العنوان هنا
مقالات 18 يونيو ، 2020

ملاحظات في سياق انتفاضة "حياة السود مهمة"

عزمي بشارة

المدير العام للمركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، وعضو مجلس الإدارة في المركز. وهو باحث وكاتب معروف، نُشرت له عدة كتب ومؤلفات في الفكر السياسي، والنظرية الاجتماعية، والفلسفة. عمل أستاذًا للفلسفة والدراسات الثقافية في جامعة بيرزيت بين عاميْ 1986 و1996. وساهم في تأسيس مراكز بحثية في فلسطين، منها: المؤسسة الفلسطينية لدراسة الديمقراطية (مواطن)، ومركز مدى الكرمل للدراسات الاجتماعية التطبيقية. اضطر في عام 2007 إلى الخروج إلى المنفى بعد ملاحقته إسرائيليًا بتهمٍ أمنية.

نشر الدكتور عزمي بشارة مئات الأوراق والدراسات والبحوث في دوريات علمية بلغات مختلفة، ومن أبرز مؤلفاته: "المجتمع المدني: دراسة نقدية"؛ "في المسألة العربية: مقدمة لبيان ديمقراطي عربي"؛ "من يهودية الدولة حتى شارون"؛ "الدين والعلمانية في سياق تاريخي" (جزآن في ثلاثة مجلدات)؛ "في الثورة والقابلية للثورة"؛ "أن تكون عربيًا في أيامنا"؛ "الجيش والسياسة: إشكاليات نظرية ونماذج عربية"؛ "مقالة في الحرية"؛ "الطائفة، الطائفية، الطوائف المتخيلة"؛ "في الإجابة عن سؤال: ما السلفية؟"؛ "تنظيم الدولة المكنى ’داعش‘: إطار عام ومساهمة نقدية في فهم الظاهرة"، ومنها كتبٌ أصبحت مرجعيةً في مجالها.

كما أنجز عملًا تأريخيًا تحليليًا وتوثيقيًا للثورات العربية التي اندلعت في عام 2011، ونشره في ثلاثة كتب هي: "الثورة التونسية المجيدة"؛ و"سورية درب الآلام نحو الحرية: محاولة في التاريخ الراهن"؛ و"ثورة مصر" (في مجلدين). وتناولت هذه المؤلفات أسباب الثورة ومراحلها في تلك البلدان، وتعد مادةً مرجعيةً ضمن ما يُعرف بالتاريخ الراهن؛ لما احتوته من توثيق وسرد للتفاصيل اليومية لهذه الثورات مع بعدٍ تحليلي يربط السياقات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية لكل ثورة فيما بينها.

1. ملاحظة بشأن تاريخ العنصرية

فُتحت بعد مقتل جورج فلويد، في 25 أيار/ مايو 2020، أبواب الميادين على مصراعيها للاحتجاج على العنصرية ضد الأميركيين - الأفارقة بعد أن بثت وسائل الإعلام عملية القتل كاملة؛ إذ جَثَم شرطي على رقبة فلويد حوالى تسع دقائق حتى قضى خنقًا. وزوّدت حشرجته الأخيرة "لا أستطيع التنفس" المناهضين للعنف العنصري المنتشر في صفوف الأجهزة الأمنية بمجازٍ واستعارةٍ لغويةٍ يعبّران حرفيًا عن الشعور الدفين والتراكمي بالاختناق وشعارٍ يتصدّر المسيرات في الولايات المتحدة الأميركية وبعض دول أوروبا الغربية.

