألمانيا في الدعوى التي أقامتها نيكاراغوا ضدّها بشأن صادراتها العسكرية إلى إسرائيل. واعتبرت نيكاراغوا أن ألمانيا أخلّت بالتزاماتها بموجب "اتفاقية منع جريمة الإبادة الجماعية والمعاقبة عليها" لعام 1948 والقانون الدولي الإنساني، من خلال مواصلة تصدير الأسلحة إلى إسرائيل، وقطع تمويل وكالة الأمم المتحدة لإغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين في الشرق الأدنى "الأونروا"[1]. وتأتي هذه القضية في سياق مسارٍ غير مسبوقٍ من التحركات القضائية الدولية، التي أفرزتها حرب الإبادة الإسرائيلية على غزة منذ تشرين الأول/ أكتوبر 2023؛ إذ لم تعد تقتصر على مساءلة إسرائيل عن أفعالها، بل امتدت لتشمل مسؤولية الدول الثالثة التي تقدّم لها دعمًا متعدد الأوجه، سياسيًا وعسكريًا واقتصاديًا.
أولًا: خلفية قضية نيكاراغوا ضد ألمانيا
قدّمت نيكاراغوا دعوى أمام محكمة العدل الدولية ضد ألمانيا في 1 آذار/ مارس 2024[2]، في سياق مواصلة دعمها لإسرائيل، على الرغم من تصاعد التحذيرات الدولية من خطر وقوع إبادة جماعية وارتكاب انتهاكات جسيمة للقانون الدولي الإنساني في الأراضي الفلسطينية المحتلة، ولا سيما في قطاع غزة. واستندت إلى أن ألمانيا، بصفتها دولة ثالثة، تتحمل التزامات مستقلة تتمثل في واجب منع الإبادة الجماعية، والامتناع عن التواطؤ فيها. وتنبع أهمية هذه القضية من أنّها تضع المحكمة أمام مسألةٍ أوسعَ تتعلق بحدود مسؤولية الدول الثالثة عن تقديم الدعم لدولة متهمة بارتكاب انتهاكات جسيمة، وبما قد يترتب على ذلك من تداعيات على الأطر القانونية والسياسية التي تحكم علاقات الدول مع إسرائيل.
واكتسب هذا الموضوع بُعدًا قضائيًا دوليًا مع تقديم جنوب أفريقيا دعواها ضد إسرائيل أمام محكمة العدل الدولية بموجب اتفاقية منع جريمة الإبادة الجماعية، وما أعقب ذلك من إصدار المحكمة تدابير مؤقتة خلال عام 2024[3]. وظهرت ألمانيا بوصفها إحدى أبرز الدول التي واصلت تقديم دعم متعدد الأوجه، بما في ذلك توريد المعدات العسكرية[4]. وتكتسب هذه الحالة خصوصيتها بالنظر إلى اعتبار أمن إسرائيل جزءًا من السياسة الوطنية[5]، فضلًا عن إعلان برلين رغبتها في التدخّل في قضية جنوب أفريقيا ضد إسرائيل بوصفها طرفًا ثالثًا[6]، قبل أن تجد نفسها لاحقًا مدَّعى عليها في قضية تتصل بالتزاماتها المستقلة بموجب الاتفاقية.
وأقامت نيكاراغوا دعواها ضد ألمانيا، طالِبةً مساءلتها عن سلوكها بوصفها دولة ثالثة بموجب أحكام الاتفاقية المشار إليها آنفًا، وليس عن الأفعال الإسرائيلية بصورة مباشرة. ويمكن تصنيف الأسس القانونية التي تستند إليها الدعوى ضمن ثلاثة مستويات رئيسة: أولًا، التزامات الحماية، وفي مقدمتها الالتزام بمنع الإبادة الجماعية، واحترام القانون الدولي الإنساني، وضمان احترامه؛ ثانيًا، التزامات الامتناع، وتشمل عدم التواطؤ في الإبادة، وعدم تقديم العون أو المساعدة على ارتكاب أفعال غير مشروعة دوليًا؛ ثالثًا، التزامات الدول الثالثة تجاه الأوضاع غير المشروعة، ولا سيما الامتناع عن مناصرة المساس بحق الشعب الفلسطيني في تقرير المصير، أو الإسهام في استمرار أوضاع تتعارض مع القواعد الآمرة في القانون الدولي[7]. ومن ثمّ، تتمحور الدعوى حول أن وقوع الانتهاك الأصلي من جانب دولة أخرى لا يعفي ألمانيا من المسؤولية عن أفعالها.
