مقدمة: مفارقة النمو والتنمية في التجربة التونسية
شهد الاقتصاد التونسي منذ الاستقلال، في سنة 1956، مسارًا معقّدًا اتسم بتعاقب سياسات اقتصادية كبرى لم تتمكن في مجملها من تحقيق التوازن الضروري بين النمو الاقتصادي والتنمية المستدامة والشاملة. وعلى امتداد أكثر من ستة عقود، راوح الأداء الاقتصادي بين فترات انتعاش نسبي وأخرى من التباطؤ والأزمات، من دون أن يفضي ذلك إلى تحسّن مستدام في المؤشرات الاجتماعية أو تراجع ملحوظ في الفوارق الجهوية. ومن هذا المنظور، تمثّل التجربة التونسية مثالًا واضحًا على ما يمكن تسميته "النمو من دون تنمية"؛ أي تحقيق نسب نمو معتبرة في الناتج المحلي الإجمالي من دون أن تنعكس، على نحوٍ جليٍّ، على تحسين مستوى معيشة المواطنين أو تعزيز العدالة الاجتماعية.
ويظهر هذا الخلل بوضوح عند مقارنة موقع تونس في مؤشرات الأداء الاقتصادي مع ترتيبها في مؤشرات التنمية البشرية. فعلى الرغم من أن الاقتصاد التونسي، خاصة منذ نهاية الثمانينيات، تمكّن من تحقيق متوسط نمو سنوي يقارب 4.5% خلال الفترة 1987–2010، وتجاوز ذلك كثيرًا في بعض السنوات، فإن هذا الأداء الاقتصادي لم يترجم على نحو مماثل في مؤشرات التنمية البشرية، ذلك أن ترتيب تونس التنموي ظل أقلَّ من موقعها الاقتصادي، مع أنها أُدرجت ضمن فئة البلدان ذات الدخل المتوسط. ويُبرز هذا التباين أن النمو الاقتصادي وحده لا يكفي لتحقيق التنمية، ما لم يقترن بسياسات عمومية فعالة قادرة على تحويل الثروة المنتجة إلى مكاسب اجتماعية ملحوظة، وتعزيز الاستثمار في رأس المال البشري، وتوسيع فرص الاندماج الاقتصادي والاجتماعي.
مرت تونس، عبر تاريخها الاقتصادي المعاصر، بأربع مراحل رئيسة تباينت فيها الأولويات بين بناء الدولة، وتحقيق النمو، والانفتاح الاقتصادي، ثم الانتقال الديمقراطي، من دون أن يتمكن الاقتصاد من بناء مسار تنموي متكامل يجمع بين الأداء الاقتصادي والعدالة الاجتماعية. اتسمت المرحلة الأولى، من الاستقلال إلى منتصف الثمانينيات، بمحاولة بناء الدولة الحديثة من خلال تدخّل قوي للقطاع العام في الاقتصاد، بدءًا بتجربة التعاضديات في الستينيات، ثم الانتقال إلى منوال اقتصادي أكثر انفتاحًا خلال السبعينيات يعتمد على تشجيع الصادرات واستغلال المزايا التفاضلية للعمالة ذات التكلفة المنخفضة. وعلى الرغم من تحقيق نسب نمو معتبرة في بعض الفترات، فإن هذا النمو ظل هشًّا، وحساسًا تجاه الصدمات الخارجية، وعاجزًا عن تحويل الزيادة في الناتج إلى فرص شغل كافية أو تقليل الفوارق الجهوية والاجتماعية، ما أدى في نهاية المطاف إلى أزمة اقتصادية ومالية حادة في منتصف الثمانينيات.
ومع تطبيق برنامج الإصلاح الهيكلي بالتوافق مع صندوق النقد الدولي في النصف الثاني من الثمانينيات، دخل الاقتصاد التونسي مرحلة جديدة اتسمت بتحسّن نسبي في مؤشرات النمو واستعادة التوازنات المالية الكبرى. إلا أن هذا التحسن تحقّق عبر مقاربة ركّزت على الاستقرار المالي والانفتاح الخارجي، على حساب بُعد التنمية الاجتماعي. وخلال التسعينيات وبداية الألفية الثالثة، حافظ الاقتصاد على نسق نمو مستقر نسبيًا، غير أن ذلك لم يصحبه تحسّن مماثل في مؤشرات التشغيل أو العدالة الاجتماعية؛ إذ ارتفعت معدلات البطالة لدى الحاصلين على شهادات عليا، وتعززت الفوارق الجهوية والاجتماعية. وقد كشف هذا المسار عن نموذج "نمو غير إدماجي" قائم على قطاعات منخفضة القيمة المضافة ومحدودة القدرة على إحداث تحولات هيكلية عميقة، وهو ما شكّل خلفية موضوعية لاندلاع الثورة التونسية في كانون الأول/ ديسمبر 2010 – كانون الثاني/ يناير 2011؛ إذ عكست شعارات الشغل والكرامة والحرية فيها اختلالًا عميقًا بين المؤشرات الاقتصادية الكلية وواقع المواطنين المعيش.
أما مرحلة ما بعد الثورة، فقد أبرزت مفارقة جديدة تمثّلت في انقلاب ترتيب الأولويات؛ إذ بعد عقود طويلة كان فيها الانتقال الاقتصادي متقدمًا، وإن على نحو غير مكتمل، على الانتقال السياسي، جاءت مرحلة ما بعد سنة 2011 لتعطي الانتقالَ الديمقراطي الأولويةَ على حساب الإصلاح الاقتصادي. ولم تحظَ المسألة الاقتصادية بالاهتمام الاستراتيجي الكافي، ولم تُبذل الجهود اللازمة لإعادة بناء المنوال التنموي أو معالجة اختلالاته الهيكلية. ونتيجةً لذلك، اتسعت الفجوة بين مسار سياسي متقلّب ومسار اقتصادي واجتماعي متدهور؛ ما أضعف ثقة التونسيين بقدرة الديمقراطية على تحسين ظروف معيشتهم، وأسهم في تآكل رصيدها الاجتماعي، وصولًا إلى الانفجار السياسي والاجتماعي في 25 تموز/ يوليو 2021.
تنطلق هذه الدراسة من فرضية مفادها أن الأزمة الاقتصادية المركّبة الحالية في تونس ليست وليدة المرحلة الراهنة فحسب، بل هي أيضًا نتيجة تراكم طويل من الخيارات الاقتصادية المتقلّبة والفشل المتكرر في تحقيق التوازن بين المسارين السياسي والاقتصادي. وتهدف الدراسة إلى تحليل تطور الاقتصاد التونسي خلال الفترة 1961–2021، بدءًا من أزمة الثمانينيات، ومرورًا بمرحلة ما قبل الثورة، وصولًا إلى عشرية ما بعد الثورة، مع التركيز على تشخيص مكامن القوة والخلل الهيكلي، وفهم الأسباب العميقة لتعثّر الانتقال الديمقراطي في ظل إخفاق اقتصادي واجتماعي مستمر. ويتوزع هذا التحليل على ستة محاور رئيسة: 1. من منوال التعاضد في الستينيات إلى الانفتاح الاقتصادي في السبعينيات، 2. أزمة الثمانينيات ومنعرج الإصلاح الهيكلي، 3. النمو الإقصائي قبل الثورة، 4. تكلفة الانتقال السياسي في سنة 2011، 5. أداء الاقتصاد خلال عشرية ما بعد الثورة، 6. السياسات الاقتصادية بعد الثورة وحدود فاعليتها التنموية.
أولًا: من منوال التعاضد في الستينيات إلى منوال منفتح في السبعينيات
اعتمدت تونس في بداية الاستقلال على منوال اقتصادي قائم على إعطاء الدور الأهم للدولة في الاقتصاد. وقد مثل المخطط العشري (1962-1971)[1]، الرؤية الاقتصادية والاجتماعية لتونس على المدى المتوسط والبعيد، والتي تضمّنت أربعة أهداف رئيسة، هي: تخليص الاقتصاد التونسي من بقايا الاستعمار، والنهوض بالإنسان ورفع مستواه، وإصلاح الأوضاع الاقتصادية، والتطور الذاتي. وقد اعتمدت حكومة أحمد بن صالح، وهي أول حكومة في بداية الستينيات، على فكرة التعاضديات أو الجمعيات التعاونية باعتبارها تجربة أولى في إصلاح القطاع الفلاحي الذي كان يستحوذ على ثلاثة أرباع اليد العاملة وعلى أكثر من ثلثَي الصادرات الجملية في ذلك الوقت، وهو ما هيَّأ هذا القطاع للقيام بالدور المحوري في الاقتصاد. إلا أن الطريقة التي اعتمدتها الحكومة آنذاك في فرض الأمر الواقع وتعميم تجربة التعاضد على كل الفلاحين، ارتطمت بنفور عديد الفلاحين الذين لم ينخرطوا في هذه التجربة إلا بأقل من نصف ما يمتلكون من أراضٍ تخوّفًا من فشل هذه التجربة. وبالفعل، وجدت التعاضديات منذ السنوات الأولى لإحداثها، نظرًا إلى تواتر ثلاث سنوات متتالية من الجفاف، صعوبات مالية كبيرة؛ فهي مطالبة بتسديد تكلفة مشطّة للتجهيزات الفلاحية المستوردة مقابل محاصيل زراعية هزيلة. وقد كانت خيبة أمل الفلاحين الصغار، الذين فرّطوا في أراضيهم من دون الحصول على مورد قارّ يؤمّن لهم ضرورات العيش الكريم، كبيرة. وعلاوة على ذلك، ضاعف سوء إدارة مسؤولين، عيّنتهم الدولة مكافأةً لهم لنضالهم ضد المستعمر، لهذه التعاضديات من حجم مديونيتها وأفشل التجربة عمومًا، وأدخل البلاد في "دوامة" الديون الخارجية، وهو ما عجّل إيقاف الباهي الأدغم، الوزير الأول الذي خلف بن صالح، هذه التجربة، في أيلول/ سبتمبر 1969، فأصدر قرارًا بمواصلة التجربة في الأراضي الدولية فقط، وترك حرية الاختيار بالنسبة إلى الخواص، فكانت النتيجة أن تخلّى جلّ الفلاحين عن تجربة التعاضد.
وعلى الرغم من نسبة النمو الاقتصادي المهمّة التي تحققت في تلك الفترة، فإن اختلال التوازنات المالية، من جرّاء تفاقم العجز التجاري وتزايد الديون الخارجية من دون مصادر كافية لتمويلها، أدّى إلى إفشال المنوال الاقتصادي القائم. وقد كان للدولة دور بارز في إفشال هذا المنوال عندما أقدمت على تجميد الأجور، في محاولة منها للحد من نفقاتها، في وقت شهدت فيه الأسعار أعلى مستوياتها؛ وهو ما أدى إلى انهيار المقدرة الشرائية بالنسبة إلى المواطن التونسي؛ ومن ثم تراجع الطلب الداخلي، الذي يعدّ المحرك الأساسي للمنوال التنموي القائم على تعويض الواردات.