 للعنصرية تاريخ طويل تقاطع في الماضي مع الاستعمار والعبودية، وقد تفاعلت منذ نشأتها مع النزوع القديم إلى إضفاء صفاتٍ وراثية على الفوارق الطبقية بين العائلات الأرستقراطية وعامة الناس في الدول المستعمِرة. وشهد القرن التاسع عشر نزعة علموية تحمّست لتطبيق الاكتشافات العلمية في العلوم الطبيعية على الإنسان والمجتمع، بإسقاط مناهج مواضيع مثل البيولوجيا بتفرعاتها المختلفة على العلاقة بين البنية الجسدية لمجموعات بشرية وصفات أفرادها الشخصية وقدارتهم العقلية وأخلاقهم وثقافتهم عمومًا. ومثّلها في أميركا الشمالية الطبيب الأميركي صامويل جورج مورتون (Samuel George Morton 1799-1851)، الذي تخصص في "علم" قياسات حجم الجمجمة، واعتُبِرَ مؤسس "المدرسة الأميركية" لوصف الأعراق البشرية (الإثنوغرافيا الوصفية)، وقام بجمع جماجم بشرية من مناطق مختلفة من العالم وتصنيفها بناءً على حجم التجويف موضع الدماغ. وافترض مورتون أن العرق الأبيض (القفقازي كما سمّاه) متفوقٌ على غيره من حيث القدرات العقلية استنادًا إلى تجويفات الجمجمة في الدماغ، وصنّف الأفارقة السود في أدنى مرتبة، ووضع الهنود ومن يشبههم في الوسط. وقرر على أساس تحليله لجمجمة مومياء فرعونية، أن الفراعنة كانوا من العرق الأبيض؛ فقد شقّ عليه، كما يبدو، تصور أن من أنشأ كل هذا المعمار كانوا أفارقة سود البشرة. وقد سبقه إلى تطوير هذه العلوم المزعومة علماء وأطباء أوروبيون، وتلقّت أشباه العلوم هذه دفعة من الداروينية، ولاحقًا من الداروينية الاجتماعية. ويمكن القول في هذا السياق إن نشأة الإثنوغرافيا، كاختصاص وعلم، كانت متأثرة تأثرًا مباشرًا بتلك العلموية الزائفة لتبرير العنصرية والسيطرة على الآخر، ولم تتحرر من هذه النزعة إلا مع الثورة العلمية النقدية في موضوعها بعد تخصيبه بعلوم التاريخ والاجتماع.

ومع أن تسمية العنصرية Racism حديثة، وتعود إلى فكرة الأعراق Races العلمية الزائفة Pseudo-scientific، فإنها ليست مصدر العنصرية الثقافي والاجتماعي. فقد كان الموقف السلبي الذي يتضمن آراء مسبقة عن جماعات بشرية كاملة قائمًا في ثقافة المستعمِرين، ليس فقط قبل التنوير والثورة العلمية، بل حتى قبل اكتشاف أميركا. كما عرفت الحضارات القديمة الخوف من الآخر المختلف الذي تراوح بين التوجّس منه والشك فيه وبين شيطنته. وإذا ما ترافق التوجّس من الآخر مع التفوّق التنظيمي والتقني العسكري إلى درجة إخضاعه، نشأ النزوع إلى تبرير عملية الإخضاع بالتفوق من جهة، تقابلها الدونية من جهة أخرى، وكذلك ربط التفوق والدونية بالاختلافات المرئية في المظهر الخارجي، أو بالفوارق الثقافية أو الدينية. والعبودية ذاتها، ولا سيما عبودية المهزوم للمنتصر في الحرب، أقدم بكثير من العنصرية الحديثة المرتبطة بفكرة وجود أعراق أكثر وأقل تطورًا من الأخرى. لقد كان ثمّة عبيد سود وبيض، وارتبطت العبودية بالهزيمة. وحصل في الماضي أن استعبدت شعوب وقبائل مقاتلة شعوبًا أكثر تحضّرًا ومدنية منها بعد أن هزمتها في الحرب.