مرّت القضية بعدة مراحل إجرائية؛ فبعد تقديم الدعوى وطلب التدابير المؤقتة، عقدت المحكمة جلسات استماع يومَي 8 و9 نيسان/ أبريل 2024، ثم قررت في 30 من الشهر نفسه، عدم توافر الظروف التي تستدعي إصدار التدابير المطلوبة. ولم يتضمّن هذا القرار فصلًا في موضوع مسؤولية ألمانيا، ولم يترتب عليه إنهاءٌ للقضية[8]. وفي تموز/ يوليو 2025، قدّمت نيكاراغوا مذكرتها، وأعقبتها ألمانيا باعتراضات أولية في تشرين الأول/ أكتوبر من العام نفسه، قبل أن تردّ عليها نيكاراغوا في شباط/ فبراير 2026. وانتهت هذه المرحلة بعقد جلسات الاستماع العلنية خلال الفترة 7-10 أيلول/ سبتمبر 2026[9].
ثانيًا: التأسيس للتحول من عدم الاعتراف إلى عدم المساعدة
يمثّل الالتزام بعدم الاعتراف بالأوضاع الناشئة عن انتهاكات جسيمة للقانون الدولي أحد أبرز الآثار المترتّبة على القواعد الآمرة والالتزامات تجاه المجتمع الدولي[10]. وتكتسب هذه المسألة أهمية خاصة في الحالة الفلسطينية لارتباطها بحق الشعب الفلسطيني في تقرير المصير. وقد كرّست محكمة العدل الدولية هذا المبدأ المتعلق بـ "مسؤولية الدول الثالثة" في عدد من اجتهاداتها، بدءًا من رأيها الاستشاري بشأن ناميبيا[11]، مرورًا برأيها بشأن الجدار العازل عام 2004[12]، وصولًا إلى رأيها الاستشاري الصادر في 19 تموز/ يوليو 2024 بشأن الآثار القانونية الناشئة عن سياسات إسرائيل وممارساتها في الأرض الفلسطينية المحتلة[13]. ويتقاطع هذا المبدأ مع المادة 41 من مواد لجنة القانون الدولي بشأن مسؤولية الدول، التي تقرر أنه عند وقوع انتهاكات جسيمة للالتزامات الناشئة عن القواعد الآمرة، يقع على عاتق الدول واجب عدم الاعتراف بشرعية الوضع الناشئ عن الانتهاك، والامتناع عن تقديم العون أو المساعدة على استمراره[14].
من ثم، لم يعد عدم الاعتراف يُفهَم باعتباره موقفًا سياسيًا أو قانونًا مجردًا يقتصر على إعلان عدم شرعية الاحتلال أو المستوطنات، بل أصبح يطرح مسألة السلوك العملي الذي يتعيّن على الدول الالتزام به، حتى لا تسهم في استمرار الوضع غير المشروع. وفي هذا السياق، يبرز الانتقال من عدم الاعتراف إلى عدم المساعدة، فالمساعدة التي قد تترتب عليها مسؤولية الدولة لا تقتصر على الدعم العسكري، بما في ذلك الأسلحة والذخائر وقطع الغيار والتكنولوجيا العسكرية، بل يمكن أن تشمل العلاقات الاقتصادية والمالية والاستثمارية، فضلًا عن بعض صور التعاون المؤسسي التي قد تسهم في ترسيخ الوضع غير المشروع. من هنا، تعد دعوى نيكاراغوا ضد ألمانيا اختبارًا عمليًا لهذا التحول؛ إذ لا يقتصر السؤال الجوهري فيها على موقف ألمانيا من شرعية السلوك الإسرائيلي، بل يمتد إلى مدى جواز استمرارها في تقديم الدعم المادي والعسكري، مع علمها بالمخاطر المرتبطة باستخدامه.
