العنوان هنا
دراسات 30 أكتوبر ، 2018

وضع المرأة السوداء في المغرب بين وصمَي اللون والنوع الاجتماعي

ياسيين يسني

أستاذ تعليم ثانوي تأهيلي لمادة الفلسفة بوزارة التربية الوطنية في المغرب. وهو باحث دكتوراه في قسم علم الاجتماع في كلية الآداب والعلوم الإنسانية، جامعة محمد الخامس، أكدال، المغرب.

تسعى هذه الدراسة إلى تشخيص وضع المرأة المغربية السوداء مكونًا أساسيًا من مكونات المجتمع المغربي، ومكونًا يعاني وصمًا اجتماعيًا مزدوجًا: "وصم امرأة" و"وصم سوداء". سنحاول جرد أهم أشكال التمييز التي تعيشها المرأة السوداء بسبب العنصرية والذكورية في المجتمع. ونركز على كيفية تجسدها في المجال العام من خلال جرد أهم النعوت القدحية الموجهة إليها، بخاصة نعت "عزية" وأدوارها الإعلامية النمطية. كما نكشف غياب اهتمام نسوي بقضية المرأة السوداء، وأهم العراقيل التي تحول دون تبلور "توجه نسوي أسود" Black Feminism في المغرب.

تقديم

نهدف من خلال هذه الدراسة إلى تشخيص وضع المرأة المغربية السوداء مكونًا أساسيًا من مكونات المجتمع المغربي، ومكونًا يعاني وصمًا اجتماعيًا مزدوجًا: "وصم امرأة" و"وصم سوداء". في هذا العمل نعني بالمرأة السوداء كل النساء اللائي ينظر إليهن ويمثلن اجتماعيًا وثقافيًا من منظار لون بشرتهن الأسود. ويعبر وضع النساء المغربيات السوداوات عن تجربة تعيش فيها هؤلاء النساء وضعية أقلية لونية، وخلافًا لوضع الرجل الأسود تعاني هي وصمين: وصم كونها امرأة ووصم كونها سوداء، ما يجعلها في وضعية دونية مزدوجة.

أكدت لنا المقابلات التي قمنا بها مع بعض الطالبات السوداوات في إطار بحث لنيل شهادة الدكتوراه، أجريناه بشأن وضع سود البشرة في المجتمع المغربي، ضرورة تخصيص حيز من هذا العمل لوضع المرأة السوداء التي تعاني - مثلها مثل الرجل الأسود - العنصرية والتمييز الاجتماعي. لكن رغم ذلك، يبقى وضعًا متميزًا؛ لأنه ملتقى وصميْن: وصم نوع اجتماعي (امرأة) ووصم لون البشرة (سوداء). والبحث في موضوع المرأة السوداء يمثل هنا حلقة ضرورية لتكوين معرفة كاملة عن الوضع الأسود المغربي La condition noir au Maroc الذي نسعى من خلاله إلى لفت انتباه الحركة النسائية المغربية إلى ضرورة الاهتمام بهذا الموضوع الذي لا يقل أهمية عن المواضيع الأخرى المرتبطة بقضايا النوع الاجتماعي.

تدخل دراستنا هذه في إطار دراسات السود Black Studies، ولا سيما تلك التي قادتها النسائيات السوداوات، معتمدات بذلك على مفهوم "التقاطع" Intersectionnalité الذي مكنهن من الكشف عن خصوصية وضع المرأة السوداء كونه ملتقى تجربتين تمييزيتين؛ تجربة امرأة (النوع) وتجربة امرأة (اللون، العرق). أمام "امرأة" و"سوداء" نكون أمام وصمين جسديين؛ لذا اعتمدنا نظرية تحليل الوصم التي بلورها إرفنغ غوفمان نموذجًا تحليليًا، وركزنا على أهم الصور النمطية الرائجة في المجتمع المغربي حول الجسد الأسود الأنثوي. إلى جانب المقاربة السوسيولوجية، استرشدنا بالمقاربة التاريخية التي سنبين من خلالها أن وصم المرأة السوداء وصم له تاريخ تمتد جذوره في الماضي العبودي المغربي.

سنعتمد في هذه الدراسة على أهم ما جمعناه من معطيات من خلال المقابلات شبه الموجهة التي أجريناها مع 10 طالبات سوداوات يدرسن في كلية الآداب والعلوم الإنسانية، جامعة محمد الخامس في الرباط. وركزنا في هذه المقابلات على أشكال التمييز التي يعشنها وآليات مقاومتها. كما أجرينا في الكلية نفسها ستّ مقابلات جماعية مع طلبة وطالبات غير سود؛ ركزنا فيها على تمثلاتهم لسواد البشرة، وحاولنا جرد أهم اتجاهاتهم والصور النمطية المنسوجة لديهم حولها، وسنستثمر في هذه الدراسة الصورة المنسوجة في متخيل المستجيبين حول الجسد الأسود الأنثوي.

كما اعتمدنا على نتائج بحث كمي وكيفي أجريناه حول موضوع مرئية السود في القناتين الوطنيتين الأولى والثانية، نشر في مجلة باحثون.

سنوضح، أولًا، معنى أن تكون امرأة سوداء في المجتمع المغربي من خلال مفهوم "الوضع الأسود". وسنحاول، ثانيًا، جرد أهم أشكال التمييز التي تعيشها المرأة السوداء في هذا الوضع بسبب العنصرية والذكورية في المجتمع. وسنركز على كيفية تجسدها في المجال العام من خلال جرد أهم النعوت القدحية الموجهة إليها، بخاصة نعت "عزية" وأدوارها الإعلامية النمطية. ثالثًا سنبين غياب أي اهتمام نسوي بقضية المرأة السوداء، وأهم العراقيل التي تحول دون تبلور توجه نسوي أسود Black Feminism في المغرب. وأخيرًا، سنختم بتوصيات علمية وعملية قصد محاربة العنصرية، بوصفها شكلًا من أشكال العنف الموجه ضد المرأة المغربية السوداء.


* هذه المراجعة منشورة في العدد 25 (صيف 2018) من مجلة "عمران" (الصفحات 57-77)وهي مجلة فصلية محكمة متخصّصة في العلوم الاجتماعيّة، يصدرها المركز العربيّ للأبحاث ودراسة السياسات.

** تجدون في موقع دورية "عمران" دراسات ومراجعات مختارة متاحة للتنزيل من العدد الجديد (25) والعددين (24) و(23)، كما يمكنكم شراء باقي محتويات هذه الأعداد الثلاثة، فيما تتوافر محتويات الأعداد السابقة جميعها مفتوحة ومتاحة للتنزيل.