لقد قدم التبرير العلمي الزائف تأسيسًا للأيديولوجيات العنصرية في عصر العلمنة والعقلانية في صورة نظرية قابلة بيسر للتحول إلى أيديولوجيا أو اعتقاد، وأدت هذه الأيديولوجيا دورًا خطيرًا في التاريخ الحديث. ولا شك في أنها أثّرت في القيادات السياسية والعسكرية والمستوطنين في مرحلة الاكتشافات الجغرافية والاستعمار. لكن لم تنشأ مواقف قطاعات واسعة من الناس من "آخرية الآخر" (حب الاستطلاع والاستعداد للتواصل والتعايش معه في مقابل التوجس في الحد الأدنى وصولًا إلى الشيطنة بدرجات مختلفة) نتيجةً لهذه التنظيرات شبه العلمية، سواء أتجلى الداعي إلى الموقف المسبق في لون الجلد أم اللغة أم الدين أم مجرد كون الآخر "غريبًا". فهذه الدرجات من المواقف تجاه المختلف جسديًا أو دينيًا أو إثنيًّا أو حتى قبليًّا كانت قائمة لدى قطاعات واسعة من الناس قبل رواج هذه النظريات وظلت قائمة بعدها وبغض النظر عنها، وهي تجعلهم معرّضين في العصر الحديث أيضًا لتقبّل الأيديولوجيات التي تستخدم نظريات شبه علمية أو تستند إليها.

تقبّلت الطبقات العليا في البلدان المستعمِرة فكرة التفوّق على المستعمَرين؛ إذ كان الإيمان بالتفوّق على العامة من سكان بلادها منتشرًا في أوساطها التي عدّتهم عاجزين وجهلة بالوراثة، بحيث يكرّس التكاثر بالتزاوج فيما بينهم تلك الصفات الوراثية. أما الأرستقراطية الأوروبية فكانت واثقة بأن دمًا مختلفًا سرى في عروق أفرادها، وأن نسب الأرستقراطي يؤهله جينيًا للسلطة والثروة. من جهة أخرى، تقبّل عوام المجندين للقتال في المستعمَرات فكرة أن المستعمَرين أدنى مرتبة منهم بسبب الموقف الموصوف أعلاه من الآخر عمومًا، ولأن نزع الإنسانية عن المستعمَرين يمنحهم امتياز التفوق، والانتماء بهذه الصفة إلى قوم المستعمِرين. كل هذا قبل أن تنشأ الأيديولوجيات القومية وفكرة انتماء الطبقات كلها إلى الأمة ذاتها، وحلول التأكيد على الفرق بينها وبين الأمم الأخرى بطبقاتها المختلفة محل "الفوارق الجوهرية" الثابتة بين نبلائها وعامتها.

ثمّة مصادر مختلفة لقابلية الإنسان أن يتشرّب أفكارًا مسبقة عن الآخر بافتراض صفات فيه من دون سابق معرفة. وجميعها مشتقة من تعميمات قائمة أصلًا على افتراض وجود "جوهر" أو "نوعية" ثاوية في جماعة بشرية معينة، سواء أكانت هذه الجماعة مؤلفة من أصحاب البشرة السوداء، أو من أتباع ديانة مختلفة، أو من إثنية/ قومية مختلفة أو غيرها. يمكن جمع هذه النزعات عمومًا تحت عنوان "الجوهرانية" Essentialism التي تشتق ما لا حدود له من صفات أفراد منتمين إلى جماعة ما من جوهر مُفتَرَض يجمع بينهم، وكأن صفاتهم متولّدة منه بالضرورة.