ثالثًا: تداعيات القضية على السياسات الأوروبية تجاه إسرائيل
تتجاوز التداعيات المحتملة لقضية نيكاراغوا ضد ألمانيا حدود العلاقة بين الدولتين، لتطرح أمام الدول الأوروبية إشكالية أوسع تتعلق بمدى توافق علاقاتها العسكرية والاقتصادية والسياسية بإسرائيل مع التزاماتها الدولية في مواجهة الانتهاكات الجسيمة. ويفرض ذلك على الحكومات الأوروبية إدراج التقديرات القانونية المُسبقة في قراراتها المتعلقة بإسرائيل، بحيث لا يقتصر النظر على المصلحة السياسية، بل يمتد إلى احتمال نشوء مسؤولية دولية على عاتق الدولة نفسها، ولا سيما في ظل تراكم القرارات والآراء الصادرة عن القضاء الدولي منذ اندلاع الحرب على غزة.
وتبرز أهمية القضية في أنها تضيف متغيرًا جديدًا، يتمثل في المخاطر المترتبة على الدعم ذاته وتكلفته السياسية[15]. فلم يعد قرار تصدير الأسلحة أو استمرار التعاون العسكري والاقتصادي يُقيَّم من منظور المصلحة السياسية أو الاستراتيجية فحسب، بل أيضًا في ضوء احتمال استخدامه لاحقًا أساسًا للمساءلة أمام القضاءَين الدولي أو الوطني. ويعكس ذلك اتجاهًا أوسع ظهر بعد الرأي الاستشاري للمحكمة الصادر في تموز/ يوليو 2024، الذي أكّد عدم جواز تقديم العون أو المساعدة على استمرار الوضع غير المشروع، وأخذ ينتقل تدريجيًا من النقاش القانوني إلى بعض أدوات السياسة العملية؛ ومن ذلك إعلان الحكومة البريطانية في أيلول/ سبتمبر 2026 حظر استيراد منتجات المستوطنات الإسرائيلية[16].
وتظهر صادرات الأسلحة بوصفها المجال الأكثر عرضة لتأثير هذه التحولات؛ لوقوعها عند تقاطع الالتزامات القانونية مع الضغوط السياسية والأمنية. وحتى إذا لم تكن الحكومات الأوروبية مستعدة لوقف الدعم العسكري بصورة شاملة، فقد يدفعها ارتفاع تكلفته إلى تبنّي خيارات أكثر حذرًا، من بينها تشديد معايير تقييم المخاطر قبل إصدار التراخيص، واستثناء أنواع معيّنة من المعدّات، وربط استمرار التصدير بطبيعة العمليات العسكرية الإسرائيلية، وصولًا إلى تعليق بعض التراخيص. وظهرت ملامح هذا الاتجاه في قرار الحكومة الألمانية، في آب/ أغسطس 2025، وقف صادرات المعدّات العسكرية التي يمكن استخدامها في قطاع غزة، حتى إشعار آخر[17]، ردًا على قرار الحكومة الإسرائيلية توسيع عملياتها العسكرية. ومن ثمّ، قد لا يتمثل التحوّل المتوقّع في انتقال مباشر من الدعم إلى الحظر بقدر ما يكون انتقالًا من الدعم الواسع إلى دعم مقيّد يخضع لتقديرٍ متزايدٍ للمخاطر.