الشكل (1)
النمو الاقتصادي ونسبة الدين الخارجي من الناتج المحلي الإجمالي خلال الفترة 1962-1970

المصدر: البنك الدولي، "نمو إجمالي الناتج المحلي (% سنويًا) – Tunisia"، شوهد في 4/5/2025، في:
https://acr.ps/hBxMvQ4؛
“Principaux paramètres de la dette extérieure de la Tunisie (1961-2021),” Forum Ibn Khaldoun Pour Le Developpement, 5/9/2022, Banque centrale de Tunisie, accessed on 4/5/2026, at:
https://acr.ps/hBxMw3F
ونظرًا إلى تفاقم الاختلالات في التوازنات الخارجية من سنة إلى أخرى، كان من الضروري تعبئة الموارد الخارجية من العملة الأجنبية لسدّ العجز في الميزان التجاري وتسديد قسط كبير من الديون الخارجية التي أبرمتها الدولة، فجرى التوجه الاقتصادي خلال فترة السبعينيات نحو المنوال المعتمد على الطلب الخارجي، اعتمادًا على المزايا التفاضلية لليد العاملة الرخيصة المتوافرة آنذاك لجلب الاستثمار الأجنبي المباشر في القطاعات التصديرية. وقد حققت حكومة الهادي نويرة، في تلك الفترة، نتائج اقتصادية جيدة جدًا، تحسَّن فيها النمو الاقتصادي بنسب لم تكن متوقّعة، وأسهمت في إحداث العديد من مواطن الرزق وتحسين مستوى عيش التونسيين وتوسّع الطبقة الوسطى. إلا أن الانتعاش الاقتصادي الذي شهده الاقتصاد التونسي في تلك الفترة لم يكن وليد السياسات والخيارات الاقتصادية للمنوال التنموي الجديد فحسب، بل كان للظروف المناخية والعالمية دور كبير في ذلك. فبعد سنوات الجفاف فترة الستينيات، كانت الظروف المناخية للخمس السنوات الأولى مواتية جدًّا لتحقيق محاصيل زراعية جيدة أسهمت في تراجع العجز التجاري، علاوة على الارتفاع الكبير الذي شهدته أسعار النفط عالميًّا؛ فقد تضاعفت أربع مرات في سنة 1973 ومكّنت تونس من طفرة مالية لم يشهد اقتصادها لها مثيلًا؛ إذ إنها كانت، في ذلك الوقت، مصدّرة للنفط. لكن هذا الارتفاع لم يدم طويلًا؛ حيث عادت الأسعار سريعًا إلى مستواها العادي وأسقطت كل الحسابات والآمال التي قدّرتها الحكومة في الماء، وهو ما انعكس سلبيًا، مرة أخرى، على التوازنات المالية الكبرى؛ إذ ارتفع عجز موازنة الدولة ارتفاعًا ملحوظًا.
وعلى الرغم من تحقيق نسب نمو معتبرة؛ إذ بلغ متوسط نمو الناتج المحلي الإجمالي خلال فترة السبعينيات نحو 7.5% سنويًا، وهي نسبة أعلى من متوسط العديد من الاقتصادات الإقليمية آنذاك، فإن هذا النمو بقي غير قادر على الحدّ من البطالة الهيكلية أو تغيير بنية الاقتصاد بعيدًا عن القطاعات ذات القيمة المضافة المنخفضة. وكان من بين مظاهر الاختلال أن العمالة غير الرسمية والأنشطة غير المنتظمة قد استوعبت ما يناهز 30–35% من النشاط الاقتصادي، وهو ما أشار إليه تقرير البنك الدولي بعنوان "الثورة غير المكتملة"، واعتبر ذلك دلالةً على بروز اقتصاد ريعي غير منتج[2].
الشكل (2)
النمو الاقتصادي ونسبة الدين الخارجي من الناتج المحلي الإجمالي خلال الفترة 1971-1979
المصدر: المرجع نفسه.
لقد كان النمو الاقتصادي، في النصف الأول من السبعينيات، مدفوعًا بارتفاع عائدات الفوسفات والطاقة، نظرًا إلى الارتفاع المتسارع لأسعارها العالمية خلال صدمة السبعينيات. ومع تراجع أسعار النفط العالمية إلى مستوياتها الطبيعية في أواخر السبعينيات، برزت اختلالات عديدة، على نحو أساسي، في سوق الشغل الذي أصبح عاجزًا عن استيعاب الزيادة السريعة في السكان النشطين؛ إذ أشارت تقارير البنك الدولي إلى أن معدّل البطالة في أواخر السبعينيات كان في حدود 12-14%[3]، مع بطالة أعلى بالنسبة إلى الشباب والمتعلمين. وشهدت المالية العمومية توسّعًا ملحوظًا أيضًا في الإنفاق، وهو ما أدى إلى تفاقم عجز الميزانية وارتفاع المديونية الخارجية، التي انتقلت من مستويات محدودة نسبيًا في بداية السبعينيات إلى مسار تصاعدي خلال نهاية العقد، نتيجة اللجوء المكثف إلى التمويل الخارجي. وظلّ الاقتصاد عرضةً لتقلبات الأسعار العالمية، خاصة فيما يتعلق بالطاقة والمواد الأولية، وهو ما انعكس على ميزان المدفوعات الذي تعرّض لضغوط متزايدة كشفت حدود النموذج الاقتصادي القائم آنذاك، وأرست ملامح الاختلالات التي ستتفاقم لاحقًا في الثمانينيات.
وقد كشفت أحداث 26 كانون الثاني/ يناير 1978، وما ارتبط بها من صدام اجتماعي حادّ مع الاتحاد العام التونسي للشغل، حدود المقاربة الاقتصادية التي اعتمدت على النمو من دون إرساء عقد اجتماعي متوازن، أو انفتاح سياسي موازٍ. وتزامنت هذه التوترات مع بوادر تباطؤ اقتصادي وضغوط مالية متزايدة، إلى جانب العامل الصحي الحاسم في إثر إصابة نويرة بجلطة دماغية في سنة 1980. وقد عجّل كل ذلك بإنهاء مهماته وتعويضه بمحمد مزالي، في محاولة لإعادة التوازن السياسي واحتواء الاحتقان الاجتماعي. وبذلك، يمكن اعتبار نهاية تجربة السبعينيات تعبيرًا عن حدود نموذج نمو قائم على الانفتاح الاقتصادي من دون إصلاح مؤسساتي شامل يضمن الاستدامة الاقتصادية والتوازن الاجتماعي.
ثانيًا: أزمة الثمانينيات ومنعرج الإصلاح الهيكلي
تميّزت فترة حكومة مزالي بتفاقم الاختلالات الماكرو-اقتصادية التي كانت قد بدأت ملامحها في الظهور منذ أواخر السبعينيات، ثمّ تحولت خلال النصف الأول من الثمانينيات إلى أزمة هيكلية مكتملة الأركان. فقد شهد الاقتصاد التونسي تباطؤًا ملحوظًا في نسق النمو مقارنة بالمعدل المرتفع الذي تحقق خلال السبعينيات؛ إذ انخفض متوسط النمو، خلال الفترة 1981-1986، إلى حدود 3.8%، مع تسجيل سنوات اتسمت بالانكماش أو شبه الركود، خاصة سنتَي 1982 و1984 نتيجة تدهور الظرف الاقتصادي الدولي وتوالي فترات الجفاف التي أثّرت سلبيًا في الإنتاج الفلاحي والطلب الداخلي. وقد عكس هذا التباطؤ بداية تآكل دينامية النمو التي ميّزت الاقتصاد التونسي خلال العقد السابق، في ظل محدودية التحول الهيكلي للاقتصاد وضعف قدرته على تنويع قاعدته الإنتاجية.
وعلى مستوى التوازنات المالية، تعمّقت الاختلالات تدريجيًا نتيجة توسّع النفقات العمومية بوتيرة أسرع من نمو الموارد. فقد ارتفع عجز ميزانية الدولة إلى نحو 5% من الناتج المحلي الإجمالي في منتصف الثمانينيات، بسبب تضخم كتلة الأجور في الوظيفة العمومية وتزايد نفقات الدعم الموجهة إلى المواد الأساسية. وفي المقابل، تفاقم عجز الحساب الجاري ليتجاوز 8% من الناتج المحلي الإجمالي، وهو ما يعكس اتساع الفجوة بين الادخار الوطني والاستثمار واعتماد الاقتصاد بدرجة متزايدة على التمويل الخارجي لتغطية هذا العجز.
وشهدت المديونية الخارجية أيضًا اتساعًا واضحًا خلال هذه الفترة؛ فقد ارتفعت من نحو 38% من الناتج المحلي الإجمالي في سنة 1981 إلى أكثر من 57% في سنة 1986 بحسب بيانات البنك الدولي، في حين تضاعفت خدمة الدين الخارجي بأكثر من مرتين ونصف المرة. وقد أدى ذلك إلى تضييق هامش المناورة بالنسبة إلى سياسات الدولة الاقتصادية؛ إذ أصبح جزء متزايد من الموارد العمومية مخصصًا لتمويل نفقات استهلاكية أو لخدمة الدين بدلًا من توجيهه نحو الاستثمار العمومي المنتج. وتعكس هذه الدينامية ما يعرف في أدبيات الاقتصاد الكلي بنموذج النمو المدفوع بالاقتراض الخارجي، بحيث يجري تمويل التوسع الاقتصادي عبر الموارد الخارجية في غياب قاعدة إنتاجية قادرة على توليد موارد كافية من العملة الصعبة.
وفي السياق ذاته، شهدت الأسعار الداخلية ضغوطًا تضخمية متزايدة نتيجة اختلالات العرض وتراجع قيمة العملة الوطنية تدريجيًا؛ إذ بلغ معدل التضخم نحو 9% في سنة 1984. ويدلّ هذا التطور على تفاعل عدة عوامل، من بينها ارتفاع تكلفة الواردات، وتوسّع الطلب الداخلي، إضافة إلى محدودية مرونة العرض المحلي.
وقد بلغت هذه الاختلالات ذروتها مع محاولة الحكومة التقليل من دعم المواد الأساسية مطلع سنة 1984، تنفيذًا لتوصيات مؤسسات التمويل الدولية، وهو ما أدى إلى اندلاع انتفاضة الخبز في كانون الثاني/ يناير 1984. وقد كشفت هذه الأحداث عن هشاشة التوازن الاجتماعي وحدود سياسات التعديل الاقتصادي التدريجي عندما لا تكون مصحوبة بتوافق اجتماعي واسع وآليات فعالة لحماية الفئات الهشة. ومن هذا المنظور، يمكن اعتبار فترة مزالي مرحلة انتقالية تحوّلت خلالها الأزمة من صعوبات ظرفية فحسب إلى أزمة مديونية حادة انتهت عمليًا بلجوء تونس، في سنة 1986، إلى برنامج الإصلاح الهيكلي الذي أشرف عليه صندوق النقد الدولي والبنك الدولي، بما يعكس حدود نموذج اقتصادي قائم على التوسع في الإنفاق العمومي والاعتماد المتزايد على الاقتراض الخارجي في سياق نمو ضعيف وإنتاجية محدودة.
الشكل (3)
احتياطي العملة الصعبة ونسبة الدين الخارجي خلال الفترة 1980-1986
المصدر: احتياطي العملة الصعبة: بيانات مجموعة البنك الدولي، في:
World Bank Group, “Total Reserves in Months of Imports – Tunisia,” accessed on 5/5/2026, at:
https://acr.ps/hBy2sQ5; “Principaux paramètres de la dette extérieure de la Tunisie (1961-2021).”