وقد برر جون لوك (John Locke 1632-1704)، أحد أهم فلاسفة التنوير الأوروبي ومن آباء الليبرالية، العبودية بأن المستعبدين لا يعرفون كيف يستغلون أرضهم بشكل ملائم ولا يفلحونها ويفشلون في إنتاج الملكية الخاصة، كما أنهم خسروا في "حرب عادلة"؛ فحل استعبادهم بدلًا من قتلهم، ما بدا له مقايضة عادلة[1]. ويبدو أنه قبل ذلك بمدة طويلة ساد الاعتقاد في اليونان القديمة أن بعض الناس عبيد بطبيعتهم، وبعضهم أسياد بطبيعتهم، كما ورد عند أرسطو في كتابه السياسة. كانت العبودية قائمة في كثير من بلدان العالم، في الحضارات القديمة، وكذلك في العصر الوسيط، بما في ذلك البلدان العربية والمسلمة. فقد عانى العبيد فيها أيضًا حتى مراحل متأخرة. وكان ثمّة جانب آخر للعبودية في الحالة العربية والمسلمة بأن العديد منهم جلب في مرحلة متأخرة من الخلافة العباسية لغرض الخدمة العسكرية ووصلوا إلى مراتب عليا، وانتزعوا السلطة السياسية لعهود طويلة. كما اندمجوا في أعلى رتب الجيش والإدارة في السلطنة العثمانية منذ بناء جيش الانكشارية وتأليف حرس السلطان وإداراته من العبيد البيض الذين جُلبوا أطفالًا من البلقان وغيرها من البلدان. أما ما ميّز العبودية الحديثة في أميركا فهو علاقتها بالاستعمار الاستيطاني، وتكريسها مع استيراد الفكر العنصري وفكرة العرق الأدنى.

في بداية عصر النهضة علمنت العنصرية الموقف الديني السلبي من الآخر بسبب الاختلاف في العقيدة الدينية، بتحويله إلى موقف معلل بصفات ثابتة فيه لا تتغير بتغيير العقيدة والدين. كان الدافع إلى ذلك تبرير الموقف التشكيكي باليهود والمسلمين الذين تحولوا إلى المسيحية بعد طرد أبناء ملتهم من شبه الجزيرة الأيبيرية بعد "حرب الاسترداد" Reconquista، والتمسك بهذا الموقف لعدّة أجيال خوفًا من أن يصل أفراد من نسلهم إلى مناصب عليا في الدولة أو الكنيسة. لا بد إذًا من افتراض وجود عناصر وراثية ثابتة فيهم لا تتغير بتغيير العقيدة. هذا كله قبل أن تنشأ النظريات العنصرية العلموية التي وصلت إلى حد طلب شهادات بياض اللون (Whiteness) في أميركا بعد أجيال من احتلالها. لقد عرفت إسبانيا والبرتغال طلب شهادة نقاء الدم من العناصر اليهودية والمسلمة قبل ذلك[2].

وأدى "اكتشاف أميركا" في الفترة نفسها ومفاجأة/ صدمة وجود شعوب في هذا العالم لم يذكرها سفر التكوين، ولم يرد ذكرها في التوراة عمومًا، إلى تبني فكرة وجود كائنات sub-human تُشبه البشر لكنها ليست بشرًا، ومن ثمّ يمكن معاملتهم مثل الطرائد البرية الأخرى. ووجد بعض المستعمِرين ضالتهم في "نظرية" الفيلسوف البروتستانتي الكالفني الفرنسي، إسحق دي لابيرير (Isaac la Peyrère 1596-1676)، حول ما قبل البشر pre-Adamites، والتي تفيد أن التوراة روت قصة اليهود ولم تروِ قصة البشر الذين عاشوا قبل آدم وحواء؛ أي الذين عاشوا حالة طبيعية بهيمية.

ونشأ في أميركا الجنوبية والوسطى الصدام الشهير بين رهبان الدومينيكان من جهة، والمحتلين العنصريين الذين أنكروا بشرية السكان الأصليين من جهة أخرى. واشتهرت المساجلة العلنية بين الراهب الكاثوليكي بارتيلومي دي لاس كازاس (Bartolomé de Las Casas 1484-1566) الذي أكد إنسانية السكان الأصليين، ومن ثم ضرورة تبشيرهم بالمسيحية (وليس احترام معتقداتهم مثلًا) مثل بقية البشر، وبين خوان سيبولفيدا (Juan Sepulveda 1489-1573) في عام 1550 الذي استند إلى رأي أرسطو القديم المتمثل بأن ثمّة بشرًا هم عبيد بالطبيعة لأنهم غير قادرين إلّا على استخدام أجسادهم، ومن ثمّ، من حق المتفوّق أن يستخدمهم كعبيد[3]. وكان سيبولفيدا قد حرّر أفضل طبعات أرسطو من كتاب السياسة، وربما كانت آراؤه هذه سبب ولعه بأرسطو.