بدأت العلاقات الاقتصادية والمؤسسية الأوروبية مع إسرائيل أيضًا تدخل دائرة المراجعة السياسية، بما في ذلك النقاش بشأن اتفاقية الشراكة بين الاتحاد الأوروبي وإسرائيل والامتيازات المرتبطة بها[18]. وتكتسب هذه التطورات دلالة أوسع؛ إذ تشير إلى أن أدوات الضغط المحتملة لم تعد تقتصر على البيانات الدبلوماسية، بل يمكن أن تمتد إلى مجالات التجارة والاستثمار والتعاون المؤسسي والعلمي. ومع ذلك، تظل قدرة الاتحاد الأوروبي على تحويل هذه الضغوط إلى سياسة موحّدة مقيّدة بالانقسامات الداخلية بين دوله؛ ولذلك يرجّح أن تظهر هذه التحولات، في المدى المنظور، بصورة متفاوتة من دولة إلى أخرى، أكثر من ظهورها في صورة تحوّل أوروبي جماعي وسريع.[19]
ويتزامن ذلك مع ارتفاع التكلفة الداخلية للسياسات المرتبطة بإسرائيل. فقد أظهرت استطلاعات الرأي تراجعًا ملحوظًا في النظرة الإيجابية إلى إسرائيل في عدد من دول أوروبا الغربية، بالتوازي مع تنامي الاحتجاجات والنشاط الحقوقي والسياسي المرتبط بالحرب على غزة[20]. وتنبع أهمية هذا العامل من أن الضغوط لم تعد تقتصر على انتقالها من الشارع إلى الحكومات، بل باتت تصل إلى القنوات المؤسسية الرسمية القادرة على التأثير في عملية صنع القرار[21]؛ فالبرلمانات تستطيع مساءلة الحكومات بشأن صادرات الأسلحة والعقود والاستثمارات، وتستطيع المنظمات والمحامون اللجوء إلى المحاكم الوطنية للطعن في بعض القرارات الحكومية استنادًا إلى الالتزامات الدولية للدولة. وبذلك يمكن تصور سلسلة تأثير متصاعدة تبدأ من القضاء الدولي، وتنتقل إلى القضاء الوطني والمجتمع المدني والبرلمانات، وصولًا إلى دوائر صنع السياسة الخارجية.
لا تكمن الدلالة السياسية الأبعد لقضية نيكاراغوا ضد ألمانيا في نتيجتها القضائية وحدها، بقدر ما تكمن في إسهامها في إعادة تعريف تكلفة دعم إسرائيل ضمن عملية صنع القرار الأوروبي. وفي ضوء ذلك، لا يبدو أن الاتجاه الأكثر ترجيحًا في المدى القريب يتمثل في قطيعة أوروبية شاملة مع إسرائيل، بقدر ما يتّجه نحو تحوّل تدريجي من الدعم غير المشروط إلى علاقة أكثر انتقائية، تخضع فيها صادرات الأسلحة وأشكال التعاون العسكري والاقتصادي لتقييم أكثر صرامة للمخاطر القانونية والتكلفة السياسية الداخلية. وإذا ترسّخ هذا الاتجاه، فقد يتمثّل الأثر السياسي الأهم للقضية في انتقال النقاش داخل العواصم الأوروبية من سؤال ما تقتضيه العلاقات الاستراتيجية مع إسرائيل إلى سؤال أكثر دقة وحساسية: ما حدود الدعم الذي يمكن الدولة تقديمه إلى إسرائيل من دون أن تتحمل تكلفته القانونية والسياسية؟
رابعًا: مستقبل القضية وحدود مسؤولية الدول الثالثة
تدخل قضية نيكاراغوا ضد ألمانيا، عقب جلسات الاستماع بشأن الاعتراضات الأولية مرحلة حاسمة ربما تحدد ما إذا كانت المحكمة ستمضي فيها أو تنهيها. وتكمن أهمية هذه المرحلة في أنها قد ترسم ملامح مستقبل مسؤولية الدول الثالثة عن الانتهاكات الجسيمة للقانون الدولي، ويمكن طرح ثلاثة سيناريوهات رئيسة[22].
1. السيناريو الأول: قبول الاعتراضات الألمانية وإنهاء القضية
ربما تقبل المحكمة أحد الاعتراضات الأولية الألمانية، ولا سيما المرتبط بمبدأ "العملة الذهبية" Monetary Gold[23]، والقائم على عدم إمكانية الفصل في مسؤولية ألمانيا من دون الفصل في مسؤولية إسرائيل عن الإبادة الجماعية في دعواها ضد جنوب أفريقيا. غير أن إنهاء القضية إجرائيًا لا يعني بالضرورة حسم مشروعية الدعم الألماني أو انتفاء التزامات ألمانيا الموضوعية؛ إذ تظل التزامات منع الإبادة، وعدم الاعتراف بالأوضاع غير المشروعة، والامتناع عن تقديم العون أو المساعدة، مستمدة من قواعد قانونية مستقلة. ومن ثم، قد يحدّ هذا السيناريو من إمكانية مساءلة الدول الثالثة قضائيًا، من دون أن يعفيها من التزاماتها الدولية أو من الآثار القانونية المترتبة على سلوكها.