ويشير تقرير البنك الدولي[4] إلى أن الاقتصاد التونسي خلال النصف الأول من الثمانينيات اقترب تدريجيًا من أزمة حادة في ميزان المدفوعات، نتيجة تراكم اختلالات ماكرو-اقتصادية هيكلية تزامنت مع تراجع الموارد الخارجية وتوسّع سريع في الطلب الداخلي المموَّل أساسًا بالاقتراض الخارجي، وهو ما أدى إلى استنزاف متواصل لاحتياطي العملة الصعبة. فمن جهة، ارتفع عجز الحساب الجاري على نحو متواصل من نحو 4.5% من الناتج المحلي الإجمالي في سنة 1980 إلى ما يقارب 9% في سنة 1986، وهو مستوى مرتفع يعكس ضعف قدرة الاقتصاد التصديرية وارتفاع فاتورة الواردات، خاصة الواردات الطاقية والغذائية. ومن جهة أخرى، أدى تمويل هذا العجز عبر الاقتراض إلى تسارع وتيرة تراكم المديونية الخارجية؛ إذ ارتفع حجم الدين الخارجي من 34.8% من الدخل الوطني المتاح في سنة 1980 إلى 58.4% في سنة 1986، في حين ارتفعت خدمة الدين لتستنزف جزءًا متزايدًا من عائدات التصدير. وفي المقابل، شهدت الموجودات من العملة الصعبة تدهورًا واضحًا يدلّ على هشاشة وضع الاقتصاد الخارجي؛ إذ انخفضت قدرة الاحتياطي على تغطية الواردات من نحو 61 يوم توريد في سنة 1980 إلى نحو 36 يومًا فقط في سنة 1986.
وقد تزامن هذا التدهور مع مجموعة من الصدمات الخارجية السلبية التي زادت من حدة الأزمة، من أبرزها انهيار أسعار النفط في سنة 1986، وهو ما أدى إلى عائدات الطاقة، إضافة إلى ارتفاع أسعار الفائدة الدولية في بداية الثمانينيات، الأمر الذي أدى إلى زيادة تكلفة خدمة الدين الخارجي. ونتيجةً لتفاعل هذه العوامل، وجد الاقتصاد التونسي نفسه مع منتصف الثمانينيات في وضعية هشّة اتسمت بثلاث سمات مترابطة، هي: عجز خارجي مرتفع، ومديونية خارجية متصاعدة، واحتياطي ضعيف من العملة الصعبة.
وقد أدى هذا التفاعل بين الاختلالات الداخلية والصدمات الخارجية إلى اقتراب البلاد فعليًا من أزمة ميزان مدفوعات حادة كانت تهدد قدرة الاقتصاد على تمويل وارداته الأساسية والإيفاء بالتزاماته المالية الخارجية. وفي هذا السياق، اضطرت السلطات التونسية، في سنة 1986، إلى اللجوء إلى برنامج إصلاح اقتصادي بالتعاون مع صندوق النقد الدولي والبنك الدولي بهدف استعادة التوازنات الماكرو-اقتصادية وإعادة هيكلة الاقتصاد. ومكّنت هذه الإصلاحات الاقتصاد التونسي من استعادة قدر من التوازنات المالية والاقتصادية، والعودة تدريجيًا إلى نسق نمو إيجابي خلال السنوات اللاحقة.
ولا يمكن فهم أزمة منتصف الثمانينيات بمعزل عن المسار الطويل بالنسبة إلى الاقتصاد التونسي؛ إذ تمثّل هذه الأزمة أول اختبار حقيقي لقدرة المنوال التنموي، الذي اعتمدته الدولة منذ السبعينيات، على المحافظة على التوازنات الماكرو-اقتصادية في ظل انفتاح تدريجي على الاقتصاد العالمي. وبذلك، يمكن اعتبار أزمة منتصف الثمانينيات منعرجًا تاريخيًا في مسار الاقتصاد التونسي المعاصر؛ فهي لم تمثّل اختلالًا ظرفيًا في التوازنات الماكرو-اقتصادية فحسب، بل كشفت أيضًا حدود نموذج تنموي بلغ درجة من التشبّع لم يعُد معها قادرًا على المحافظة على دينامية النمو في ظل تحولات البيئة الاقتصادية الدولية. فقد أظهرت هذه الأزمة أن الاعتماد المفرط على التوسّع في الإنفاق العمومي والاقتراض الخارجي في غياب تحوّل هيكلي عميق للقاعدة الإنتاجية يجعل الاقتصاد عرضة لأزمات مديونية واختلالات في ميزان المدفوعات دوريًا، وهو ما سيظل يطبع مسار الاقتصاد التونسي خلال العقود اللاحقة[5].
ثالثًا: النمو غير الإدماجي قبل الثورة: استقرار اقتصادي مقابل توسّع الفوارق الجهوية واقتصاد الريع
تُعتبر سنة 1988 بداية الخروج من الأزمة؛ إذ بدأت الإنتاجية، وخاصة إنتاجية رأس المال، في التحسن بنسق مرتفع يفوق 4% خلال فترة مخططَي التنمية السابع والثامن، وفي استعادة جزء من الحصص التي افتقدتها تونس من الأسواق الدولية، وهو ما مكن الاقتصاد التونسي من استعادة نسق نموه المعتاد الذي جعله يتبوأ المراتب الأولى بوصفه ثاني أقوى نمو في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا. وقد أسهم هذا النمو المتسارع في تخفيض نسبة الفقر من 32% في سنة 2000 إلى 16% في سنة 2010، وفي استعادة التوازنات الداخلية والخارجية؛ بحيث لم يتجاوز عجز موازنة الدولة 1% من الناتج المحلي الإجمالي في سنة 2010.
غير أن الاقتصاد التونسي، منذ أواخر التسعينيات، واجه مصاعب جمّة، زادتها الأزمة المالية العالمية في سنة 2008 سوءًا؛ إذ انخفض النمو الاقتصادي إلى 3.7% في سنة 2010، بعد أن بلغ 6.3% في سنة 2007، وبمعدل 4.5% منذ أواخر الثمانينيات. وقد أظهر المنوال الاقتصادي، المعتمد منذ السبعينيات على المزايا التفاضلية بالنسبة إلى اليد العاملة الرخيصة، محدوديته بسبب عدم كفاية معدّل خلق فرص العمل؛ فقد تركّزت غالبيتها في أنشطة ذات قيمة مضافة منخفضة أو غير رسمية، وهي أنشطة تستوعب اليد العاملة ذات المستويات التعليمية الضعيفة، في حين تُعَدّ جُل الطلبات الإضافية للشغل من جانب الحاصلين على شهادات عليا.
ولم تكن هذه الرغبة في الارتقاء في سلاسل القيمة، التي تجسّمها الأعداد الهائلة من خريجي الجامعات، مصحوبة برؤية جديدة لتغيير المنوال الاقتصادي نحو القطاعات ذات المحتوى المعرفي المرتفع، الوحيدة القادرة على استيعاب هذه النوعية الجديدة من البطالة. ولإخماد "القنبلة السكانية" من الشباب المتعلمين، ولو مؤقتًا، لجأت الدولة إلى القطاع العام لتوظيف عدد من هؤلاء، حتى تُحقق توازنًا في المالية العمومية كرّس التزامها بتوصيات المؤسسات المالية الدولية، وانضافت البقية الباقية من الشباب المتعلمين إلى جموع العاطلين عن العمل. وقد أسهمت الدولة في تفشّي ظاهرة الفساد المالي والإداري والمحسوبية، وهو ما حدّ من تكافؤ الفرص وأتاح مجالًا واسعًا لأصحاب النفوذ من المقرّبين من السلطة الحاكمة للتحايل على القوانين وتطويعها لخدمة مصالحهم الضيقة، وهو ما أفسد مناخ الأعمال وعرقل الاستثمار وأسهم في تراجع مرتبة البلاد في كل التصنيفات الدولية. وقد أسهم في ذلك ثقل الإجراءات والنظم البيروقراطية، التي خنقت المبادرة الخاصة وقللت من قدرة الشركات التونسية على المنافسة، وخاصة منها الصغيرة والمتوسطة، على الاندماج في القطاع الرسمي. وعلاوة على ذلك، استثمر أصحاب النفوذ القريبون من السلطة في الأنشطة غير الرسمية، بتواطؤ مع الإدارة الجبائية، وهو أمرٌ أسهم في تفاقم الاقتصاد الموازي، وجعله في منأى عن دفع الضرائب المستوجبة، ويمثّل ضربًا للمنافسة في السوق على نحو أضرّ بالاستثمار والنمو الاقتصادي.
وقد أدت البنوك التونسية دورًا مهمًا في تعميق التشوهات في الاقتصاد التونسي، وكانت سندًا قويًا للشركات المقربة من السلطة؛ إذ قدّمت لها قروضًا من دون ضمانات قُدّرت بثلث القروض التي قدّمتها إلى الاقتصاد التونسي عمومًا، وهو ما مثّل قصورًا مهمًا في حوكمة المؤسسات البنكية، نظرًا إلى حجم القروض المتعثّرة لديها مقابل صعوبات جمة تعانيها الشركات التونسية للحصول على التمويل اللازم لها، الأمر الذي تسبّب في خسائر كبيرة لدى البنوك العمومية قُدّرت بنحو 5% من الناتج المحلي الإجمالي[6].
ولم يضطلع القطاع غير المقيم بدور مكمّل للقطاع الخاص في عملية التنمية، بل ظلّ قطاعًا منفصلًا يقوم على توريد السلع الوسيطة من الخارج لإعادة تركيبها وتصديرها بقيمة مضافة ضعيفة لا تتطلب يدًا عاملة ماهرة، بقدر ما تعتمد على اليد العاملة الرخيصة. وقد تميز هذا القطاع بنسبة اندماج ضعيفة، لعدم استخدامه المنتجات المحلية مدخلاتٍ وسيطةً، فهو يجمّع المنتجات المورَّدة من أربع دول أوروبية، وهي فرنسا وألمانيا وإيطاليا وإسبانيا، ثم يصدّرها إليهم مستفيدًا من النظام الجبائي الخاص بالشركات غير المقيمة الموروث من السبعينيات وتوافر اليد العاملة الرخيصة والطاقة المدعومة.
وقد زادت السياسات الاقتصادية المعتمدة آنذاك في تعميق الفجوة بين الجهات الداخلية والجهات الساحلية؛ فالسياسة السياحية المعتمدة على الشاطئ والبحر قسّمت البلاد التونسية إلى جزأين؛ فالجزء الأول من غرب البلاد، الذي لا يوجد فيه الشاطئ والبحر، لا تنفق فيه الدولة إلا القليل، بل تُستغل الثروات الطبيعية المتوافرة فيه للاستثمار في البنية التحتية في الجزء الساحلي من البلاد، لجلب السياح الأجانب، وهو ما أسهم في تمركز جل المؤسسات الاقتصادية التونسية والأجنبية في هذه المناطق، وجلب موارد رزق لساكنيها. وقد خلقت هذه السياسة الاقتصادية فجوة عميقة بين مناطق داخلية فقيرة تفوق معدلات الفقر فيها أربعة أضعاف معدلات الفقر في المناطق الساحلية الأكثر ثراء.