وبعد ذلك بقرنين، عاد إلى الموقف ذاته عالم اعتُبر خبيرًا ومرجعًا أوروبيًا في الشؤون الأميركية في القرن الثامن عشر (من دون أن يزور أميركا) هو الفيلسوف الهولندي البروتستانتي كورنيلوس دي باو (Cornelius de Pauw 1739-1799)؛ إذ انتقد محاولة الكنيسة الكاثوليكية تبشير الهنود الحمر بوصفهم بشرًا مثل بقية البشر، واعتبر أن السكان الأصليين ليسوا أشرارًا ولا أخيارًا، لأنهم ليسوا بشرًا أصلًا[4]. إنهم أدنى عرقيًّا من سكان أوروبا؛ بسبب تراكم تأثير المناخ والجغرافيا[5]. هنا جرى تلبيس الاستعباد لباسًا "علميًا" بما بدا ترفعًا عن الخير والشر باستخدام معايير علمية وتجنّب الأحكام القيمية. لقد اعتقد من قام ببعض أفظع ما عرفه العالم من جرائم أنّ ما يقومون به لا يصنف كخير أو شر، إما لأنهم اعتقدوا أن عملهم مجرد وظيفة وتنفيذ أوامر، وأنهم ليسوا أصحاب قرار بشأن طبيعة العمل الأخلاقية، وإما لأنهم يقومون بأعمال تبدو لهم منطقية ولا دخل للأخلاق في الموضوع، وإما لأن أفعالهم موجهة إلى من يعدّونهم من غير البشر، فلا تنسحب على أعمالهم المعايير الأخلاقية وقيم الشر والخير!

وبعد عيش الأوروبيين في مناخ المستعمرات قرونًا طويلة من دون أن تتأثر بنيتهم الجسدية والعقلية بها، ثار نقاش يشكك بهذه النظريات، وصاغ في حينه أحد أشهر علماء عصره، أستاذ الطب وعلم النبات في جامعة أوبسالا كارل فون ليناس (Carl Linnaeus 1707-1778)، نظرية حول العلاقة بين اللون وملامح الوجه ونوع الشعر ولون العينين من جهة، والقدرة على تنظيم المجتمع وأيضًا المزاج من جهة أخرى؛ إذ قسّمه إلى عصابي ومعتدل وخامل، ووضع أصنافًا من القردة في مرتبة قريبة من الإنسان قبل أن يفعل ذلك داروين. وبعد هذه "النظريات" العلمية الزائفة التي سخّرت أدوات العلوم الطبيعية، جاءت فلسفة التاريخ لتصنّف الشعوب بموجب سُلّم التقدم والتأخر التي وجدت نسقها الأكمل عند هيغل الذي رأى أنّ ثمّة شعوبًا من دون تاريخ؛ فروح التاريخ عنده تتعطل في أفريقيا وبين الهنود الحمر وسكان القطب الشمالي، لأنها لا تعيش في المناطق الشديدة الحرارة والمناطق الشديدة البرودة، لذلك بقيت هذه الجماعات البشرية سجينة الضرورات الطبيعية، ولم تشارك في مسيرة تقدم الإنسان في التاريخ[6]. وقد تسربت تاريخانية فلسفة التاريخ إلى سائر العلوم الاجتماعية في القرن التاسع عشر لتستبدل روح التاريخ بروح الشعب أو روح الأمة أو روح الطبقة أو روح النخبة أو روح العرق قبل أن تحررها الثورة الإبيستمولوجية من تلك العقيدة التي بدت علمية لأنها تنسجم ضمن نسق فلسفي متماسك.

