ملخص
تتناول هذه الدراسة إشكالية السيادة المالية في تونس خلال الفترة 2021–2026 من منظور الاقتصاد السياسي للمالية العمومية، انطلاقًا من تفكيك التناقض القائم بين الخطاب الرسمي الذي يرفع شعار "الاعتماد على الذات" والقطيعة مع التمويل الخارجي من جهة، والمسار الفعلي للسياسات المالية والتمويلية التي انتهت عمليًا إلى تفاقم المديونية العمومية وتعميق هشاشة المالية العمومية من جهة أخرى. وتُبرز أن تقديم المديونية باعتبارها مجرّد "إرث قديم" لا يصمد أمام التحليل الكمي لقوانين المالية المتعاقبة، التي تُظهر بوضوح أن الجزء الأكبر من الدَّين العمومي أعيد إنتاجه في السنوات الأخيرة بسبب اختيارات تمويلية راهنة، في سياق ضعف النمو واستمرار العجز الهيكلي للموازنة. ويُبيّن التحليل أن اختزال مفهوم الاعتماد على الذات في مقاربة محاسبية ضيّقة، تقوم أساسًا على إحلال التمويل الداخلي محلّ التمويل الخارجي، لم يُفضِ إلى تعزيز الاستقلال المالي، بل أدّى إلى انتقال قيد التمويل من الخارج إلى الداخل، مع تكلفة اقتصادية أعلى ومخاطر متزايدة على الاستقرار النقدي والنمو. وأفضى التوسّع غير المسبوق في الاقتراض الداخلي، ولا سيما القصير الأمد والاقتراض المباشر من البنك المركزي، إلى إضعاف استقلالية السياسة النقدية، ومزاحمة الاستثمار الخاص، وتحويل الموازنة العامة من أداة لدعم النمو إلى أداة لإدارة العجز على المدى القصير. وتبيّن الدراسة أن خطاب القطيعة مع صندوق النقد الدولي لم يُترجم إلى سيادة مالية فعلية؛ إذ استمرّ تنزيل إصلاحات تتقاطع، في جوهرها، مع منطق التعديل المالي التقليدي، ولكن من دون الاستفادة من التمويل الأقل تكلفة الذي تتيحه المؤسسات المالية الدولية، ما دفع الدولة إلى اللجوء إلى مصادر تمويل خارجية بديلة أعلى تكلفة وأقصر أمدًا، وزاد من هشاشة هيكلة الدين العمومي. وفي هذا السياق، يكشف تحليل التمويل الخارجي حدود الرهان على "البدائل العربية والأفريقية"، التي لم تتمكّن من تعويض انسحاب الشركاء الماليين التقليديين، وأسهمت في إعادة إنتاج التبعية التمويلية بأشكال جديدة. وتولي الدراسة تحليلَ هيكلة الدين الخارجي بحسب العملات أهميةً خاصة، مبرزةً أن هيمنة اليورو والدولار الأميركي تجعل المالية العمومية التونسية شديدة الحساسية لتقلبات أسعار الصرف، على نحو يحوّل جزءًا مهمًا من السياسة الميزانية إلى إدارة مخاطر خارجية لا تخضع للقرار الوطني. وتُظهر المعطيات أن أيّ تدهور في سعر صرف الدينار يترجم مباشرة إلى ارتفاع في خدمة الدين وحجم المديونية، وهو ما يقوّض فعليًا هامش السيادة المالية، مهما ارتفع منسوب الخطاب السيادي. وتخلص الدراسة إلى أن السيادة المالية لا يمكن اختزالها في شعارات سياسية أو في مجرّد رفض انتقائي للتمويل الخارجي، بل هي نتاج مسار تنموي شامل يقوم على اقتصاد منتِج قادر على خلق الثروة، وتوسيع القاعدة الجبائية، وتحويل الموازنة العامة إلى أداة لدعم النمو والاستثمار المنتج. وفي غياب نمو اقتصادي مستدام، تظلّ السيادة المالية محدودة، وتتحوّل المديونية من أداة تمويل ظرفية إلى آلية دائمة لإدارة العجز، وهو ما يكرّس هشاشة المالية العمومية ويقوّض استقلالية القرار المالي في المديَين المتوسط والبعيد.