وقد كانت الفلاحة "ضحية"؛ أولًا لسياسة تحديد الأسعار حتى تُبقي تونس مزاياها التفاضلية قائمة على اليد العاملة الرخيصة، وثانيًا لعزوف المؤسسات البنكية على إقراض الفلاحين، ما أفقدها القدرة على تأمين الاكتفاء الذاتي لتونس في أغلب المواد الأساسية. وكانت الصناعة، أيضًا، ضحية سياسة خوصصة مقصودة لعدد لا بأس به من المؤسسات الاقتصادية، فوّتت فيها الدولة لأطراف نافذة في السلطة بأسعار أقل من قيمتها الحقيقية؛ ما مكّنها من تحقيق مدخرات مالية معتبرة استعملتها الدولة لتقليص عجز ميزانيتها. ولم يكن قطاع الاقتصاد الاجتماعي والتضامني في منأى عن فساد الدولة؛ إذ عمدت السلطات آنذاك إلى تشويه المد التضامني عبر إنشاء صندوق "26-26" الذي كان أداةً لنهب أموال الأشخاص والشركات عوضًا عن توجيهها إلى مستحقيها، وهو ما حرم الاقتصاد الوطني من دور فعال كان سيؤديه هذا القطاع في تحقيق التنمية الشاملة.
الشكل (4)
أهم المؤشرات الاقتصادية خلال الفترة 1986-2010
المصدر: عجز ميزانية الدولة من الناتج وعدد أيام التوريد : وزارة الاقتصاد والتخطيط، الميزان الاقتصادي لسنوات 1986 الى 2025
التضخم المالي: بيانات مجموعة البنك الدولي:
https://acr.ps/hBxRYPF
النمو الاقتصادي: بيانات مجموعة البنك الدولي:
https://acr.ps/hBxRY6a
وقد بيّنت تجربة تونس ما قبل الثورة، التي كانت قائمة على الانغلاق السياسي مقابل الانفتاح الاقتصادي المشوه والمعتمد على الزبائنية، أن نسب النمو المعتبرة التي تحققت في تلك الفترة لم تصل إلى جيوب الفقراء والمهمشين، بل إلى زبائن النظام الحاكم، ومن ثم لم يتحول هذا النمو إلى تنمية؛ إذ إنه وصل حد الذروة ولم يعد قادرًا على تلبية طلبات الشغل الإضافية، وهو أمرٌ أدى إلى تفاقم البطالة بالنسبة إلى الشباب المتعلمين وخاصة منهم الإناث، وتعميق الفوارق بين الجهات، فقد أصبحت جهة الوسط الغربي والشمال الغربي من البلاد التونسية المنطقة الأكثر فقرًا وهي تتضمّن قرابة نصف فقراء تونس، على الرغم من أن أغلب ما تحتاج إليه هذه البلاد من الغذاء والعملة الصعبة الضرورية لتأمين الإنتاج في مختلف الصناعات توفّره هذه المناطق الفقيرة بفضل ما تمتلكه من موارد طبيعية مهمة من أراضٍ خصبة وموارد منجمية مهمة كالفوسفات مثلًا.
ومع الرفض الشعبي للطبيعة السلطوية بالنسبة إلى النظام الاستبدادي القائم على الفساد، انطلقت الثورة التونسية بشعارات مزجت بين السياسي منها الحرية والديمقراطية، والاقتصادي كالكرامة والتنمية. وكانت مطالب الشعب التونسي، آنذاك، متمثلة في التخلص من الاستبداد والتوق إلى الحرية والديمقراطية، وفي الآن نفسه خلق موارد الرزق للشباب العاطلين عن العمل من دون أي تمييز بين الأفراد أو الجهات.
رابعًا: سنة 2011: منعرج الانتقال السياسي غير المؤطَّر اقتصاديًا
لم يكن الاقتصاد التونسي، في نهاية سنة 2010، اقتصادًا منهارًا أو معطّلًا بالكامل كما أُشيع لاحقًا في الخطاب السياسي الذي ساد بعد الثورة، بل كانت المؤشرات الاقتصادية والمالية الأساسية تشير إلى وضعية مستقرة نسبيًا، وإن كانت تُخفي في عمقها اختلالات هيكلية متراكمة. فقد بلغ معدل النمو الاقتصادي في سنة 2010 نحو 3%، في حين استقرت نسبة البطالة في حدود 13%، وهي نسبة مرتفعة نسبيًا تعكس محدودية قدرة المنوال التنموي القائم آنذاك على خلق فرص شغل كافية، لكنها لم تكن قد بلغت بعد مستويات الأزمة التي عرفتها البلاد لاحقًا، في حين بلغت نسبة الاستثمار من الناتج المحلي الإجمالي قرابة 25%، وهو مستوى كان يسمح نظريًا بتوفير قاعدة صلبة لإعادة توجيه المنوال التنموي نحو قطاعات أكثر إنتاجية وقيمة مضافة، لو توافرت الإرادة السياسية والرؤية الاقتصادية الكفيلة بتحقيق ذلك. أما نسبة التضخم، فقد ظلت في حدود 3%، وهي نسبة معتدلة تعكس درجةً من الاستقرار النقدي، ولم تكن تمثّل آنذاك مصدرَ تهديدٍ مباشرًا للتوازنات الاجتماعية.
وقد كانت المالية العمومية في وضع مريح نسبيًا مقارنةً بما شهدته البلاد لاحقًا؛ إذ لم يتجاوز عجز ميزانية الدولة 1% من الناتج المحلي الإجمالي في سنة 2010، في حين استقرت نسبة الدين العمومي في حدود 40.7% من الناتج المحلي الإجمالي، وهو مستوى يُعدّ منخفضًا نسبيًا وفقًا للمعايير الدولية ويمنح الدولة هامش تحركٍ مهمًا على مستوى السياسات المالية. وكانت مدخرات البلاد من العملة الصعبة تغطي نحو 147 يوم توريد، وهو ما وفّر للاقتصاد التونسي قدرة مهمّة على التخفيف من حدّة الصدمات الخارجية، ومجالًا أوسع للاستجابة التدريجية للمطالب الاجتماعية من دون اللجوء المكثف إلى الدَّين الخارجي.
غير أن نجاح الثورة في إسقاط زين العابدين بن علي، في 14 كانون الثاني/ يناير 2011، وما ارتبط بذلك من اضطرابات سياسية واجتماعية وأمنية، أحدثَا قطيعة حادّة في المسار الاقتصادي للبلاد. فقد دخل الاقتصاد التونسي فيما يمكن تسميته "مرحلة صدمة الانتقال السياسي"، وهي ظاهرة معروفة في أدبيات الاقتصاد السياسي للتحولات الديمقراطية؛ إذ تؤدي حالة عدم اليقين المؤسسي وضعف القدرة على إدارة المرحلة الانتقالية إلى تعطّل آليات الإنتاج والاستثمار. وفي الحالة التونسية، تفاقمت هذه الصدمة بسبب غياب التأطير اقتصاديًّا على نحو واضح في المرحلة الانتقالية من جانب النخبة السياسية التي تولّت إدارة الحكم في تلك الفترة. فقد وجدت أولى الحكومات المؤقتة نفسها في مواجهة ضغط اجتماعي غير مسبوق، تمثّل أساسًا في مطالبة آلاف العاطلين عن العمل بالانتداب المباشر في الوظيفة العمومية، إلى جانب موجة واسعة من المطالب بالزيادات في الأجور وتحسين ظروف العمل في القطاعين العام والخاص، وهي مطالب مشروعة في سياق ثوري، لكنها فُرضت على الدولة في ظرف اقتصادي وسياسي شديد الهشاشة.
وقد أدى هذا السياق المضطرب إلى تراجع حاد في النشاط الاقتصادي خلال سنة 2011؛ إذ تشير أرقام المعهد الوطني للإحصاء إلى أن الناتج المحلي الإجمالي تراجع بنسبة -1.9%، وهو انكماش لم تعرفه تونس منذ عقود. وقد شمل هذا التراجع أساسًا قطاعات محورية في الاقتصاد الوطني؛ فقد شهد قطاع السياحة، الذي يمثّل أحد أهم مصادر العملة الصعبة والتشغيل، انهيارًا غير مسبوق بلغت نسبته -21.7% نتيجة التوترات الأمنية وتراجع ثقة الأسواق السياحية الدولية. وتضرّر قطاعَا الفوسفات والطاقة أيضًا على نحو ملحوظ؛ إذ سجّل نشاط المناجم والنفط تراجعًا بنحو -9.8% نتيجة الإضرابات الاجتماعية وتعطّل الإنتاج في الحوض المنجمي، وهو ما انعكس مباشرة على موارد الدولة ورصيد البنك المركزي من العملة الأجنبية.
وفي المقابل، حقّق القطاع الفلاحي نموًا مهمًّا بلغ نحو 10%؛ ما أسهم في التخفيف النسبي من حدة الانكماش الاقتصادي العام. غير أن هذا الأداء الإيجابي بقي ظرفيًا ومرتبطًا أساسًا بعوامل مناخية مواتية، ولم يكن كافيًا لتعويض التراجع الحادّ الذي شهدته بقية القطاعات الإنتاجية.
وتزامن هذا الانكماش الاقتصادي مع تراجع كبير في الاستثمار؛ فقد انخفضت الاستثمارات بنسبة -2.7% خلال سنة 2011 نتيجة حالة عدم اليقين السياسي والأمني، وتريُّث المستثمرين المحليين والأجانب في انتظار اتضاح ملامح المرحلة الانتقالية. ويُعدّ هذا التراجع أحد المؤشرات الكلاسيكية لما يُعرف في الاقتصاد بـ "أثر عدم اليقين السياسي في الاستثمار"؛ إذ يؤدي غياب الرؤية المؤسسية المستقرة إلى تأجيل القرارات الاستثمارية الكبرى. وقد انعكس هذا التراجع مباشرة على سوق الشغل؛ إذ ارتفعت نسبة البطالة من 13% في سنة 2010 إلى نحو 18% في سنة 2011، وخصوصًا بالنسبة إلى الشباب والحاصلين على شهادات العليا، وهو أمرٌ زاد من حدة الاحتقان الاجتماعي الذي كانت تعيشه البلاد.
وعلى المستوى الخارجي، أدى تراجع الإنتاج والصادرات إلى تفاقم العجز التجاري، الذي ارتفع من 5.2% من الناتج المحلي الإجمالي في سنة 2010 إلى نحو 7.5% في سنة 2011، نتيجة انخفاض الصادرات بنسبة -4.3% في مقابل استمرار الاعتماد المكثّف على الواردات لتلبية الاحتياجات الاستهلاكية والإنتاجية للبلاد. وقد تزامن ذلك مع تدهور الأوضاع الإقليمية؛ إذ أدت الحرب الأهلية في ليبيا إلى عودة آلاف العمال التونسيين إلى بلادهم، وتوقّف شبه كامل للمبادلات التجارية مع أحد أهم الشركاء الاقتصاديين لتونس في المنطقة، وهو ما أحدث ضغطًا إضافيًا على سوق الشغل وميزان المدفوعات.
أما على مستوى المالية العمومية، فقد أدى تفاعل الصدمة الاقتصادية مع الاستجابة السريعة للمطالب الاجتماعية إلى تدهور ملحوظ في توازنات الدولة من الناحية المالية؛ إذ تضاعف عجز ميزانية الدولة بأكثر من ثلاث مرات في سنة واحدة؛ من 1% من الناتج المحلي الإجمالي في سنة 2010 إلى نحو 3.3% في سنة 2011. ويعود ذلك أساسًا إلى القرارات التي اتخذتها حكومتا محمد الغنوشي وقايد السبسي من أجل الاستجابة للمطالب الاجتماعية العاجلة، التي استوجبت تعبئة موارد إضافية قاربت 4 مليارات دينار تونسي، تمثّلت خصوصًا في الانتدابات الجديدة في القطاع العمومي والزيادات في الأجور وبعض برامج الدعم الاجتماعي. وقد جرى تمويل الجزء الأكبر من هذه النفقات عبر اللجوء إلى الاقتراض، خاصة الخارجي منه، وهو ما أدى إلى ارتفاع نسبة الدين العمومي من 40.7% إلى 44.6% من الناتج المحلي الإجمالي في فترة زمنية قصيرة.