اعتقد العلماء الذين حاولوا اشتقاق الشخصية، بما فيها مستوى الذكاء ودرجة العنف ومدى القرب من البهيمية والإنسانية، من حجم الجمجمة أو اتساع الأنف وعظمة الفك وغيرها من القياسات، أنهم يقومون باكتشافات علمية بموجب منهج علمي صارم وليس بموجب أحكام أخلاقية. لكنهم في الحقيقة كانوا يشتقون صفات نفسية وثقافية وأخلاقية مما اعتبروه جوهرًا ثابتًا. ربما ما زال البعض يصدق مثل هذه الخرافات أو يأخذها بجدية معتقدًا أنها علمية، ولكن يمكن القول إن المجتمع العلمي عمومًا قد نبذ ذلك؛ وباتت هذه "النظريات" محرجة لمن صدقها، ولا سيّما بعد استغلالها الكارثي في أيديولوجيّة الأعراق النازية بعد أن انتقلت نظريات غوبينو (Joseph Arthur de Gobineau 1816-1882) العنصرية في التفاوت العرقي إلى المنظّر النازي ألفريد روزنبيرغ (Alfred Rosenberg 1893-1946) في كتابه عام 1930 أسطورة القرن العشرين، وإلى غيره من منظري النازية. وكان قادة الحزب النازي وهتلر نفسه مؤيدين، بل دعاة معلنين لأيديولوجية تراتبية الأعراق التي تضع الأفارقة السود في المرتبة الأدنى، وترفع العرق الآري إلى رأس القائمة فهو الأرقى، وتعتبر أن اليهود هم الحالة الأسوأ لأنهم يُشكّلون خليطًا من الأعراق ومن ثمّ فهم يلوثون أوروبا؛ وتعتبر السلافيين من عرق متدني، ومن ثم يجب أن يكون دورهم في سلم التراتبية العرقية بمنزلة المستعبدين للعرق الآري؛ ما يبرر سياسات التوسّع النازية. وبطبيعة الحال، اعتبروا أن كل حضارة قديمة مثيرة للإعجاب، سواء في مصر القديمة أو بلاد فارس، أسستها مجتمعات قريبة من العرق الآري وأن انهيارها كان نتيجة لاختلاط هذه المجتمعات الآرية بالسكان المحليين وتلوّث عرقهم النقي. وأصبح ضمان نقاء العرق هدفًا من أهداف الهندسة الاجتماعية في الدولة النازية. لكنهم أبدوا مرونة براغماتية فكانوا مستعدين لتعديل تراتبية الأعراق بموجب التحالفات، فمن تحالف معهم من السلافيين اعتبر أرقى من غيره. وقد انهار هذا كله انهيارًا مدويًّا مع نهاية الحرب العالمية الثانية، ولم يعد التصريح به مقبولًا في الجامعات أو في صالونات النخب الأوروبية والأميركية. ولكن هذا لم يعنِ موت العنصرية.

اتخذ التمييز ضد الآخر المختلف أشكالًا عديدة، وبهذا المعنى لم تولد العنصرية بالمعنى الواسع للكلمة مع نظرية الأعراق العلمية الزائفة، إذ كانت قائمة من دون نظريات، ومن ثمّ فهي لم تنته بنهايتها. واحتلت "جواهر" Essences أخرى غير بيولوجية محل العرق في أصناف التمييز السلبي الجديدة التي ظلت تحمل تسمية العنصرية، لكن من دون "العناصر" أي من دون فكرة العرق. وإذا أصبح ذكر الأعراق غير مقبولٍ، فإن الحديث عن الثقافات والديانات و"العقليات" و"الذهنيات" بوصفها جواهر ثابتة ظل مقبولًا، وظل في الإمكان اتخاذ موقف من الجماعات وفق دياناتها وثقافتها و"عقليتها" المفترضة، وتوقّع صفات الفرد وأخلاقه ومزاجه وكفاءته الوظيفية من انتمائه إليها. وصار بوسع صاحب المواقف العنصرية ضد أصحاب البشرة السوداء أن يزعم أن أفكاره التنميطية المسبقة لا تعود إلى لون بشرتهم، بل إلى عنفهم أو كسلهم وعدم رغبتهم في العمل، وغيرها من التعميمات التي تفترض وجود جوهر آخر حل محل لون البشرة. وبدلًا من الاتكاء على السمات الخلقية، يبدأ في الاستناد إلى الأرقام والإحصاءات التي تؤكد على تدني دافع المبادرة أو الإنجاز أو الرغبة في التقدم أو التعليم مقارنة بفئات أخرى في المجتمعات. وعادة ما تسقط وجهات النظر هذه على المفاضلة بين الفرد والآخر، وكأن أحدهما أقل عقلانية في فعله من الآخر بسبب انتمائه إلى جماعة معينة، من دون أخذ عوامل اجتماعية في الاعتبار مثل الفوارق في انطلاقتهما الاجتماعية، وفي ما هو متاح لهم من خيارات في بيئتهما.