2. السيناريو الثاني: رفض الاعتراضات الألمانية والانتقال إلى الموضوع
يمثّل رفض الاعتراضات الألمانية، كليًا أو جزئيًا في جوانبها الجوهرية، تطورًا مهمًا في مسار مسؤولية الدول الثالثة؛ لأنه يفتح المجال أمام المحكمة لفحص السلوك الألماني ذاته، ومدى اتساقه مع الالتزامات الدولية الواقعة على عاتق ألمانيا، وأوّلها التزاماتها بموجب اتفاقية منع الإبادة الجماعية، وعدم التواطؤ فيها. وقد تنتقل القضية، حينئذ، من السؤال الإجرائي المتعلق بإمكانية مساءلة ألمانيا في غياب إسرائيل إلى سؤال جوهري يتمثل في تحديد اللحظة التي يتحوّل فيها دعم دولة ثالثة لدولة أخرى من ممارسة للعلاقات السياسية والعسكرية إلى سلوك تترتب عليه مسؤوليتها الدولية أو يمثّل إخلالًا بالتزاماتها المستقلة. ويكتسب هذا الطرح أهميته في ضوء علم ألمانيا بالمخاطر المرتبطة بالسلوك الإسرائيلي، واستمرار تدفّق الأسلحة والمعدات العسكرية، على الرغم من تصاعد التحذيرات والقرارات القضائية الدولية، وما يترتب على ذلك من تساؤلات بشأن نطاق واجب منع الإبادة، وحدود الالتزام بضمان احترام القانون الدولي الإنساني، والعلاقة بين تقديم العون أو المساعدة ومسؤولية الدولة المستفيدة منه. وتتضاعف أهمية هذا السيناريو إذا رأت المحكمة أنّ بعض الالتزامات الواقعة على عاتق ألمانيا يمكن تقييمها بصورة مستقلة عن تقرير المسؤولية الدولية لإسرائيل، بما قد يضيّق نطاق الاحتجاج بمبدأ العملة الذهبية.
3. السيناريو الثالث: صدور حكم موضوعي يطور معيار مسؤولية الدول الثالثة
يُعدّ الوصول إلى حكم في الموضوع السيناريو الأبعد أثرًا، سواء انتهت المحكمة إلى تأكيد مسؤولية ألمانيا أو إلى عدم ثبوتها؛ إذ لن تقتصر الأهمية القانونية على النتيجة التي ستصل إليها المحكمة بشأن السلوك الألماني، بل ربما تكمن أيضًا في المعايير التي ستضعها لتحديد ما يُعدّ سلوكًا مشروعًا للدولة الثالثة. وقد يتيح الحكم فرصةً لتوضيح العلاقة بين عدد من العناصر، من بينها علم الدولة بالظروف المحيطة بالانتهاكات، ووجود خطر جدي بوقوعها أو استمرارها، وطبيعة المساعدة المقدَّمة ومدى إسهامها في السلوك محلّ النزاع، فضلًا عن قدرة الدولة على التأثير في الطرف المستفيد من الدعم، ومستوى العناية الواجبة المطلوبة منها. وإذا أرست المحكمة معيارًا أكثر وضوحًا في هذا المجال، فقد تتجاوز آثاره ألمانيا لتشمل دولًا أخرى تربطها بإسرائيل علاقات عسكرية أو اقتصادية وثيقة.
خاتمة
تكشف قضية نيكاراغوا ضد ألمانيا عن تحوّلٍ يتجاوز توسيع نطاق المساءلة الدولية من إسرائيل إلى الدول الثالثة الداعمة لها، ليشمل حسابات صنع القرار السياسي بشأن العلاقات مع إسرائيل. فالانتقال من عدم الاعتراف بالأوضاع غير المشروعة إلى الامتناع عن تقديم العون أو المساعدة على استمرارها يجعل الدعم العسكري والاقتصادي والسياسي نفسه موضعًا للتقييم، ويرفع تدريجيًا تكلفته القانونية والسياسية. ولا تقتصر أهمية القضية على ما ستقرره المحكمة بشأن مسؤولية ألمانيا، بل تمتد إلى قدرتها على إدراج مخاطر المسؤولية ضمن حسابات الدول التي تحتفظ بعلاقات وثيقة مع إسرائيل، ولا سيما الدول الأوروبية. وحتى إذا انتهت القضية عند المرحلة الإجرائية، فلن تزول الضغوط المرتبطة بصادرات الأسلحة والتعاون الاقتصادي والعسكري، في ظل تراكم القرارات القضائية الدولية، وتصاعد الرقابة البرلمانية، واللجوء إلى المحاكم الوطنية، وتغيّر اتجاهات الرأي العام.