وبذلك تحولت سنة 2011 من فرصة تاريخية لإعادة التفكير في المنوال التنموي وتصحيح اختلالاته العميقة إلى تكلفة اقتصادية باهظة لانتقال سياسي لم يكن مؤطّرًا برؤية اقتصادية واضحة. فقد جرى التعامل مع المطالب الاجتماعية، في ظل مناخ ثوري متوتر، بمنطق الاستجابة الاستعجالية القصيرة المدى، من دون إدماجها ضمن استراتيجية اقتصادية متوسطة وطويلة الأمد قادرة على تحقيق التوازن بين العدالة الاجتماعية والاستدامة المالية. وأدى ذلك إلى كسر جزء مهم من التوازنات الماكرو-اقتصادية التي كانت تمثّل إحدى نقاط قوة الاقتصاد التونسي الأساسية قبل الثورة.
لقد قيّد هذا الانفلات النسبي في المالية العمومية خلال السنة الأولى من المرحلة الانتقالية، إلى حد بعيد، هامش تحرّك الحكومات اللاحقة التي وجدت نفسها مضطرة إلى إدارة اقتصاد يرزح تحت ضغط متزايد من العجز والدَّين. وقد أسهم هذا المسار التصاعدي في إضعاف قدرة الدولة على تنفيذ إصلاحات هيكلية عميقة، وهو ما انعكس سلبيًا على مسار الانتقال الاقتصادي، ومن ثم على قدرة الانتقال الديمقراطي نفسه على تحقيق نتائج اجتماعية ملحوظة.
بهذا المعنى، تمثّل سنة 2011 منعرجًا حاسمًا في المسار الاقتصادي لتونس؛ ليس بسبب الصدمة الثورية في حد ذاتها فحسب، بل أساسًا بسبب غياب استراتيجية اقتصادية واضحة ترتبط بالانتقال السياسي وتؤطّره. فقد كشفت تلك السنة عن مدى الترابط العضوي بين الاستقرار السياسي والاستقرار الاقتصادي، وبيّنت أن نجاح الانتقال الديمقراطي لا يتوقف على بناء مؤسسات سياسية جديدة فحسب، بل يتطلب أيضًا إدارة اقتصادية رشيدة قادرة على تحقيق التوازن بين الاستجابة للمطالب الاجتماعية والمحافظة على توازنات الدولة ماليًّا واقتصاديًّا.
الشكل (5)
مقارنة بين الصدمتين الاجتماعيتين: كانون الثاني/ يناير 1984 وكانون الثاني/ يناير 2011
المصدر: وزارة الاقتصاد والتخطيط، الميزان الاقتصادي لسنوات 1986 الى 2011
وفي ضوء المقارنة التاريخية بين تداعيات ثورة الخبز في سنة 1984 والانكماش الاقتصادي في سنة 1986 من جهة، والصدمة الاقتصادية التي أعقبت الثورة في سنة 2011 من جهة أخرى، يتضح أن الاقتصاد التونسي عرف في المرتين لحظات انقطاع حادة في مساره التنموي ارتبطت باضطرابات اجتماعية عميقة أدّت إلى ضحايا برصاص قوات الأمن، وإرباك الدورة الاقتصادية، وتعطيل جزء من آليات الإنتاج والاستثمار. غير أن التشابه في النتائج الظرفية لا ينبغي أن يحجب الاختلاف العميق في طبيعة السياقين الاقتصادي والسياسي، سواء كان ذلك على المستوى الداخلي أو الدولي.
ففي منتصف الثمانينيات، كانت تونس تواجه أزمة اقتصادية ومالية متراكمة سبقت الانفجار الاجتماعي، تمثّلت أساسًا في تفاقم عجز ميزان المدفوعات وارتفاع خدمة الدين الخارجي وتراجع عائدات بعض القطاعات التصديرية، وهو ما دفع السلطة آنذاك إلى تبنّي إجراءات تقشفية، من بينها رفع أسعار المواد الأساسية، الأمر الذي فجّر الاحتجاجات الاجتماعية. وقد بلغت هذه الأزمة ذروتها في سنة 1986 عندما سجّل الاقتصاد التونسي انكماشًا في النمو بلغ نحو -1.4%؛ ما مهّد لاعتماد برنامج الإصلاح الهيكلي في تونس في سنة 1986 بإشراف المؤسسات المالية الدولية. غير أن هذا التحول الاقتصادي جاء أيضًا في سياق دولي غير ملائم نسبيًا؛ إذ كانت الدول الصناعية الكبرى تعيش آنذاك تداعيات أزمة المديونية العالمية وأزمة السيولة المالية في النظام المالي الدولي خلال الثمانينيات، وهو ما حدّ من قدرة تلك الدول على تقديم مساعدات مالية سخية إلى الدول النامية. ولذلك اضطرت تونس إلى إدارة أزمتها الاقتصادية أساسًا عبر برامج إصلاحية قاسية ركّزت على إعادة التوازنات المالية والماكرو-اقتصادية أكثر من تركيزها على سياسات دعم مالي خارجي واسع.
أما في سنة 2011، فقد كان المسار مختلفًا إلى حد بعيد. فعلى الرغم من أن الاقتصاد التونسي لم يكن عشية سقوط نظام بن علي اقتصادًا منهارًا على مستوى مؤشراته الماكرو-اقتصادية الأساسية، فإن اندلاع الثورة، وما ارتبط بها من انهيار مفاجئ للمنظومة السياسية السابقة، أوجدا حالة واسعة من عدم اليقين المؤسسي والاقتصادي، أدت إلى تعطّل عدد من الأنشطة الإنتاجية الحيوية وتراجع الاستثمار وانهيار بعض القطاعات الحساسة مثل السياحة والصناعات الاستخراجية، وهو ما أفضى إلى انكماش اقتصادي خلال سنة 2011. غير أن هذه الصدمة وقعت في سياق دولي مختلف نسبيًا؛ إذ حظيت تونس بعد الثورة بتعاطف سياسي واسع من القوى الغربية والمؤسسات المالية الدولية باعتبارها أول تجربة انتقال ديمقراطي في المنطقة، فأتاح ذلك مجالًا لإمكانية تعبئة موارد مالية خارجية مهمة من أجل دعم التجربة الديمقراطية الناشئة، عبر القروض الميسّرة أو برامج الدعم المالي والفني. لكن هذا الظرف الدولي المواتي نسبيًا لم يُستثمر بالكامل في صياغة استراتيجية اقتصادية إصلاحية متكاملة قادرة على تحويل الدعم الخارجي إلى رافعة لإعادة هيكلة الاقتصاد وتعزيز قدرته على خلق النمو والتشغيل.
وبذلك، تكشف المقارنة بين سنتَي 1986 و2011 عن مفارقة لافتة للانتباه في التاريخ الاقتصادي التونسي المعاصر. ففي الحالة الأولى، واجهت البلاد أزمة اقتصادية عميقة في سياق دولي محدود الموارد المالية، الأمر الذي دفعها إلى تبنّي إصلاحات اقتصادية هيكلية قاسية لاستعادة التوازنات الماكرو-اقتصادية. أما في الحالة الثانية، فقد حدثت الصدمة الاقتصادية في سياق دولي أكثر استعدادًا لدعم تجربة الانتقال الديمقراطي، غير أن غياب رؤية اقتصادية واضحة لإدارة المرحلة الانتقالية حدّ من القدرة على تحويل ذلك الدعم إلى مسار إصلاحي مستدام. ومن هذا المنظور، لا تمثّل سنة 2011 لحظة تحوّل سياسي فحسب، بل تكشف أيضًا عن التحدّي المركزي الذي يواجه الاقتصادات الانتقالية، وهو متمثّل في القدرة على توظيف الفرص الدولية المتاحة في لحظات التحول التاريخي من أجل إرساء توازن جديد بين الاستقرار الاقتصادي والتوازن الاجتماعي.
خامسًا: عشرية ما بعد الثورة: تقدّم في الانتقال السياسي وتعثّر في الانتقال الاقتصادي
لم يكن الملف الاقتصادي يحظى بأهمية بالغة لدى الحكومات التي تداولت على السلطة خلال العشرية التي تلت الثورة، من حكومة حمادي الجبالي إلى حكومة هشام المشيشي؛ إذ واصلت هذه الحكومات إيلاء الأسبقية للملف السياسي واستكمال المؤسسات الدستورية، ظنًّا منها أن هذا هو النهج الأمثل لإنجاح الانتقال الديمقراطي. غير أن الإفراط في الإصلاح السياسي مقابل الإخفاق الاقتصادي أنتج فجوة عميقة بين مسارَي الانتقال السياسي والانتقال الاقتصادي، وهو ما أدى تدريجيًا إلى إضعاف المكتسبات السياسية نفسها، بل هيَّأ الأرضية لفشل الانتقال الديمقراطي برمّته. فقد أظهرت تجارب دول الانتقال الديمقراطي أن عمر الديمقراطية التي تتعايش مع إخفاقات اقتصادية واجتماعية يكون في أغلب الأحيان قصيرًا، وأن الشعوب التي تثور أساسًا من أجل تحسين أوضاعها المعيشية والحصول على مكاسب اقتصادية واجتماعية لا يمكن أن تتّصف بقدرٍ كبير من الصبر إذا لم ترتبط الإصلاحات السياسية بإصلاحات اقتصادية ملحوظة تنعكس مباشرة على حياتهم اليومية.
وعلى الرغم من النجاحات السياسية التي حقّقتها الحكومات المتعاقبة منذ الثورة، والتي انعكست على ارتقاء تونس في مؤشر الديمقراطية من نظام دكتاتوري في سنة 2010 إلى نظام هجين في سنة 2011 ثم إلى ديمقراطية معيبة في سنة 2019، لتصبح بذلك الأولى ضمن الدول العربية، والثانية في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، فإن هذا التقدّم السياسي لم يواكبه تحسّن مماثل في الأداء الاقتصادي والاجتماعي. بل على العكس من ذلك؛ إذ شهد ترتيب تونس في مختلف المؤشرات الاقتصادية والاجتماعية تراجعًا ملحوظًا، سواء في مؤشر الحرية الاقتصادية أو مؤشر التنافسية أو مؤشر الازدهار والرفاه، وهو ما يدلّ على اتساع الفجوة بين المكاسب السياسية والنتائج الاقتصادية الفعلية. وقد اتسعت هذه الفجوة أكثر فأكثر بعد انتخابات سنة 2019 التي لم تفرز كتلة برلمانية قادرة على تشكيل أغلبية مستقرة؛ إذ كان البرلمان الجديد مشتتًا وغير متجانس، وهو ما حدّ من قدرته على العمل على نحو طبيعي، ودعم الإصلاحات الاقتصادية الضرورية. وفي المقابل، لم يكن لرئيس الجمهورية المنتخب كتلة مساندة له داخل البرلمان، الأمر الذي أدى إلى تصاعد التوترات والتجاذبات السياسية بين مؤسستَي البرلمان ورئاسة الجمهورية، ما عرقل التقدم في الإصلاحات الاقتصادية والمالية الضرورية، وأسهم في مزيد من اتساع الفجوة بين المنجز السياسي والمنجز الاقتصادي، وقد أدى أيضًا إلى اهتزاز ثقة الشعب التونسي بقدرة الديمقراطية على تغيير الأوضاع الاقتصادية المتردية، وهو ما تُرجم في نهاية المطاف فيما حدث في 25 تموز/ يوليو 2021 باعتباره تعبيرًا قويًا عن الإحباط الاجتماعي والاقتصادي المتراكم.