ويمكن للعنصري أن يدّعي أنه ليس عنصريًّا؛ إذ إنه يعترف بوجود استثناءات من الأكفاء السود، وأنه يعمل مع بعضهم. ولكن بعضهم تم تعيينه، من دون استحقاق، فقط لأن بشرته سوداء في إطار التمييز الإيجابي الذي فرضته الدولة لتصحيح بعض الغبن القديم، والذي لا يقبل به. فهو يدّعي أنه ضد أي تمييز. تمامًا كما رفع عنصريون بيض شعار "كل حياة مهمة" في مواجهة شعار "حياة السود مهمة" في مظاهرات ما بعد مقتل فلويد، وهم في الحقيقة يقصدون القول إن حياة السود غير مهمة؛ إذ لا يجوز التركيز عليها وحدها حتى إذا كان السود وحدهم هم الذين يقتلون علىلتصحيح بعض الغبن القديم، والذي لا يقبل به. فهو يدّعي أنه ضد أي تمييز. تمامًا كما رفع عنصريون بيض شعار "كل

أيدي الشرطة لأنهم سود. كما كان البعض يسخر (ومنهم مناضلون ويساريون) من أي نضال من أجل مساواة المرأة بالرجل بحجة أنه لا يجوز تفضيل موضوع حقوق المرأة، حتى حين يكون التمييز قيد البحث هو التمييز ضد المرأة لكونها امرأة، وذلك لأنه لا مساواة أصلًا في هذه المجتمعات بين الرجال.



[1] John Locke, “The Second Treatise of Government,” in: John Locke, Two Treatise of Government and a Letter Concerning Toleration, Ian Shapiro (ed.) (New Haven, CT/ London: Yale University Press), pp. 110-116. 

[2] Richard Popkin, “The Philosophical Basis of Racism,” in: Richard Popkin, The High Road to Pyrrhonism, Richard A. Watson & James E. Force (eds.) (IndianaPolis, IN: Hackett, 1993), pp. 79-80. 

[3] Angel Losada, “The Controversy between Sepuvelda and Las Casas in the Junta of Valldolid,” in: Bartolimé de las Casas in History: Toward an Understanding of the Man and his Work, Juan Friede & Benjamin Keen (eds.) (Dekalb, IL: Northern Illinois University Press, 1971), pp. 279-309.

[4] Henry Steele Commager & Elmo Giordanetti, Was America a Mistake? An Eighteenth-Century Controversy (New York: Harper & Row, 1967), p. 90.

[5] وليست الأحكام "العقلانية" حول العلاقة بين الصفات الجسدية وتأثيرها في العقل والنفس والتضاريس الطبيعية والمناخ جديدة؛ إذ نجدها عند مونتسكيو وغيره من مفكري التنوير مثلما نجدها عند رحالة مسلمين ربطوا بين صفات الناس وبيئتهم الطبيعية والمناخية.

[6] سبق أن تطرقت إلى الموضوع أعلاه وأسميته علمنة العنصرية، والإحالات عن المعلومات الواردة حول تطور التفكير العنصري ترد في: عزمي بشارة، الدين والعلمانية في سياق تاريخي، ج 2، مج 1: العلمانية والعلمنة: الصيرورة الفكرية (الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 2015)، ص 478-489.