بناء عليه، لا يُرجَّح في المدى القريب أن تتّجه الدول الأوروبية نحو قطيعة شاملة مع إسرائيل، بقدر ما يُرجَّح أن يتّجه الموقف الأوروبي نحو تآكل تدريجي لنموذج الدعم غير المشروط، لمصلحة علاقةٍ أكثر حذرًا ومشروطية. ومن ثم، قد يتمثل الأثر السياسي الأبعد للقضية في تحويل تكلفة هذا الدعم من اعتبار ثانوي إلى متغيّر دائم في صناعة السياسة الخارجية الأوروبية. بذلك، فإن مآل دعوى نيكاراغوا ضد ألمانيا لن يقتصر على تحديد مسؤولية الدولة الثالثة، بل قد يعيد تشكيل طبيعة الدعم الخارجي الأوروبي لإسرائيل خلال المرحلة المقبلة، على نحوٍ ربما تمتد تداعياته إلى دول أخرى.
[1] "نيكاراجوا: ألمانيا انتهكت القانون الدولي بتصدير أسلحة إلى إسرائيل"،
رويترز، 8/9/2026، شوهد في 15/9/2026، في:
https://acr.ps/hBxNM2X
[2] “The Republic of Nicaragua Institutes Proceedings against the Federal Republic of Germany and Requests the Court to Indicate Provisional Measures,” International Court of Justice (ICJ),
Press Release, 1/3/2024, accessed 12/9/2026, at:
https://acr.ps/hBxNMfw
[3] “Application of the Convention on the Prevention and Punishment of the Crime of Genocide in the Gaza Strip (South Africa v. Israel),” ICJ, accessed on 12/9/2026, at:
https://acr.ps/hBxNMs5
[4] “What has Germany’s Position Been on Israel’s Genocide in Gaza?,”
Aljazeera, 7/12/2025, accessed on 12/9/2026, at:
https://acr.ps/hBxNMEE
[5] “Policy Statement by Olaf Scholz, Chancellor of the Federal Republic of Germany and Member of the German Bundestag, on the Situation in Israel,”
Bundesregierung, 12/10/2023, accessed on 12/9/2026, at:
https://acr.ps/hBxNLN9
[6] "ألمانيا تتدخل كطرف ثالث بين إسرائيل وجنوب أفريقيا أمام محكمة العدل.. ماذا يعني ذلك؟"،
العربي الجديد، 13/1/2024، شوهد في 12/9/2026، في:
https://acr.ps/hBxNLZI
[7] “Application Instituting Proceedings and Request for the Indication of Provisional Measures, Alleged Breaches of Certain International Obligations in Respect of the Occupied Palestinian Territory (Nicaragua v. Germany),” ICJ, 1/3/2024, Para.3, accessed on 12/9/2026, at:
https://acr.ps/hBxNMch
[8] “Order of Request for the Indication of Provisional Measures, Alleged Breaches of Certain International Obligations in Respect of the Occupied Palestinian Territory (Nicaragua v. Germany),” ICJ, 30/4/2024, Para. 26, accessed on 12/9/2026, at:
https://acr.ps/hBxNMoQ
[9] “Conclusion of the Public Hearings Held from Monday 7 to Thursday 10 September 2026, Alleged Breaches of Certain International Obligations in Respect of the Occupied Palestinian Territory (Nicaragua v. Germany),” ICJ,
Press Release, 10/9/2026, accessed on 12/9/2026, at:
https://acr.ps/hBxNMBp
[10] القاعدة الآمرة: هي قاعدة تتمتع بمكانة قانونية عليا، يقبلها المجتمع الدولي للدول ككل ويعترف بها باعتبارها قاعدة لا يجوز الخروج عليها، ولا يمكن تعديلها إلّا بقاعدة لاحقة من الطبيعة الآمرة نفسها. ومن أمثلتها التي أوردتها لجنة القانون الدولي في قائمتها غير الحصرية: حظر العدوان، والإبادة الجماعية، والجرائم ضد الإنسانية، والعبودية، والفصل العنصري والتمييز العنصري، والتعذيب، إضافةً إلى حق الشعوب في تقرير المصير. ينظر:
International Law Commission, “Peremptory Norms of General International Law (Jus Cogens),” accessed on 12/9/2026, at:
https://acr.ps/hBxNLJU
[11] “Advisory Opinions, Legal Consequences for States of the Continued Presence of South Africa in Namibia (South-west Africa) Notwithstanding Security Council Resolution 276 (1970),” ICJ, 21/6/2026, Para 119-126, accessed on 12/9/2026, at:
https://acr.ps/hBxNLWt
[12] “Advisory Opinions, Legal Consequences of the Construction of a Wall in the Occupied Palestinian Territory,” ICJ, 9/7/2004, Para 159, accessed on 12/9/2026, at:
https://acr.ps/hBxNM92
[13] “Advisory Opinions, Legal Consequences Arising from the Policies and Practices of Israel in the Occupied Palestinian Territory, Including East Jerusalem,” ICJ, 19/7/2024, Para 273-279, accessed on 12/9/2026, at:
https://acr.ps/hBxNMlB
[14] International Law Commission, “Draft Articles on Responsibility of States for Internationally Wrongful Acts, with Commentaries,”
Yearbook of the International Law Commission 2001, vol. II, Part 2, 2008, art. 41.
[15] Matthew Smith, “Net Favourability towards Israel Reaches New Lows in Key Western European Countries,”
YouGov, 3/6/2025, accessed on 12/9/2026, at:
https://acr.ps/hBxNMya
[16] “Foreign Secretary Oral Statement on Israel-Palestine,” UK Government, 8/9/2026, accessed on 12/9/2026, at:
https://acr.ps/hBxNLGF
[17] "ألمانيا توقف توريد الأسلحة لتل أبيب حتى إشعار آخر"، الشرق الأوسط، 8/8/2025، شوهد في 12/9/2026، في:
https://acr.ps/hBxNLTe
[18] "دعوات أوروبية لتعليق اتفاقية التعاون مع ’إسرائيل‘ بسبب الحرب على غزة"،
الميادين، 12/9/2025، شوهد في 12/9/2026، في:
https://acr.ps/hBxNM5N
[19] "بين الدعم والتحفظ والمعارضة.. انقسام أوروبي يحول دون تعليق اتفاق الشراكة مع إسرائيل"،
الجزيرة، 22/4/2026، شوهد في 13/9/2026، في:
https://acr.ps/hBxNMim
[20] Smith.
[21] "نداء للحزم ضد إسرائيل.. هل هو تمرد داخل الدبلوماسية الأوروبية؟"،
الجزيرة، 4/2/2026، شوهد في 13/9/2026، في:
https://acr.ps/hBxNMuV
[22] “Nicaragua v. Germany before the ICJ: Key Questions and Answers on the Case Concerning Germany’s Support for Israel,”
Law for Palestine, 8/9/2026, accessed on 12/9/2026, at:
https://acr.ps/hBxNMHu
[23] يمكن تعريف مبدأ العملة الذهبية بأنه قاعدة قانونية إجرائية نشأت عن الممارسة القضائية لمحكمة العدل الدولية، ومفادها أنّ المحكمة لا تستطيع الفصل في قضية يكون البتّ فيها متوقفًا على تحديد حقوق ومسؤولية دولة ثالثة لم توافق على ممارسة المحكمة لاختصاصها عليها. فإذا كان الفصل في النزاع المعروض أمام المحكمة يقتضي حسم حقوق أو مسؤولية دولة ثالثة غير طرف في الدعوى، ولم تقبل باختصاص المحكمة، امتنعت المحكمة عن ممارسة اختصاصها، حتى وإن كانت الدول المتنازعة قد قبلت اختصاص المحكمة في فضّ النزاع. للمزيد ينظر: ناصر ثابت، "مبدأ العملة الذهبية (الذهب النقدي): ما هو وما علاقته بحالة فلسطين أمام المحكمة الجنائية الدولية؟"، منظمة القانون من أجل فلسطين، 13/3/2021، شوهد في 12/9/2026، في:
https://acr.ps/hBxNLPZ