ولم يكن المنجز الاقتصادي بالنسبة إلى الحكومات السبع التي تداولت على السلطة خلال هذه الفترة في مستوى تطلّعات الشعب التونسي، خاصة إذا ما قورن بحجم الدعم الدولي الذي حصلت عليه البلاد، وبالمبالغ المعتبرة التي رصدتها الحكومات المتعاقبة في موازناتها. فإذا كانت حكومة الترويكا خصصت نحو 6 مليارات دينار إضافية مقارنة بميزانية سنة 2011، فإنها تمكنت في المقابل من استرجاع نسق النمو الاقتصادي إلى 4.2% في سنة 2012 قبل أن يتراجع إلى 2.4% في سنة 2013، بما يعكس هشاشة التعافي الاقتصادي وارتباطه بعوامل ظرفية أكثر منه بتحسن هيكلي في الاقتصاد. وقد تمكّنت حكومة مهدي جمعة من ترفيع نسق النمو الاقتصادي إلى 3.1% في سنة 2014، وذلك على الرغم من الطابع الانتقالي لمهمتها السياسية المتمثلة أساسًا في تأمين الانتخابات التشريعية والرئاسية في نهاية السنة، وهي مهمة لم تكن مصحوبة بأهداف اقتصادية كبرى أو بإصلاحات هيكلية واسعة. غير أن الأزمة الاقتصادية بدأت تُلقي بظلالها على نحو أوضح منذ تولّي الحبيب الصيد رئاسة حكومة الائتلاف الوطني؛ إذ تراجع النمو الاقتصادي إلى قرابة 1% خلال سنتَي 2015 و2016، وهو ما يدلّ على بداية دخول الاقتصاد التونسي في مرحلة ركود نسبي نتيجة تراجع الاستثمار وتدهور المناخ الاقتصادي العام.
وقد تجلّى هذا الانحراف الاقتصادي على نحو أكثر وضوحًا خلال فترة حكومة الوحدة الوطنية برئاسة يوسف الشاهد، التي رفعت ميزانية الدولة بما يقارب 11 مليار دينار إضافية، كان أغلبها ممولًا من الديون الخارجية، وذلك في إثر توقيع الاتفاق الممدّد مع صندوق النقد الدولي في نهاية سنة 2016 بمبلغ 2.9 مليار دولار على أربع سنوات، في إطار برنامج إصلاح اقتصادي تضمّن أربعة إصلاحات كبرى تمثّلت في إصلاح الوظيفة العمومية، وإصلاح منظومة الدعم، وإصلاح المؤسسات العمومية، وتحسين مناخ الأعمال. غير أن هذه الإصلاحات لم تتقدّم بالنسق المطلوب، ولم يتمكن رئيس الحكومة آنذاك من تنفيذ الالتزامات التي أمضت عليها الحكومة مع صندوق النقد الدولي، ولا استعادة نسق النمو الاقتصادي الذي بقي في حدود 2% خلال كامل الفترة 2017–2019؛ ما أدى إلى تعليق القسطين السادس والسابع من القرض الائتماني من طرف صندوق النقد الدولي بقيمة 1.2 مليار دولار، فشكّل بذلك إشارة واضحة إلى تراجع صدقية السياسات الاقتصادية في نظر الممولين الدوليين.
واصلت حكومة رئيس الجمهورية الأولى إبّان رئاسة إلياس الفخفاخ في سنة 2020 والثانية بقيادة المشيشي في سنة 2021 المنحى التوسعي نفسه في الإنفاق العمومي؛ فقد أُضيف أكثر من 6.4 مليارات دينار إلى ميزانية الدولة في الحكومة الأولى، و8.3 مليارات دينار في الحكومة الثانية، من دون أن ينعكس ذلك على الأداء الاقتصادي؛ إذ شهد الاقتصاد التونسي خلال سنة 2020 انكماشًا حادًّا بلغ -9% بسبب تداعيات جائحة فيروس كورونا المستجد (كوفيد-19)، قبل أن يسجّل تعافيًا محدودًا في سنة 2021 بنسبة نمو بلغت 4.7%، وهو نسق ظل ضعيفًا وغير كافٍ لإعادة الاقتصاد إلى مستوى النشاط الذي كان عليه قبل الجائحة.
وخلال كامل عشرية ما بعد الثورة (2012–2021)، بلغت جملة الديون التي تحصّلت عليها تونس 104.3 مليارات دينار كاملة، من دون أن يواكب ذلك انعكاس اقتصادي أو اجتماعي ملحوظ، وهو ما يدلّ على ضعف نجاعة توظيف الموارد المالية في دعم النمو والاستثمار. ولم يتمكن الاقتصاد التونسي خلال هذه الفترة من تحقيق الحد الأدنى من النمو الضروري لخلق الثروة وفرص العمل؛ إذ استقر معدل النمو الاقتصادي في حدود 1.4% فقط، مقابل 4.4% خلال كامل الفترة 1987–2010. ولولا إسهام بعض القطاعات التقليدية، مثل الفلاحة والسياحة، لكان الركود الاقتصادي أكثر حدة. ويُفسَّر هذا الأداء الضعيف في الأساس بتراجع الاستثمار؛ إذ سجّل الاستثمار خلال فترة ما بعد الثورة انكماشًا ملحوظًا بلغ -3.5%، وهو ما انعكس مباشرة على قدرة الاقتصاد التونسي على التصدير؛ فقد تراجعت الصادرات بنسبة -1.2%، وتفاقم العجز التجاري ليبلغ مستويات مرتفعة وصلت إلى نحو 10% من الناتج المحلي الإجمالي. واتسعت الهوة التنموية أيضًا بين الجهات الساحلية الأكثر حركية اقتصادية والجهات الداخلية المهمشة، وتراجعت قدرة المواطن الشرائية التونسي تراجعًا ملحوظًا، خاصة منذ سنة 2017؛ ما أسهم في تنامي الهجرة المنظّمة لدى الكفاءات التونسية والهجرة السرّية لدى الشباب من ذوي المستويات التعليمية الضعيفة.
وقد أدت هذه الأزمة الاقتصادية الممتدة إلى اختلال عميق في التوازنات المالية الداخلية، بحيث تضاعف عجز ميزانية الدولة بأكثر من سبع مرات؛ من 1% في سنة 2010 إلى 7.6% من الناتج المحلي الإجمالي في سنة 2021، وهو ما أدى إلى ارتفاع نسبة الدين العمومي من الناتج المحلي الإجمالي من 40.7% في سنة 2010 إلى 79.7% في سنة 2021، وكانت أغلب هذه الديون ديونًا خارجية. وإضافة إلى ذلك، دخلت الصناديق الاجتماعية في حالة عجز هيكلي متفاقم، في حين أصبحت مؤسسات عمومية عديدة تعاني صعوبات مالية حادة وصلت في بعض الحالات إلى حدود الإفلاس، بعد أن كانت في فترات سابقة تسهم في دعم ميزانية الدولة بمبالغ مهمة.
الشكل (6)
أهم المؤشرات الاقتصادية خلال الفترة 2011-2021
المصدر: عجز ميزانية الدولة من الناتج وعدد أيام التوريد : وزارة الاقتصاد والتخطيط، الميزان الاقتصادي لسنوات 1986 الى 2025
التضخم المالي : بيانات مجموعة البنك الدولي :
https://acr.ps/hBxRYPF
النمو الاقتصادي: بيانات مجموعة البنك الدولي :
https://acr.ps/hBxRY6a
ومن منظور أعمق، تكشف هذه المؤشرات الاقتصادية والمالية المتراكمة خلال عشرية ما بعد الثورة عن أزمة هيكلية في المنوال التنموي التونسي أكثر مما تعكس صعوبات ظرفية مرتبطة بالانتقال السياسي فحسب. فضعف النمو الاقتصادي، وتراجع الاستثمار، واتساع العجزين المالي والتجاري، وارتفاع المديونية العمومية، كلها مؤشرات تدلّ على عجز الاقتصاد التونسي عن تجديد محركات نموه التقليدية، أو خلق محركات جديدة قادرة على إنتاج الثروة واستيعاب اليد العاملة المؤهلة. فقد بقي الاقتصاد التونسي خلال هذه الفترة يعتمد على القطاعات التقليدية نفسها ذات القيمة المضافة الضعيفة، مثل الفلاحة والسياحة والصناعات المعملية ذات المحتوى التكنولوجي المحدود، من دون أن ينجح في الانتقال نحو قطاعات إنتاجية أكثر دينامية قائمة على المعرفة والتكنولوجيا والاندماج في سلاسل القيمة العالمية.
وكشفت هذه المرحلة عن محدودية قدرة السياسات الاقتصادية المعتمدة على تحفيز الاستثمار الخاص، الذي يُعدّ المحرك الأساسي للنمو وخلق فرص الشغل، في ظلّ مناخ اقتصادي اتّسم بعدم الاستقرار السياسي وتردّد الحكومات في تنفيذ الإصلاحات الهيكلية الكبرى. وقد أدى هذا الوضع إلى تراجع الثقة لدى الفاعلين الاقتصاديين المحليين والأجانب، وتنامي حالة الانتظار والترقّب لدى المستثمرين؛ ما أسهم في تعميق ركود الاستثمار وتباطؤ النشاط الاقتصادي. وفي المقابل، اضطرت الدولة إلى اللجوء المتزايد إلى الاقتراض الخارجي لتمويل العجز المتفاقم في الميزانية، الأمر الذي أدى إلى ارتفاع سريع في المديونية العمومية من دون أن يقابله تحسّن ملحوظ في القدرة الاقتصاد الإنتاجية.
وبهذا المعنى، يمكن القول إن عشرية ما بعد الثورة لم تشهد تباطؤًا في النمو الاقتصادي فحسب، بل عرفت أيضًا تعمق الاختلالات الهيكلية التي كان يعانيها الاقتصاد التونسي قبل سنة 2011، بل إن بعضها تفاقم أكثر نتيجة غياب رؤية اقتصادية واضحة قادرة على رَبْط الانتقال السياسي بإصلاحات تنموية عميقة. وقد أدى هذا التباعد بين المسار السياسي والمسار الاقتصادي إلى إضعاف الثقة المجتمعية بجدوى الديمقراطية نفسها، عندما لم تتمكن من تحسين أوضاع المواطنين المعيشية أو الحدّ من الفوارق الجهوية والاجتماعية. ومن هنا، يصبح فهم طبيعة السياسات الاقتصادية التي اعتمدتها الحكومات المتعاقبة خلال هذه الفترة أمرًا أساسيًا لتفسير أسباب هذا الأداء الاقتصادي الضعيف، وهو ما يستدعي تحليلًا معمّقًا لتوجهات هذه السياسات وخياراتها الكبرى، وهذا ما سنتناوله في المبحث الموالي.
سادسًا: السياسات الاقتصادية بعد الثورة: مقاربة محاسباتية مقابل فشل تنموي
لم تتمكن الحكومات التي تعاقبت على السلطة بعد الثورة من تغيير المنوال التنموي السائد، الذي ظل يعتمد أساسًا على المزايا التفاضلية المرتبطة باليد العاملة الرخيصة، في حين أن الطلبات الإضافية على سوق الشغل أصبحت تتكون أساسًا من فئة الشباب من خرّيجي الجامعات. وقد أدى هذا التناقض البنيوي بين طبيعة العرض في سوق العمل وطبيعة هيكلة الاقتصاد إلى تنامي معدلات البطالة واستقرارها فوق عتبة 15% خلال معظم سنوات ما بعد الثورة. ولم يقتصر الأمر على استمرار المنوال التنموي نفسه، بل تفاقمت هشاشته نتيجة سياسات اقتصادية وُصفت في كثير من الأحيان بأنها عقيمة، فضلًا عن بيئة اجتماعية وسياسية غير ملائمة للاستثمار والنمو. وقد بلغت الاحتجاجات الاجتماعية ذروتها خلال عدة فترات حساسة بعد الثورة، في وقت كان فيه الاقتصاد التونسي في حاجة إلى قدر أكبر من الاستقرار الاجتماعي لاستعادة نسق النشاط الاقتصادي، خاصة أن الموارد المالية اللازمة للنهوض بالاقتصاد كانت متوافرة نسبيًا، سواء بالعملة المحلية؛ إذ كانت المالية العمومية في أغلبها سليمة نسبيًا في السنوات الأولى بعد الثورة، أو بالعملة الأجنبية؛ فقد كانت المدخرات من العملة الصعبة في خزينة البنك المركزي تكفي لتغطية 147 يوم توريد.
وفي المقابل، تميزت المرحلة السياسية بعدم الاستقرار الحكومي؛ إذ شهدت تونس خلال 11 سنة من الثورة حتى 25 تموز/ يوليو 2021 تداول تسع حكومات على السلطة، بداية بحكومة الغنوشي الانتقالية ووصولًا إلى حكومة المشيشي. ويعدّ هذا العدد المرتفع من الحكومات مؤشرًا على هشاشة الاستقرار السياسي خلال المرحلة الانتقالية، خاصة إذا ما قورن بفترة ما قبل الثورة التي تميّزت، على الرغم من نزعتها السلطوية، بدرجة عالية من الاستقرار الحكومي؛ حيث لم تعرف البلاد سوى أربع حكومات فقط (رشيد صفر، والهادي البكوش، وحامد القروي، والغنوشي) خلال 23 سنة كاملة من حكم بن علي.
ومع ذلك، لا يمكن تفسير الأزمة الاقتصادية التي عاشتها تونس بعد الثورة باستمرار المنوال التنموي القديم فحسب، بل إنها تُفسّر أيضًا بطبيعة السياسات الاقتصادية التي اعتمدتها الحكومات المتعاقبة. فقد تبنّت حكومتا الغنوشي ثم قايد السبسي الانتقاليتان سياسة مالية توسعية، استجابةً لمطالب اجتماعية متزايدة، تمثّلت أساسًا في توقيع عدة اتفاقيات للزيادة في الأجور والقيام بانتدابات واسعة في الوظيفة العمومية. وألزم ذلك حكومة الترويكا بتنفيذ هذه الالتزامات في السنة الأولى من حكمها، ما أدى إلى ارتفاع كبير في عدد العاملين في الوظيفة العمومية في سنة 2012 بنحو 88 ألف موظف. وتواصلت هذه السياسة في السنوات اللاحقة؛ إذ بلغ عدد الانتدابات في الوظيفة العمومية 25 ألف موظف في سنة 2013، ثم قرابة 33 ألفًا خلال حكومة جمعة، و31 ألفًا خلال حكومة الصيد، و36 ألفًا خلال حكومة الشاهد، وهو ما تؤكده أرقام المعهد الوطني للإحصاء حول عدد أعوان الوظيفة العمومية[7].
وعلى الرغم من هذا التوسّع الكبير في التشغيل العمومي، فإنه لم ينعكس على تحسّن أداء الخدمات الاجتماعية الأساسية، بل شهدت قطاعات الصحة والنقل والتعليم تدهورًا ملحوظًا في جودة خدماتها، الأمر الذي دفع جزءًا متزايدًا من الطبقة الوسطى إلى اللجوء إلى القطاع الخاص لتلبية احتياجاتها الأساسية. وقد أدى هذا التحول إلى تحميل الأسر أعباء مالية إضافية أسهمت في تآكل قدرتها الشرائية، ودفع جزءًا من هذه الطبقة نحو الانزلاق التدريجي إلى الفئات الاجتماعية الهشة.
وفي الوقت نفسه، لم تساعد السياسات الظرفية التي انتهجتها الحكومات المتعاقبة على تحفيز الاستثمار الخاص، الذي يُعدّ المحرك الرئيس لخلق الثروة وفرص العمل. فإلى جانب البيروقراطية الإدارية المزمنة والفساد المستشري داخل بعض مفاصل الإدارة التونسية، اتسمت السياسات الاقتصادية الكلية بمزيج من السياسة الجبائية التوسعية، والسياسة النقدية الحذرة، وسياسة الصرف المرنة. وقد أدى هذا المزيج من السياسات إلى تراجع ملحوظ في قيمة الدينار التونسي خاصة منذ سنة 2017، وأسهم في إغراق المالية العمومية والمؤسسات العمومية في حلقة مفرغة من التداين الخارجي.
ففي المجال الجبائي، أدت السياسة المعتمدة إلى ارتفاع الضغط الجبائي وإثقال كاهل المؤسسات الاقتصادية، الأمر الذي دفع العديد منها إلى تحويل جزء من رقم معاملاتها إلى القطاع غير المنظّم تفاديًا للأعباء الضريبية المرتفعة. وأسهم هذا المناخ الجبائي في عزوف فئات واسعة من الشباب عن الاستثمار في القطاع المنظّم، ما أدى إلى توسّع القطاع غير الرسمي الذي أصبح ملاذًا لعدد كبير من الشباب والأسر المحدودة الدخل. ويعود اعتماد هذه السياسة الجبائية التوسعية إلى اعتقاد مفاده أن ترفيع الضرائب يؤدي تلقائيًا إلى زيادة الموارد الجبائية وتحقيق التوازنات المالية، غير أن الواقع أظهر أن هذه المقاربة أدت إلى نتائج عكسية؛ إذ أسهمت في تراجع الاستثمار الخاص والنمو الاقتصادي، ومن ثم في تراجع القاعدة الجبائية نفسها.
وقد جسّدت هذه الاختيارات ما يمكن وصفه بالمقاربة المحاسباتية في إدارة الاقتصاد؛ إذ ركزت الحكومات المتعاقبة على تحقيق توازنات المالية العمومية عبر ترفيع نسبة الضغط الجبائي أو خَفْض النفقات العمومية، استجابةً لتوصيات المؤسسات المالية الدولية، وفي مقدمتها صندوق النقد الدولي. وفي هذا السياق، ارتفعت نسبة الضغط الجبائي من 20% في سنة 2010 إلى 23.3% في سنة 2021، في حين تراجعت حصة نفقات التنمية من ميزانية الدولة من 25.6% في سنة 2010 إلى 8.2% في سنة 2021[8]. وقد أدى هذا التحول في هيكلة الإنفاق العمومي إلى انكماش قياسي في الاستثمار الخاص وتباطؤ النمو الاقتصادي؛ فانعكس ذلك على ارتفاع معدلات البطالة وتدهور قدرة المواطنين الشرائية.
وقد أسهمت هذه المقاربة المحاسباتية في تحويل أهداف الثورة التونسية من مطالب التشغيل والكرامة الوطنية إلى البحث عن توازنات مالية فحسب؛ إذ أصبح الخطاب الاقتصادي الرسمي بالنسبة إلى الحكومات المتعاقبة يركّز أساسًا على إعادة توازنات المالية العمومية بدلًا من التركيز على خلق الثروة وتحسين مستويات العيش. ولم تعُد السياسات الاقتصادية تستهدف بالدرجة الأولى تحسين أوضاع المواطنين، بل أصبحت موجّهة أساسًا إلى إرضاء المؤسسات المالية الدولية من أجل الحصول على القروض الخارجية اللازمة لتغطية العجز وسداد الديون.
ويعود هذا الوضع، في جزء منه، إلى ضعف القدرة التفاوضية في الجانب التونسي في علاقته بصندوق النقد الدولي؛ فغالبًا ما يجري التركيز على الوصول إلى اتفاقات تمويلية معه باعتبارها إنجازًا في حد ذاتها، من دون الخوض بعمق في جدوى السياسات الاقتصادية المقترحة ومدى ملاءمتها للواقع الاقتصادي والاجتماعي التونسي. ومع ذلك، لا يكمن الإشكال في الصندوق في حد ذاته؛ إذ إن دولًا عديدة تتعاون معه ونجحت في تحقيق نتائج إيجابية، بل يكمن أساسًا في طريقة إدارة العلاقة معه وفي ضعف الاستراتيجية التفاوضية المعتمدة.
وبالتوازي مع السياسة الجبائية التوسعية، اعتمدت الحكومات المتعاقبة، بالتنسيق مع الصندوق، سياسة نقدية حذرة وسياسة صرف مرنة بهدف تكريس استقلالية البنك المركزي. وقد تمثّلت السياسة النقدية الحذرة أساسًا في الترفيع المتكرر في نسبة الفائدة المديرية بهدف الحد من القروض الموجهة إلى العائلات؛ ومن ثم تراجع الاستهلاك الخاص، ولا سيما الاستهلاك المرتبط بالواردات. غير أن هذه المقاربة انطلقت من فرضية مفادها أن القروض المسندة إلى الأُسر التونسية تُوجَّه أساسًا إلى الاستهلاك، في حين أن جزءًا معتبرًا منها يُخصص في الواقع لبناء أو اقتناء مساكن، وهو ما يُعدّ من الناحية الاقتصادية شكلًا من أشكال الاستثمار لما له من آثار إيجابية في النشاط الاقتصادي، وفي خلق فرص عمل مباشرة وغير مباشرة لمؤسسات صغرى ومتوسطة.
ويعود العجز التجاري في تونس أساسًا إلى توريد الطاقة والمواد الأولية ونصف المصنعة ومواد التجهيز الضرورية للإنتاج، في حين أن المواد الاستهلاكية الأساسية تورّدها الدواوين العمومية أساسًا، وليس العائلات التونسية. ومع ذلك، أدت هذه السياسة النقدية إلى الترفيع في نسبة الفائدة أكثر من 12 مرة خلال عشرية ما بعد الثورة، وهو ما انعكس على ارتفاع تكلفة القروض البنكية بالنسبة إلى العائلات والمؤسسات الاقتصادية، ودفع العديد منها إلى الإحجام عن طلب التمويل، الأمر الذي أسهم في إضعاف محركات النمو الاقتصادي القائمة على الاستثمار والاستهلاك والتصدير.
في مقابل ذلك، استفادت البنوك التجارية من هذه السياسة النقدية؛ إذ شهدت طفرة مالية ملحوظة نتيجة ارتفاع العوائد المتأتية من الاستثمار في سندات الدولة. فشراء هذه السندات يُحقق للبنوك عائدات مرتفعة من دون مخاطر تُذكر مقارنةً بتمويل الاستثمار الخاص، ويسمح لها بالحصول على سيولة إضافية عبر إعادة تمويل هذه السندات لدى البنك المركزي. وقد أدى ذلك إلى توجيه جزء مهم من السيولة المتوافرة في النظام البنكي نحو تمويل الدين العمومي بدلًا من تمويل المشاريع الإنتاجية؛ ما أسهم في ضخّ السيولة في الاقتصاد من دون خلق ثروة فعلية، الأمر الذي أدى إلى تضاعف معدل التضخم المالي من 3.3% في سنة 2010 إلى 6.6% في كانون الأول/ ديسمبر 2021 بحسب المعهد الوطني للإحصاء.
وقد أدى الفصل بين السياسة النقدية التي يحددها البنك المركزي، والسياسة الجبائية التي تعتمدها الحكومة، إلى بروز سياسات اقتصادية غير منسجمة أسهمت في تعميق الركود الاقتصادي وارتفاع معدلات البطالة والتضخم. ومن هذا المنطلق، تبرز ضرورة إرساء قدر أكبر من التنسيق بين الحكومة والبنك المركزي في تحديد ملامح السياسة الاقتصادية الكلية، وذلك عبر اعتماد سياسة مزدوجة تجمع بين الأدوات الجبائية والنقدية. ويمكن أن يجري ذلك من خلال مراجعة القانون الأساسي للبنك المركزي والقانون المنظّم للميزانية بإضافة هدف ثانٍ إلى السياسة النقدية متمثّل في دعم النمو الاقتصادي، مع تمكين الدولة من الاقتراض المباشر من البنك المركزي في حدود مبلغ محدد يجري الاتفاق عليه، على أن يوجّه هذا التمويل حصريًا إلى نفقات التنمية حتى لا يؤدي إلى تفاقم الضغوط التضخمية.
ومن جهة أخرى، أسهم اعتماد سياسة صرف مرنة في تراجع قيمة الدينار التونسي، الأمر الذي أدى إلى ارتفاع تكلفة الإنتاج لدى المؤسسات الاقتصادية، وخاصة أن جزءًا كبيرًا من المواد الأولية ونصف المصنعة ومواد التجهيز تُورَّد من الخارج. وانعكس أيضًا تدهور قيمة العملة الوطنية سلبيًا على القدرة الشرائية بالنسبة إلى التونسيين ومكانتهم الاقتصادية في الخارج، خاصة بالنسبة إلى أصحاب الدخل المتوسط الذين يشاركون في المؤتمرات العلمية أو المهمات المهنية الدولية. وأدى كذلك إلى ارتفاع تكلفة خدمة الدين الخارجي بالنسبة إلى الدولة والمؤسسات العمومية؛ ما أسهم في تفاقم عجز الميزانية وتدهور الوضعية المالية لعدد من المؤسسات العمومية التي أصبحت عاجزة عن سداد ديونها، لتتحول إلى عبء متزايد على المالية العمومية.
وفي ظل هذه التحديات، أدت الصعوبات التي واجهتها تونس في التقدم في المفاوضات مع صندوق النقد الدولي، على الرغم من حصولها على اتفاق تقني في تشرين الأول/ أكتوبر 2021، إضافة إلى التجاذبات السياسية بين مؤسسات الدولة، من البرلمان ورئاسة الجمهورية ورئاسة الحكومة والبنك المركزي، إلى اهتزاز ثقة المؤسسات المالية الدولية بالاقتصاد التونسي. وانعكس ذلك على قيام عدد من وكالات التصنيف الدولية بتخفيض الترقيم السيادي لتونس في عدة مناسبات، الأمر الذي زاد من صعوبة تعبئة الموارد الخارجية من العملة الصعبة، خاصة في الأسواق المالية الدولية.
خاتمة: استعادة التلازم بين الديمقراطية والتنمية
بيّنت هذه الدراسة، من خلال تحليل مسار الاقتصاد التونسي على مدى ستة عقود، أن الأزمة التي تجلّت سياسيًا واجتماعيًا في سنة 2011 ثم تجددت بحدة أكبر في سنة 2021، ليست نتيجة أخطاء ظرفية في مرحلة محددة، بل نتاج تراكم اختلالات عميقة في المنوال التنموي المعتمد منذ الاستقلال. فقد تعاقبت على تونس تجارب اقتصادية متنوعة، بدءًا من نموذج التعاضديات، ومرورًا بالانفتاح الاقتصادي، ووصولًا إلى تدخّل الدولة المكثّف والإصلاحات الهيكلية بإشراف المؤسسات المالية الدولية، من دون أن تُفضي هذه التجارب إلى بناء مسار تنموي مستدام يوازن بين النمو الاقتصادي والعدالة الاجتماعية والحدّ من الفوارق الجهوية على نحو فعّال.
وأظهرت الدراسة أن الاقتصاد التونسي حقّق في فترات مختلفة معدلات نمو معتبرة نسبيًا، إلا أن هذا النمو ظل، في أغلب فتراته، منفصلًا عن التنمية بالمعنى الشامل، سواء من حيث خلق فرص الشغل، أو تحسين مستويات المعيشة، أو تعزيز الاندماج الاجتماعي. وتتجلى المفارقة الأساسية في تجربة تونس في تفاوت الأداء بين مؤشرات النمو الكلي بتسجيلها تصنيفًا مقبولًا، ومؤشرات التنمية البشرية والاجتماعية التي بقي ترتيبها أدنى من مكانتها الاقتصادية؛ ما أسهم في تراكم توترات اجتماعية مزمنة، انفجرت في نقاط مفصلية من التاريخ الوطني.
وأبرزت الدراسة أيضًا أن أزمة الثمانينيات شكّلت منعطفًا حاسمًا، ليس على مستوى السياسات الاقتصادية فحسب، بل أيضًا على بنية الاقتصاد السياسي. فبرنامج الإصلاح الهيكلي أسهم في استعادة التوازنات المالية وتحقيق بعض مؤشرات النمو، لكنه في المقابل رسّخ منوالًا قائمًا على الريع، وضعف الإنتاجية، والتفاوتات الجهوية، وهو منوال ظل حاضرًا، بصيغ مختلفة، حتى في مرحلة ما بعد الثورة. وعلى الرغم من النسق النسبي للاستقرار الاقتصادي قبل سنة 2011، فإن هذه المرحلة فشلت في معالجة الاختلالات الهيكلية، وجرى احتواؤها سياسيًا وأمنيًا إلى أن أعادت الثورة طَرْحها على نحو حاد.
أما مرحلة ما بعد الثورة، فقد كشفت حدود الفصل بين المسارين السياسي والاقتصادي؛ إذ كانت الأولوية للانتقال الديمقراطي وبناء المؤسسات السياسية، في حين تُرك الاقتصاد من دون إصلاح جذري، وهو أمرٌ أدى إلى تدهور المؤشرات الاقتصادية والاجتماعية وتقويض القاعدة المادية للديمقراطية الناشئة. وأظهرت التجربة أن الديمقراطية في غياب نمو شامل وعدالة اجتماعية تصبح هشة وقابلة للارتداد، بل قد تنظر إليها فئات واسعة في المجتمع باعتبارها مصدرًا إضافيًا لعدم الاستقرار.
وتؤكد نتائج الدراسة أن استعادة التلازم بين الديمقراطية والتنمية شرط أساسي لأيّ مسار إصلاحي مستقبلي في تونس. فلا يمكن تحقيق استقرار سياسي دائم من دون إعادة بناء المنوال التنموي على أسس جديدة، تقوم على تنويع القاعدة الإنتاجية، والقطع مع الاقتصاد الريعي، وتعزيز الاستثمار المنتج، وتحقيق العدالة الجبائية والإنصاف الجهوي. ولا يمكن كذلك أن ينجح أيّ إصلاح اقتصادي من دون سندٍ سياسي واجتماعي واسع، وإدماجٍ للفئات المتضررة في مسار الإصلاح لضمان توزيع عادل لتكاليفه ومكاسبه.
وفي هذا السياق، لا ينبغي النظر إلى الأزمة التونسية الراهنة بوصفها نهاية محتومة لمسار الانتقال الديمقراطي، بل باعتبارها فرصة لإعادة التفكير في العلاقة بين الاقتصاد والسياسة، وفي شروط بناء دولة قادرة على تحقيق التنمية والديمقراطية معًا. ولا يقتصر التحدي الحقيقي بالنسبة إلى تونس في الوقت الراهن على استعادة النمو، بل إنه يحتاج أيضًا إلى إعادة تعريفه؛ بحيث يصبح مولّدًا للتنمية، وداعمًا للاستقرار الاجتماعي، وحاملًا لمسار سياسي شرعي مستدام.
المراجع
العربية الجمهورية التونسية، وزارة المالية. "ميزانية الدولة لسنوات 2010 إلى 2021". المعهد الوطني للإحصاء. "خصائص أعوان الوظيفة العمومية وأجورهم لسنوات 2010-2021". في:
https://acr.ps/hBxMw5A البنك الدولي. "نمو إجمالي الناتج المحلي (% سنويًا) – Tunisia". في:
https://acr.ps/hBxMvQ4
الأجنبية “Principaux paramètres de la dette extérieure de la Tunisie (1961-2021).” Forum Ibn Khaldoun Pour Le Developpement. 5/9/2022. Banque centrale de Tunisie. at:
https://acr.ps/hBxMw3F République Tunisienne, Secrétariat d’Etat au Plan et aux Finances.
Perspectives décennales de développement 1962-1971. Tunis: Imp. Officielle, [n. d.]. at:
https://acr.ps/hBxMvRZ The World Bank.
Tunisia: Economic Position and Prospects, Country Economic Memorandum. Report no. 2201-TUN. November 1978. at:
https://acr.ps/hBxMwuR ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ.
Republic of Tunisia: Changing the Structure of Incentives. Report no. 9620-TUN. November 1991. at:
https://acr.ps/hBxMvEo ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ.
The Unfinished Revolution: Bringing Opportunity, Good Jobs and Greater Wealth to All Tunisians. Report no. 86179 TN.
Development Policy Review. May 2014. at:
https://acr.ps/hBxMwhg
|
[1] République Tunisienne, Secrétariat d’Etat au Plan et aux Finances,
Perspectives décennales de développement 1962-1971 (Tunis: Imp. Officielle, [n. d.]), accessed on 4/5/2026, at:
https://acr.ps/hBxMvRZ
[2] The World Bank,
The Unfinished Revolution: Bringing Opportunity, Good Jobs and Greater Wealth to All Tunisians, Report no. 86179 TN,
Development Policy Review (May 2014), accessed on 4/5/2026, at:
https://acr.ps/hBxMwhg
[3] The World Bank,
Tunisia: Economic Position and Prospects,
Country Economic Memorandum, Report no. 2201-Tun (November 1978), accessed on 4/5/2026, at:
https://acr.ps/hBxMwuR
[4] The World Bank,
Republic of Tunisia: Changing the Structure of Incentives, Report no. 9620-TUN (November 1991), accessed on 4/5/2026, at:
https://acr.ps/hBxMvEo
[5] The World Bank,
The Unfinished Revolution.
[6] Ibid.
[7] المعهد الوطني للإحصاء، "خصائص أعوان الوظيفة العمومية وأجورهم لسنوات 2010-2021"، شوهد في 4/5/2026، في:
https://acr.ps/hBxMw5A
[8] الجمهورية التونسية، وزارة المالية، "موازنات الدولة لسنوات 2010 إلى 2021".